هل يشكِّل رقم 74 % مصدر قلق للمجتمعات الحديثة؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد أن أظهرت إحدى الدراسات الدولية الحديثة أن 74 % من المشاركين يثقون بالمساعدات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في بعض القرارات أكثر من ثقتهم بأفضل أصدقائهم. وقد يبدو الرقم للوهلة الأولى مؤشراً على نجاح تقني استثنائي، لكنه قد يكون في الوقت ذاته مؤشراً على تحولات أعمق تمس أحد أهم الأصول التي قامت عليها الحضارة الإنسانية عبر التاريخ: الثقة.
فالإنسان لم يبن المدن العظيمة، ولا الجامعات، ولا الأسواق، ولا مؤسسات الحكم، اعتماداً على المعرفة وحدها، بل اعتمد قبل ذلك على الثقة. فالمعرفة تفتح أبواب التقدم، لكن الثقة هي التي تسمح للمجتمعات بتحويل المعرفة إلى فعل، والأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى إنجازات. ولهذا لم يكن غريباً أن ينظر عدد من علماء الاجتماع والاقتصاد إلى الثقة بوصفها شكلاً من أشكال رأس المال الاجتماعي الذي يحدد قدرة الأمم على النمو والاستقرار والتنافسية.
وعندما ننظر إلى تجارب الدول الناجحة نجد أن ما يميزها ليس حجم مواردها الطبيعية فقط، ولا مستوى تقدمها التقني فحسب، بل قدرتها على بناء مستويات مرتفعة من الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين القطاعين العام والخاص، وبين المجتمع والدولة. فكلما ارتفعت مستويات الثقة انخفضت تكاليف التعامل، وتسارعت حركة الاستثمار، وازدادت كفاءة المؤسسات، وارتفعت القدرة على التعاون والإبداع. ولهذا فإن الثقة ليست قيمة اجتماعية فحسب، بل أصل اقتصادي وإستراتيجي لا يقل أهمية عن البنية التحتية أو رأس المال المالي.
غير أن اللحظة التي يعيشها العالم اليوم تختلف عن كثير من التحولات السابقة. فالتاريخ شهد اختراعات غيرت وسائل النقل، وأخرى غيرت وسائل الاتصال، وثالثة غيرت أساليب الإنتاج، أما الذكاء الاصطناعي فيبدو مرشحاً للتأثير في منطقة أكثر حساسية وتعقيداً، هي المنطقة التي تتشكل فيها المعرفة والقرارات والتفضيلات الإنسانية. ولعل هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بالدراسات التي تبحث في العلاقة بين الإنسان والأنظمة الذكية، ليس بوصفها أدوات تقنية فقط، بل بوصفها فاعلاً جديداً يدخل تدريجياً إلى المساحات التي كانت تشغلها العلاقات الإنسانية التقليدية.
فمنذ آلاف السنين كانت الأسرة هي المدرسة الأولى للثقة، وكان المعلم مرجعاً للمعرفة، وكان الصديق شريكاً في التجربة، وكانت المؤسسات تمثل الحاضنة التي تمنح الأفراد الشعور بالاستقرار والانتماء. أما اليوم فقد ظهر مصدر جديد للمعلومة يتمتع بخصائص لم تجتمع سابقاً في أي مصدر آخر؛ فهو متاح في كل وقت، وقادر على الاستجابة الفورية، ويستند إلى قواعد بيانات واسعة، ويستطيع معالجة كم هائل من المعلومات خلال ثوان معدودة. وهذه المزايا جعلته يدخل بصورة متسارعة إلى الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم.
ولعل ما يستحق التأمل أن هذا التحول لا يحدث من خلال قرارات سياسية أو تغييرات تشريعية كبرى، بل يحدث بهدوء ومن خلال السلوك اليومي للأفراد. يبدأ الأمر بسؤال عابر، ثم باستشارة بسيطة، ثم باستخدام متكرر، ثم يتحول شيئاً فشيئاً إلى اعتماد دائم. ومع مرور الوقت يصبح الرجوع إلى الأنظمة الذكية أمراً تلقائياً يسبق أحياناً الرجوع إلى الأصدقاء أو الزملاء أو حتى بعض الخبراء.
وهنا تكمن أهمية الرقم 74 %. فهو لا يخبرنا فقط عن مدى انتشار تقنية جديدة، بل يكشف عن إعادة تشكيل تدريجية لمصادر الثقة داخل المجتمع. فحين يبدأ الأفراد في منح جزء من ثقتهم لمنظومات رقمية، فإننا لا نكون أمام تطور تقني فقط، بل أمام تحول اجتماعي وثقافي يستحق الدراسة والتأمل.
