الجامعات ومأزق سوق العمل: الخلل في المنظومة لا في الخريجين! – عبدالوهاب الفايز

هل نقول إن هذه الأرقام مزعجة أم مقلقة، أم هي (تحدٍ) وطني نستطيع استثماره وتحويله إلى (فرصة)، تماشياً مع الروح التي قامت عليها برامج الرؤية.

هذا العام سوف تتجاوز أعداد خريجي الجامعات السعودية حاجز 330 ألف خريج وخريجة، وحين يُضاف إليهم من يتخرَّج من معاهد التعليم التقني والمهني ومن يعود من الابتعاث، يقترب الرقم الإجمالي من 350 ألفاً، وهو رقم يعادل تقريباً تعداد سكان مدينة متوسطة الحجم -يدخل سوق العمل دفعةً واحدة كل عام. الرقم وحده مقلق إذا بقيت السياسات الحكومية بعيدة عن معالجة النفاذ إلى لسوق العمل ومحاصرة عوامل المنافسة الكبيرة. هل يعجز الاقتصاد السعودي عن استيعاب هذا الرقم؟ تذكروا قول المتنبي:

مع الأسف الاقتصاد السعودي -رغم نموه المستمر- لم يتمكن من تحويل قصة النجاح في التعليم إلى تدفق منتظم يوسع فرص العمل القادرة على استيعاب هذا الزخم البشري المتجدد. كنا نعول على تجارة التجزئة وريادة الأعمال لفتح فرص العمل للشباب السعودي عبر الأنشطة التجارية، ولكن الإخفاق واضح في هذا القطاع. كم عدد المنشآت الصغيرة التي خرجت، أو تحولت للنشاط الناجح: التستر التجاري؟!

الآن معدل البطالة الإجمالي يبلغ 3.5%، ومعدل البطالة للسعوديين 7.2%، وفيما يخص الشباب السعودي في سن (24-15 سنة)، ارتفاع معدل بطالة الشابات إلى 22.4%، وبين الشباب بلغت النسبة حوالي 12.3%. هذه النسب أفضل من السابق، وتؤكد حرصنا على مشروع التوطين. ولكن البطالة بين الشباب تحديداً تظل مقلقة إذا أخذنا في الاعتبار حجم الخريجين السنوي.

وثمة رقم آخر مقلق: في تقرير نشره موقع (ومضة) في 15 نوفمبر 2025 بعنوان «فجوة المهارات تخفض قدرة المملكة على تعظيم مكاسب التحول الرقمي» يسلِّط الضوء على (تحدٍ خفي) قد يحدّ من أثر التحول الرقمي الذي تبنته الحكومة وأنفقت عليه مبالغ ضخمة. فجوات المهارات تكلّف الاقتصاد السعودي وحدهم نحو 62 مليار ريال خسائر سنويًا، وترتفع إلى 196 مليار ريال عند احتساب خسائر العمالة الوافدة - أي ما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه الأرقام تتبدد بسبب مسارات غير فعَّالة بين التعليم وسوق العمل، والبحث المطوّل عن الوظائف وبطء برامج إعادة التأهيل.

التقرير يشير إلى أن استثماراتنا المالية الضخمة خلال الأعوام الماضية لإعادة هيكلة اقتصادنا واستقطاب الشركات العالمية ورفع كفاءة القوى العاملة، ربما لن نستفيد منها بسبب «التعثّر في مراحل الانتقال من التعلّم إلى العمل، وما يرافقه من فجوات واضحة في التطوّر المهني وإعداد المهارات.» وهذه مشكلة اقتصادية أثرها السلبي يتعدى سوق العمل إلى قدرة المملكة على المنافسة على المدى الطويل بسبب أن الشباب دون 35 عامًا يشكل 70% من السكان.

وهذه الخسارة الاقتصادية المتوقعة -كما جاء في التقرير- هي نتاج التعثر في الانتقال من التعليم إلى العمل، فالثروة تتبخر ليس بسبب شح الكفاءات، بل بسبب خلل في المنظومة التي يُفترض أن تُوصل هذه الكفاءات إلى موقعها الصحيح في السوق وتوقف التعثر.

يرصد التقرير ثلاث مراحل للتعثر: الدخول إلى سوق العمل لأول مرة، والانتقال بين الوظائف، والتكيف مع التحولات التكنولوجية. المكوّن الأول- التأخر في التوظيف: يقضي خريجو الجامعات والثانوية في السعودية قرابة 40 أسبوعاً في البحث عن وظيفتهم الأولى. كل أسبوع ضائع له تكلفة مالية مباشرة، وهذا التأخر يتفاقم أثره بسبب النمو السكاني ومستهدفات التوطين.

