كانت إيران قبل عام 1979 دولة تشهد نمواً اقتصادياً متسارعاً، مدعوماً بعائدات النفط وبرامج التحديث وتوسّع التعليم والبنية التحتية والصناعة، وتحتل موقعاً بارزاً بين دول المنطقة. ثم وصل الخميني ورجاله إلى الحكم، فتحوّل مشروع الدولة من التنمية والبناء إلى عقيدة «تصدير الثورة»، وتحوّل الجوار من فضاء للتعاون إلى ساحة نفوذ وصراع عسكري مدعوما بالانحراف الفكري. ومنذ ذلك الحين لم تهدأ المنطقة: حرب طويلة مع العراق، ثم ميليشيات مسلحة تنمو داخل الدول العربية، وأقطار أنهكتها الانقسامات الطائفية والحروب بالوكالة. وما حدث يوم السبت الفائت من اعتداءات هو امتداد لهذا الفكر نفسه.
ولا يمكن نسبة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت المنشآت المدنية والمطارات الحيوية في الرياض وأبوظبي وأبها إلى عصابة الحوثي وحدها؛ فهي لا تملك بنية صناعية قادرة على تطوير صواريخ عابرة للحدود تقطع مئات الكيلومترات وتوجيهها. ومع تكرار الاعتداءات سقط القناع عن حقيقة المشروع الإيراني. فبعد الخراب الذي لحق ببغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بات واضحاً أن المستهدف التالي هو عواصم مجلس التعاون الخليجي واستقرارها الاقتصادي والأمني.
وقد بلغ هذا العدوان ذروته في الاعتداء الإرهابي الجبان الذي نفذته الميليشيا الحوثية يوم السبت 10 أكتوبر 2026م على إحدى صالات المسافرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وهو اعتداء استهدف مباشرة مدنيين كانوا يتنقلون أو يؤدون أعمالهم في منشأة مدنية محمية، وأسفر عن وفيات وإصابات بين المسافرين والعاملين بالمطار. وقد أعلنت هيئة الطيران المدني السعودية أن عدد وفيات الاعتداء 12 بينهم أربعة مواطنين وثمانية مقيمين من جنسيات متعددة، وإصابة 309 أشخاص، بينهم حالات حرجة، فضلاً عن تعليق العمليات التشغيلية في المطار مؤقتاً لتقييم الأضرار وضمان سلامة المرافق.
إن استهداف صالة ركاب مزدحمة ليس عملاً عسكرياً يمكن تبريره بأي منطق، بل هو فعل إرهابي يصوّب سلاحه نحو الإنسان العادي: المسافر، والعامل، والمقيم، والزائر. ولذا وصف تحالف دعم الشرعية في اليمن الهجوم بأنه «عمل إرهابي يرتقي إلى جريمة حرب مكتملة الأركان» وفق القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، مؤكداً أن قيادة القوات المشتركة سترد عليه بحزم وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني. كما أدان الأمين العام للأمم المتحدة الهجوم بشدة، مؤكداً أن استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
وتندرج هذه الاعتداءات ضمن فكر أعمق تقوم على المماطلة التفاوضية وكسب الوقت. فالجولات الدبلوماسية تُستخدم غطاءً سياسياً لتخفيف الضغوط، بينما يواصل الحرس الثوري نقل تقنيات الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيّرات إلى الوكلاء. وتهدف عمائم طهران إلى تثبيت نقاط نفوذ ميدانية، وإلى سياسة «الغموض » والإنكار، إذ تُنفَّذ الضربات عبر الأذرع وتُمتص ردود الفعل الدولية بالدبلوماسية.
وتشير تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة ومؤسسات تتبّع السلاح إلى أن الترسانة المستخدمة إيرانية الأصل والتصميم. وتنقل عبر شركات طرف ثالث بحجة المساعدات الأنسانية، ثم يعاد تجميعها داخل اليمن بإشراف خبراء إيرانيين.
وقد انتقلت هذه الأسلحة من الصراع المحلي إلى استهداف المطارات والموانئ والمنشآت النفطية، كما في استهداف مطار أبها، وهجمات بقيق وخريص عام 2019 التي نسبت إلى إيران، واستهداف أبوظبي عام 2022، واعتداءات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. غير أن هجوم السبت على مطار الملك خالد الدولي يمثل نقلة خطيرة في طبيعة الاستهداف؛ إذ لم يعد الهدف منشأة أمنية أو اقتصادية بعيدة عن الناس، بل صالة مسافرين تضم مدنيين من جنسيات متعددة، في تصعيد يهدد أمن الطيران المدني ويضرب ثقة المسافرين بالمنطقة.