ولعل ما يجعل هذه النتيجة استثنائية أنها لا تعكس صعود تقنية جديدة فحسب، بل تعكس دخول منافس جديد إلى المجال الأكثر حساسية في حياة المجتمعات: مجال الثقة. فالتاريخ عرف مؤسسات نافست الأسرة في التعليم، ونافست الأسواق في الاقتصاد، ونافست الدول في النفوذ، لكنه لم يعرف من قبل قوة غير بشرية تنافس الإنسان في المصدر الذي يمنح العلاقات الاجتماعية شرعيتها واستمرارها. فالثقة كانت دائماً علاقة بين البشر، تتشكل من التجربة المشتركة والالتزام والمسؤولية والذاكرة الجمعية، أما اليوم فإنها تمتد تدريجياً إلى أنظمة صممت أساساً لمعالجة المعلومات، لا لبناء العلاقات. ولهذا فإن التحول الذي نشهده لا يتعلق فقط بالتقنية، بل بإعادة رسم الحدود الفاصلة بين ما هو إنساني وما هو رقمي في حياة المجتمعات الحديثة.
ومع ذلك فإن الخطأ يكمن في تفسير هذه الظاهرة بوصفها صراعاً بين الإنسان والتقنية. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي نجحت في التعامل مع التحولات الكبرى لم تكن تلك التي قاومتها، وإنما تلك التي أحسنت توجيهها واستثمرت فرصها وقلَّلت من مخاطرها. فالذكاء الاصطناعي ليس خصماً للإنسان، كما أنه ليس بديلاً عنه. إنه أداة قوية يمكن أن ترفع من كفاءة الأفراد والمؤسسات إذا أحسن استخدامها، كما يمكن أن تخلق تحديات جديدة إذا جرى التعامل معها دون وعي أو ضوابط. إن القضية الحقيقية لا تتعلَّق بقدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم المعلومات، بل بالفرق بين الثقة بالمعلومة والثقة بالإنسان. فالمعلومة يمكن التحقق منها، وتحديثها، وتصحيحها، أما الثقة الإنسانية فهي بناء أكثر تعقيداً يتشكل من الخبرة المشتركة والمسؤولية والالتزام والقيم والتجارب المتراكمة. ولهذا فإن الإنسان لا يلجأ إلى صديقه لأنه يعرف أكثر، بل لأنه يفهم ظروفه أكثر، ولا يلجأ إلى أسرته لأنها تمتلك جميع الإجابات، بل لأنها تشاركه المصير والمسؤولية والاهتمام.
وربما لا يكون التحدي الأكبر في المستقبل هو تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل منع تآكل رأس المال الاجتماعي الذي تحتاجه المجتمعات للاستفادة من هذا الذكاء. فالدول لا تتنافس بالبيانات وحدها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى تعاون، والتعاون إلى إنتاج، والإنتاج إلى ازدهار. وكل ذلك يبدأ من الثقة. وعندما تتراجع الثقة بين الناس ترتفع تكاليف التعامل، وتضعف المبادرات المشتركة، وتتراجع قدرة المؤسسات على أداء أدوارها بكفاءة. ولذلك فإن المحافظة على رأس المال الاجتماعي في عصر الذكاء الاصطناعي ليست قضية ثقافية أو تربوية فحسب، بل قضية تنموية وإستراتيجية ترتبط مباشرة بقدرة الدول على تحقيق أهدافها وبناء مستقبلها.
ولعل أهمية هذا النقاش تتضاعف عندما ننظر إلى الأجيال الجديدة. فهذه الأجيال هي الأولى في التاريخ التي تنشأ في بيئة تتفاعل فيها يومياً مع أنظمة ذكية قادرة على الإجابة والتفسير والتحليل وصناعة المحتوى. وهي تجربة لم تعرفها الأجيال السابقة بهذا الحجم والاتساع. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية استخدام هذه التقنيات، بل بكيفية تأثيرها في أنماط التفكير والتعلم والتواصل وبناء العلاقات.
وفي المملكة العربية السعودية يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية. فالمملكة تمضي بثقة نحو اقتصاد المستقبل، وتستثمر بصورة واسعة في البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة ضمن مستهدفات رؤية 2030. غير أن ما يميز التجربة السعودية هو أن التحول التقني يجري بالتوازي مع رؤية تنموية تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء الأدوات.