المكوّن الثاني- طول فترة البطالة بعد فقدان الوظيفة: العامل السعودي الذي يفقد وظيفته يظل عاطلاً في المتوسط 11.3 شهراً، و40% منهم يتجاوزون عاماً كاملاً خارج السوق، وهي فترة كافية لتقادم مهاراته وتعمّق الفجوة.

المكوّن الثالث- التهديد التكنولوجي: هذه وحدها مسؤولة عن نحو نصف إجمالي الخسائر، إذ يواجه 23% من الوظائف السعودية خطر الاستبدال الآلي. ولو قُلّص وقت إعادة التأهيل بنسبة 20% فقط، لأُعيد ضخ 6.3 مليار ريال سنوياً في الاقتصاد.

وهنا يجب ان نشير إلى خلل آخر يستحق المعالجة قبل الحديث عن سياسات التوظيف، وهو الخلل الذي يبدأ في مرحلة التعليم العام ذاته. فالمنظومة التعليمية في المملكة صارت -بحكم بنيتها وتوجهاتها- تدفع الطلاب بقوة نحو الجامعة، ليس لأنها هي الخيار الأنسب، بل لأن مسارات التدريب الفني والمهني لا تزال تعاني من ضعف مزمن في جاذبيتها الاجتماعية، وفي جودة مخرجاتها، وفي ارتباطها الفعلي بسوق العمل. والنتيجة الحتمية أن الجامعات باتت تستوعب أعداداً تتجاوز طاقتها الاستيعابية الحقيقية، لا من حيث المقاعد، بل من حيث ما يمكن لسوق العمل استقباله لاحقاً من حاملي الشهادات الجامعية.

كنا وما زلنا نتمى أن التدريب الفني والمهني ليس خياراً بديلاً يلجأ إليه من لم يقبل في الجامعة؛ في التجارب العالمية هو المسار الإستراتيجي الموازي للتعليم الجامعي، ويُنتج كفاءات جاهزة وقابلة للتوظيف الفوري. النموذج الألماني الثنائي -الذي يجمع بين الفصل الدراسي والتدريب الميداني في المنشآت الخاصة- يُعدّ من أكثر نماذج التعليم المهني مصداقية في العالم، وقد اكتسب جذوراً راسخة في المنظومة التعليمية الألمانية بفضل تنظيم قانوني صارم وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص. في السعودية، وفي نهاية التسعينيات الماضية، بذلت مؤسسة التدريب المهني حينئذ جهوداً كبيرة للاستفادة من التجربة الألمانية، ولكن هذه فشلت بسبب عدم حماس القطاع الخاص ومقاومته، و(ضعف إدارة) البرنامج. (دائماً فتش عن الإدارة!)

من أبرز نتائج النموذج الثنائي أن ألمانيا تسجّل أدنى معدلات بطالة الشباب في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أن الشركات المساهمة في التدريب توفّر على نفسها تكاليف التوظيف لأنها تعرف من تُدرّب وتستثمر فيه مسبقاً. ومؤشر نجاح النموذج تجده في حجم هذا المسار في ألمانيا، فنحو نصف السكان يحملون مؤهلاً مهنياً رسمياً، ليس لأنهم عجزوا عن دخول الجامعة، بل لأن المسار المهني يقود إلى وظائف راسخة ودخل مجز تنافسي.

وفي آسيا، لا تقلّ التجارب إلهاماً. حين قرّرت سنغافورة عام 1992 إعادة النظر في منظومتها للتعليم التقني التي كان يُنظر إليها باعتبارها ملاذاً أخيراً لمن لم يجد طريقه إلى الجامعة، أطلقت مشروعاً شاملاً لإعادة تأهيل صورة هذا التعليم وجودته، فأسّست معهد التعليم التقني بمهمة صريحة: تأهيل الشباب لسوق العمل وتزويدهم بمهارات قابلة للتطوير مدى الحياة. وأسفر ذلك عن مضاعفة الالتحاق بهذه المعاهد، وباتت نسبة التوظيف في صفوف خريجيها تتجاوز 82 بالمئة. أما كوريا الجنوبية، فقد وجّهت استثماراتها في التعليم المهني نحو مواجهة الوصمة الاجتماعية المرافقة له، وعملت على رفع جاذبية المدارس المهنية في سياق ثورة الصناعة الرابعة، إدراكاً منها بأن الاقتصاد الحديث لا يبني قدرته التنافسية على الجامعيين وحدهم.