وتفرض الهجمات المركّبة بين الصواريخ المجنّحة والمسيّرات والباليستية تحديات كبيرة على الدفاعات التقليدية، ومعضلة اقتصادية، إذ تواجه أسلحة رخيصة صواريخ اعتراضية تكلف مبالغ هائلة . لكن التحدي الأكبر ليس التكلفة وحدها، بل حماية الحياة المدنية من آلة حرب تتعمد اختيار الأهداف ذات الأثر الإنساني والرمزي الأكبر.
والخروج من هذا الخطر لا يتحقق بالبيانات اللفظية والتأييد الإعلامي والتعبير عن القلق والعودة الى التفاوض، بل بعمل جاد يعالج أدوات التهديد. فيجب على دول مجلس التعاون تجاوز الخلافات الجانبية وإرساء خطة دفاعية موحدة تدمج شبكات الدفاع الجوي والصاروخي وتوفر إنذاراً مبكراً مشتركاً، وتفعيل عمليات بحرية مشتركة لتجفيف شبكات التهريب وملاحقة شركات الوساطة من الطرف الثالث والذي يحمل حمامة السلام. والأهم تثبيت خط أحمر موحد يعتبر أي استهداف لمدينة أو منشأة في أي دولة خليجية اعتداءً على الجميع، وربط أي مسار تفاوضي مستقبلي بوقف دعم الميليشيات وتفكيك ترساناتها الصاروخية بشكل كامل ومتحقق منه دولياً.
فما جرى في مطار الملك خالد الدولي ليس مجرد حادث معزول، بل رسالة واضحة بأن العدوان لا يفرّق بين ساحة المعركة والمدنيين. والرد المناسب عليه بتعزيز الردع، وحماية المجال الجوي والمنشآت المدنية، ومحاسبة كل من خطط لهذا العدوان أو ساهم في تمويله وتسليحه وتوجيهه. حفظ الله الجميع بحفظه وعنايته
كانت إيران قبل عام 1979 دولة تشهد نمواً اقتصادياً متسارعاً، مدعوماً بعائدات النفط وبرامج التحديث وتوسّع التعليم والبنية التحتية والصناعة، وتحتل موقعاً بارزاً بين دول المنطقة. ثم وصل الخميني ورجاله إلى الحكم، فتحوّل مشروع الدولة من التنمية والبناء إلى عقيدة «تصدير الثورة»، وتحوّل الجوار من فضاء للتعاون إلى ساحة نفوذ وصراع عسكري مدعوما بالانحراف الفكري. ومنذ ذلك الحين لم تهدأ المنطقة: حرب طويلة مع العراق، ثم ميليشيات مسلحة تنمو داخل الدول العربية، وأقطار أنهكتها الانقسامات الطائفية والحروب بالوكالة. وما حدث يوم السبت الفائت من اعتداءات هو امتداد لهذا الفكر نفسه.
ولا يمكن نسبة الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت المنشآت المدنية والمطارات الحيوية في الرياض وأبوظبي وأبها إلى عصابة الحوثي وحدها؛ فهي لا تملك بنية صناعية قادرة على تطوير صواريخ عابرة للحدود تقطع مئات الكيلومترات وتوجيهها. ومع تكرار الاعتداءات سقط القناع عن حقيقة المشروع الإيراني. فبعد الخراب الذي لحق ببغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بات واضحاً أن المستهدف التالي هو عواصم مجلس التعاون الخليجي واستقرارها الاقتصادي والأمني.
وقد بلغ هذا العدوان ذروته في الاعتداء الإرهابي الجبان الذي نفذته الميليشيا الحوثية يوم السبت 10 أكتوبر 2026م على إحدى صالات المسافرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وهو اعتداء استهدف مباشرة مدنيين كانوا يتنقلون أو يؤدون أعمالهم في منشأة مدنية محمية، وأسفر عن وفيات وإصابات بين المسافرين والعاملين بالمطار. وقد أعلنت هيئة الطيران المدني السعودية أن عدد وفيات الاعتداء 12 بينهم أربعة مواطنين وثمانية مقيمين من جنسيات متعددة، وإصابة 309 أشخاص، بينهم حالات حرجة، فضلاً عن تعليق العمليات التشغيلية في المطار مؤقتاً لتقييم الأضرار وضمان سلامة المرافق.