لدي شخصيا وجهة نظر أن المؤسسة التعليمية الناجحة والتي تضع نفسها في مرتبة النخبة يجب أن تكون ناجحة في الارتقاء بطلابها وتحسين قدراتهم ويستوي عندي في هذا التعليم العام والجامعي بيد أن التقاليد الجامعية درجت على أن النخبوية للجامعات تكون بأن تختار الجامعة أفضل الطلاب للقبول فيها وبذلك تتميز الجامعة وترتفع أسهمها العلمية بهؤلاء المتميزين، وهذه وجهة نظر لا يمكن رفضها في ظل أن الجامعة خلافا للمدرسة تمتد علاقة الدارس بها ليصبح باحثا ومبتكرا، بيد أن هذا من جهة أخرى هو حق طبعي لجامعات الابتكار والتأثير العلمي خاصة تلك المرتبطة بأكبر شركات الانتاج والتصنيع أو مؤسسات الطب والصحة الكبرى، بينما في أغلب جامعات العالم العربي لا يوجد شيء من هذا القبيل وحتى مع التميز البحثي لعدد قليل من الجامعات المشهورة فإنها تظل دون المستوى الذي ذكرته آنفا، والذي يستحق أن يستخدم الانتقائية لتعزيز النخبوية، ولكن استعارة هذا المنهج لا أراه محققا للعدالة بشكل محكم، وعلى أية حال هذه مجرد وجهة نظر شخصية، لأقدم بها تحليلي نحو ما أثير مؤخرا حول معايير القبول في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من حيث أن مسار القبول الأساسي لديها يعتمد فقط على 50 % لاختبار القدرات و50 % للتحصيلي الخاص بالجامعة، ولا يدخل معدل الثانوية العامة في حساب الدرجة الموزونة إطلاقا (إلا للقبول الإلحاقي للشواغر الممكنة ويكون بنسبة 10 % فقط) ، والغريب أن هذه المعايير المستبعدة تماما لمعدل الثانوية تسير جنبا إلى جنب مع كون الشهادة الثانوية شرطاً للتقدم أصلاً!
القضية عندي تتجاوز جامعة بعينها إلى سؤال تربوي وقياسي مهم: كيف تختار الجامعة الانتقائية طلابها؟ وهل تكفي اختبارات القبول، أم أن أداء الطالب طوال سنوات المرحلة الثانوية ينبغي أن يبقى جزءاً من عملية الاختيار؟ وماذا يقول العلم والبحث العلمي والتجربة الدولية في هذا المجال؟ والإجابة تبدأ من أهم المفاهيم الأساسية في القياس التربوي، وهو الصدق التنبؤي والمقصود به قدرة معيار القبول على التنبؤ بأداء الطالب لاحقاً، فإذا كان اختبار القبول لا توجد بين نتيجته وبين معدل الطالب في الجامعة علاقة ذات قيمة، فإن جدوى استخدامه تكون محل تساؤل مهما بدا الاختبار دقيقاً ومنظماً، ولدينا في المملكة دراسات مهمة من أبرزها دراسة الأخ الدكتور عبدالله القاطعي، من المركز الوطني للقياس (آنذاك)، والدكتور خليل الحربي، والمنشورة عام 2018 بعنوان «قدرة معايير القبول الجامعي على التنبؤ بالمعدل التراكمي للسنة الأولى في بعض الجامعات السعودية». وهي دراسة كبيرة استخدمت عينتين (قرابة 30 ألف طالب و22 ألف طالب) ودرست معدل الثانوية العامة والقدرات والتحصيلي وعلاقتها بمعدل السنة الجامعية الأولى، ووجدا أن المعايير الثلاثة تمتلك قدرة تنبؤية بالمعدل الجامعي، وأن معاملات الارتباط الخام (بعد التصحيح الإحصائي لمشكلة انحصار المدى في المقبولين فقط) تتراوح ما بين 0.46 و0.73 وهي نسب عالية وجديرة. بل وجدا أن الجمع بين المعايير يحقق قدرة تنبؤية أكبر من الاقتصار على بعضها، ودراسة أخرى أجراها غالب النهدي عام 2015 على قرابة 27 ألف طالب وطالبة في جامعة الأمير سطام، قارن فيها بين معدل الثانوية والتحصيلي والقدرات في التنبؤ بعدة صور من النجاح الجامعي. ووجد أن الجمع بين معدل الثانوية والتحصيلي كان أفضل في التنبؤ بالمعدل الجامعي، بينما كان اختبار القدرات منفردا أفضل معيار للتنبؤ بالتخرج من الجامعة، كما توجد دراسة سعودية أقدم أجراها المركز الوطني للقياس عام 1428هـ، حصلتُ على نتائجها من تقارير بحثية لاحقة، وفيها تمت متابعة العلاقة بين معايير القبول ومعدل السنة الأولى في الكليات الصحية وذلك خلال ثلاثة أعوام، وبلغ متوسط الارتباط نحو 0.56 للاختبار التحصيلي، و0.47 للثانوية، و0.41 للقدرات، وهي قيم عالية، وهي دراسة تفيد أن المركز نفسه كان يختبر باستمرار القيمة التنبؤية لأدواته، والدراسات المذكورة كلها أجمعت (باختلاف منفذيها واختلاف عيناتها)لى أن معدل الثانوية العامة له قيمة تنبؤية أي له صدق تنبؤي مهم.
