ليس الوفاء مقصورًا على من غابوا، ولا التكريم حقًّا مؤجلًا لا يُؤدَّى إلا بعد الرحيل؛ بل من الوفاء أن نُبصر أهل الفضل وهم بيننا، وأن نحتفي بأصحاب العلم والحكمة والتجربة في حياتهم، وأن نعرض مواقفهم المضيئة للناس؛ لتكون سيرتهم نبراسًا، وتجاربهم زادًا، وأخلاقهم قدوةً للأجيال.
ففي مجتمعنا رجالٌ جمعوا إلى العلم تواضعًا، وإلى المكانة سماحةً، وإلى التجربة حكمةً، وخالطوا الناس بجميل الخلق وحسن المعاملة؛ غير أن كثيرًا من هذه المواقف يظل حبيس المجالس والذاكرة، حتى إذا غاب أصحابها تسابق الناس إلى تدوين فضائلهم واستعادة مآثرهم، وكأن الثناء لا يحسن إلا بعد الرحيل!
وما أجمل أن يسمع المحسن كلمة الوفاء في حياته، وأن يرى أثر عطائه في نفوس الناس، وأن يقرأ بعض ما قيل في سيرته وتجربته؛ فإن الكلمة الصادقة قد تكون شكرًا مستحقًّا، واعترافًا بالفضل، وحافزًا على مزيد من البذل. وقد قال الله تعالى:
{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
إن عرض المواقف مع المعاصرين من أهل الرأي والحكمة والعلم ليس مجرد حكايات شخصية، ولا ضربًا من المجاملة؛ بل هو قراءة في عبقريات بشرية تعيش بيننا، وتوثيق لقيم عملية تجسدت في مواقف حية.
فقد تختصر لفتة متواضعة سيرةً كاملة، ويكشف موقف عابر عن معدن كريم، وتدل كلمة حكيمة على تجربة امتدت أعوامًا.
ولا ريب أن الكتابة عن المعاصرين أدق وأشد حساسية من الكتابة عن الراحلين؛ لأن بعض القراء قد يقرؤها بعين الريبة، فيحسب الثناء محاباةً، والوفاء تملقًا، والإشادة طلبًا للسمعة.
غير أن العبرة بحقيقة المقصد وصدق القول وعدالة الكاتب؛ فليس كل ثناء مداهنة، كما أن الصمت عن الفضائل ليس دائمًا ورعًا وإنصافًا.
والفرق واضح بين الثناء الصادق والتملق المصطنع؛ فالثناء الصادق يقوم على موقف مشهود، وفضل ثابت، وأثر نافع، ويخلو من المبالغة والكذب وابتغاء المصالح. أما التملق فيرفع صاحبه فوق منزلته، ويمنحه من الصفات ما لا يستحق، ويتخذ المدح سلّمًا إلى منفعة أو منزلة.
وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه، وذكر فضائلهم ومناقبهم؛ لما في ذلك من إظهار القدوة، وتعريف الأمة بأهل الفضل.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
فشكر أهل المعروف، والإشادة بجميل أعمالهم، وحفظ مواقفهم؛ من مكارم الأخلاق وتمام الوفاء.
لكن هذا الثناء ينبغي أن يكون منضبطًا بالصدق والاعتدال؛ فلا يتحول إلى غلوٍّ يطغى على الحقيقة، ولا إلى مديح يفتن الممدوح أو يفسد نية الكاتب.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب الإطراء والمبالغة، فقال: «إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا».
ومن هنا فإن الصحافة والمنابر الثقافية لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة الأحداث العابرة، أو الاحتفاء بالمشاهير لمجرد شهرتهم؛ بل من رسالتها أن تكتشف القدوات الحقيقية، وتقدم للقراء أهل العلم والحكمة والتجربة، وتوثق مواقفهم النبيلة، وتضيء جوانب التواضع والوفاء والإحسان في حياتهم.
لقد أصبح كثير من المنابر يحتفي بمن يملكون الحضور أكثر ممن يملكون الأثر، وبمن تجيد صورتهم صناعة الشهرة أكثر ممن صنعت أعمالهم قيمًا باقية.
وفي المقابل، تعيش بيننا قامات علمية وفكرية وتربوية، وأصحاب تجارب ثرية، يعملون في هدوء، ويبذلون في تواضع، ولا يجدون من يدوّن مواقفهم أو يعرّف الأجيال بفضلهم.
وهؤلاء أولى بأن تتجه إليهم الأقلام، لا لصناعة أمجاد موهومة، بل للكشف عن أمجاد موجودة؛ ولا لتقديم أشخاص منزّهين عن الخطأ، بل لعرض الجوانب المضيئة التي تستحق الاقتداء.