هناك دراسات خارجية مهمة مثل دراسة إيلين ألنسورث وكالي كلارك Elaine M. Allensworth and Kallie Clark نشرت عام 2020 في Educational Researcher والتي درست معدلات الثانوية ودرجات ACT وعلاقتها بإكمال الجامعة، وجدت أن معدل الثانوية كان مؤشراً قوياً ومتسقاً نسبياً للتخرج الجامعي، وأن علاقته بالتخرج كانت أقوى من علاقة ACT في العينة التي درستها، وهذا منطقي تربوياً، لأن معدل ثلاث سنوات في المرحلة الثانوية لا يقيس المعرفة فقط، بل يلتقط جوانب من المثابرة، والانضباط، وإنجاز الأعمال على مدى طويل، وهي أمور لا يستطيع اختبار يستغرق ساعات قليلة قياسها بالطريقة نفسها.
بالنسبة إلى جامعة الملك فهد فلا شك أن التساؤل الذي يقفز فورا أمام أي مختص أو صاحب رأي هو: هل درست الجامعة نتائج آلاف الطلاب في دفعات سابقة، ووجدت أن اختبارها التحصيلي مع القدرات يفسران معظم ما يمكن تفسيره من الأداء الجامعي، وأن إضافة معدل الثانوية لا يحسن التنبؤ إلا بمقدار ضئيل لا قيمة عملية له؟ فإن كان الأمر كذلك فإن إعطاءه وزناً صفرياً هو قرار سليم ويمكن الدفاع عنه علمياً، أما إذا لم توجد مثل هذه الدراسة، أو وجدت ولم تعلن نتائجها، فهنا تبقى مساحة مشروعة للسؤال، لأن القرار قرار اجتماعي بالدرجة الأولى وليس قرارا داخليا خاصا بالجامعة، وبالنسبة لنا كمختصين فإن الأدلة العلمية المتاحة وضحت أن الثانوية لها قيمة، بل تقول في مجملها إن القبول الأفضل غالباً هو الذي يستخدم عدة مصادر للمعلومة (ومن بينها نتيجة الثانوية العامة)، أما تحديد وزن كل منها فيكون بناء على قدرته الفعلية والمحسوبة على التنبؤ ( وهذا أيضا يدعونا للتساؤل حول النسبة الصغيرة 10 % التي قررتها الجامعة ذاتها للقبول الإلحاقي، كيف حسبتها علميا!)،
ولذلك أرى أن من المفيد أن تنشر جامعة الملك فهد، بما لها من مكانة بحثية وقوة علمية، دراساتها السابقة كما تستمر في نشر دراسة دورية عن نظام قبولها: ما الذي يتنبأ فعلاً بمعدل السنة الأولى؟ وما الذي يتنبأ بالاستمرار والتخرج؟ وما القيمة التي يضيفها كل معيار بعد احتساب بقية المعايير؟ عندها سننتقل من الجدل حول «صفر في المئة للثانوية» إلى سؤال علمي أكثر أهمية: هل تختار الجامعة الانتقائية طلابها بناء على أدلة تثبت أن أدواتها تختار بالفعل من يملك أعلى استعداد للنجاح؟ وإذا أظهرت البيانات فعلاً أن شهادة الثانوية لا تضيف كثيراً إلى القدرة على التمييز بين المتقدمين المتفوقين، فسيصبح أمامنا سؤال آخر، وربما يكون أكثر إزعاجاً: كيف وصلت شهادة تمثل اثني عشر عاماً من التعليم إلى مرحلة تصبح فيها فائدتها في التمييز بين أفضل خريجيها صفرية أو ضئيلة (10 % مثلا)؟ وهو سؤال يوجه لجهة أخرى غير الجامعة طبعا وللجميع كل التقدير والاحترام.