فالحكمة ضالة المؤمن، والتجارب الإنسانية ميراث تتناقله الأجيال، والمواقف النبيلة لا ينبغي أن تُترك للنسيان.
فالناس بحاجة إلى نماذج يرون فيها أن العلم يمكن أن يقترن بالتواضع، وأن المنصب لا يمنع حسن الخلق، وأن الحكمة ثمرة تجربة وصبر، وأن الشهرة الحقيقية ليست صخبًا عابرًا، وإنما أثرٌ طيب يبقى فـي القلوب.
إن تكريم أهل الفضل في حياتهم ثقافة وفاء، والإشادة بمواقفهم تربية للأجيال، وتدوين حكمتهم حفظ لذاكرة المجتمع.
وليس العدل أن نؤخر الاعتراف بفضلهم حتى يغيبوا، ثم نقيم لهم منابر الرثاء، بينما كانوا في حياتهم أحوج إلى كلمة صادقة تُشعرهم بأن المعروف لم يضع، وأن الأثر الجميل قد بلغ القلوب.
ليست الكتابة عن أهل الفضل صناعةً للأشخاص، بل حفظٌ للقيم التي يمثلونها؛ فلنحتفِ بمنارات العلم والحكمة وهي بيننا، قبل أن يصبح الوفاء لهم رثاءً وذكريات.
ليس الوفاء مقصورًا على من غابوا، ولا التكريم حقًّا مؤجلًا لا يُؤدَّى إلا بعد الرحيل؛ بل من الوفاء أن نُبصر أهل الفضل وهم بيننا، وأن نحتفي بأصحاب العلم والحكمة والتجربة في حياتهم، وأن نعرض مواقفهم المضيئة للناس؛ لتكون سيرتهم نبراسًا، وتجاربهم زادًا، وأخلاقهم قدوةً للأجيال.
ففي مجتمعنا رجالٌ جمعوا إلى العلم تواضعًا، وإلى المكانة سماحةً، وإلى التجربة حكمةً، وخالطوا الناس بجميل الخلق وحسن المعاملة؛ غير أن كثيرًا من هذه المواقف يظل حبيس المجالس والذاكرة، حتى إذا غاب أصحابها تسابق الناس إلى تدوين فضائلهم واستعادة مآثرهم، وكأن الثناء لا يحسن إلا بعد الرحيل!
وما أجمل أن يسمع المحسن كلمة الوفاء في حياته، وأن يرى أثر عطائه في نفوس الناس، وأن يقرأ بعض ما قيل في سيرته وتجربته؛ فإن الكلمة الصادقة قد تكون شكرًا مستحقًّا، واعترافًا بالفضل، وحافزًا على مزيد من البذل. وقد قال الله تعالى:
{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
إن عرض المواقف مع المعاصرين من أهل الرأي والحكمة والعلم ليس مجرد حكايات شخصية، ولا ضربًا من المجاملة؛ بل هو قراءة في عبقريات بشرية تعيش بيننا، وتوثيق لقيم عملية تجسدت في مواقف حية.
فقد تختصر لفتة متواضعة سيرةً كاملة، ويكشف موقف عابر عن معدن كريم، وتدل كلمة حكيمة على تجربة امتدت أعوامًا.
ولا ريب أن الكتابة عن المعاصرين أدق وأشد حساسية من الكتابة عن الراحلين؛ لأن بعض القراء قد يقرؤها بعين الريبة، فيحسب الثناء محاباةً، والوفاء تملقًا، والإشادة طلبًا للسمعة.
غير أن العبرة بحقيقة المقصد وصدق القول وعدالة الكاتب؛ فليس كل ثناء مداهنة، كما أن الصمت عن الفضائل ليس دائمًا ورعًا وإنصافًا.
والفرق واضح بين الثناء الصادق والتملق المصطنع؛ فالثناء الصادق يقوم على موقف مشهود، وفضل ثابت، وأثر نافع، ويخلو من المبالغة والكذب وابتغاء المصالح. أما التملق فيرفع صاحبه فوق منزلته، ويمنحه من الصفات ما لا يستحق، ويتخذ المدح سلّمًا إلى منفعة أو منزلة.
وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه، وذكر فضائلهم ومناقبهم؛ لما في ذلك من إظهار القدوة، وتعريف الأمة بأهل الفضل.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
فشكر أهل المعروف، والإشادة بجميل أعمالهم، وحفظ مواقفهم؛ من مكارم الأخلاق وتمام الوفاء.
لكن هذا الثناء ينبغي أن يكون منضبطًا بالصدق والاعتدال؛ فلا يتحول إلى غلوٍّ يطغى على الحقيقة، ولا إلى مديح يفتن الممدوح أو يفسد نية الكاتب.