التوكن والوقت – جانبي فروقة

في عام 1930م ووسط الكساد الكبير كتب جون ماينارد كينز أشهر اقتصاديي القرن العشرين نبوءة جريئة مفادها «أنه بعد مئة عام سيعمل أحفادنا خمس عشرة ساعة في الأسبوع فقط وستكون أكبر مشكلاتهم كيف يملؤون فراغهم» ونحن الآن على بُعد أربع سنوات من الموعد الذي حدده نجد أن الإنتاجية تضاعفت كما توقّع وأكثر.

ومع ذلك انظر إلى أسبوعك؛ هناك بريد يبدأ قبل الفطور واجتماعات تمتد إلى المساء، وإجازة نهاية أسبوع لا تخلو من رسائل عاجلة وكينز لم يخطئ في الحساب بل أخطأ في فهمنا نحن واليوم يصلنا وعده نفسه في صورة جديدة اسمها الذكاء الاصطناعي (أو السوبر كما اطلق عليه الرئيس ترامب مؤخراً).

تخيّل صباحك فيه فنجان القهوة لم يبرد بعد لكن مساعدك الذكي سبقك إلى بريدك فقرأ أربعين رسالة واختار منها خمساً تستحق انتباهك وقارن أسعار تذكرة السفر التي أجّلت حجزها وجهّز لك ثلاث نقاط لاجتماع العاشرة وهو لم يضع في حسابك دولارا واحداً لكنه أعاد إليك الشيء الوحيد الذي لا يُشترى مرتين وهو الوقت.

تعلّمنا طويلاً أن نقيس الثراء بالدخل والمدخرات وأسعار الأسهم والعقارات فماذا لو صار الإنسان يشعر بأنه أغنى لا لأنه يملك مالاً أكثر بل لأنه يملك ساعات أكثر لنفسه؟ والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان الآن لماذا أخطأ كينز؟ والجواب ببساطة لأننا لم نشترِ بالإنتاجية وقتاً، بل اشترينا بها أشياء أخرى بيوتاً أكبر وهواتف أحدث وطموحات لا تنتهي.

والمفارقة تتكرر مع كل اختراع تقريباً وقد أشارت إلى ذلك المؤرخة الأميركية روث شوارتز كوان في كتابها «مزيد من العمل للأم» أن الغسالة والمكنسة الكهربائية لم تقلّصا وقت العمل المنزلي بالقدر الذي وعدتا به، لأن معايير النظافة نفسها ارتفعت. صرنا نغسل أكثر لأن الغسل صار أسهل.

تحدثنا الأرقام اليوم بلغة أكثر صراحة فكل الأدوات السابقة اختصرت وقت التنفيذ أما الذكاء الاصطناعي فبدأ يختصر وقت التفكير الروتيني نفسه في البحث والمقارنة والقراءة والتلخيص.

في أغسطس الماضي نشر مكتب الإحصاء الأميركي نتائج مسح أُجري في مارس 2026 تبيّن فيه أن نحو 55 % من العاملين الأميركيين استخدموا الذكاء الاصطناعي في عملهم وأن قرابة ثلث هؤلاء قالوا إنه اختصر عليهم ساعة أو ساعتين خلال أسبوع واحد لكن المسح نفسه يحمل تفصيلة صغيرة لافتة وهي أن 10 % قالوا إنه لم يوفّر لهم شيئاً و3 % قالوا إنه أضاف إلى وقت عملهم وتقدّر أبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي وفّروا في المتوسط 5.4 % من ساعات عملهم أي نحو ساعتين وربع في أسبوع من أربعين ساعة أما الدليل الأقوى فجاء من تجربة ميدانية عشوائية أجرتها مايكروسوفت مع 66 شركة كبرى وأكثر من سبعة آلاف موظف حيث إن الذين استخدموا المساعد الذكي بانتظام قضوا 3.6 ساعات أقل أسبوعياً في البريد الإلكتروني أي أقل بنحو الثلث كما تقلّص عملهم على البريد خارج الدوام والأجمل أنهم صاروا يجمعون رسائلهم في كتل زمنية فانفتحت أمامهم ساعات تركيز متصل لم تكن موجودة من قبل وهذه التفصيلة تحديداً تستحق التوقف لأنها تعني أن الساعة الموفَّرة لم تذهب كلها إلى الشركة بل عاد بعضها إلى البيت وكل هذا ما زال في مرحلة «المساعد» الذي يجيب حين تسأله أما المرحلة التي بدأت تتشكل هذا العام فهي مرحلة «الوكيل» «Agentic AI» وهو نظام لا ينتظر سؤالك بل يتسلّم المهمة كاملة فيبحث ويقارن ويحجز ويتابع الرسائل ثم يعود إليك بالنتيجة والفرق بينهما يشبه الفرق بين خريطة تدلّك على الطريق وسائق يوصلك إلى الباب وكلما اتسعت المهام التي نستطيع تفويضها كبر حجم الوقت الذي يعود إلينا، وكبر معه السؤال عمّن سيأخذه. لكن علينا أن نكون صادقين ففي عام 1955 صاغ المؤرخ البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون قانونه الشهير: العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه ويصف تقرير «مؤشر اتجاهات العمل» الصادر عن مايكروسوفت ما يسميه «يوم العمل اللانهائي» حيث إن الموظف يُقاطَع كل دقيقتين في المتوسط أي 275 مرة يومياً بين اجتماع ورسالة وإشعار ويستقبل أكثر من مئة بريد إلكتروني في اليوم ويلخص التقرير المشهد بعبارة موجعة وهي أن يوم العمل الحديث لم تعد له بداية واضحة ولا نهاية وفي استطلاع أجراه معهد أبحاث «أب وورك» عام 2024 قال 77 % من الموظفين إن أدوات الذكاء الاصطناعي زادت أعباءهم بدل أن تخففها بين وقت إضافي لمراجعة ما تنتجه الآلة ومطالبات بإنجاز المزيد لن الإدارة افترضت أن الآلة وفّرت الوقت وكانت خلاصة المعهد أن إدخال تقنية جديدة في نماذج عمل قديمة لا يحقق القيمة المنتظرة منها وحتى الأرقام المتفائلة تخفي فاتورة جانبية ففي استطلاع لجمعية إدارة الموارد البشرية الأميركية (SHRM) هذا العام قال مستخدمو الذكاء الاصطناعي إنهم يوفّرون نحو ست ساعات أسبوعياً لكنهم يقضون قرابة أربع ساعات في تصحيح ما تنتجه الآلة ومراجعته أي أن الصافي ساعتان فقط لا ست.

وهنا يمكننا أن نقترح طريقة بسيطة لفهم ما يحدث باعتبار وجود ثلاثة مصائر للساعة المحرَّرة أولها: الساعة المبتلَعة وهي تختفي في اجتماع إضافي أو توقعات أعلى أو تمرير لا ينتهي على شاشة الهاتف وهي ساعة وُفّرت على الورق ولم تصل إليك أبداً وحتى ألكسندر بيك الاقتصادي في فدرالي سانت لويس يرجّح أن قدرة الموظفين على استخدام الوقت الموفَّر لالتقاط أنفاسهم ستكون مؤقتة والثانية هي الساعة المستثمَرة حيث تذهب إلى عمل أعمق وأذكى فالمحاسب الذي توقف عن إدخال البيانات وبدأ يحلل أسباب تراجع الأداء والطالب الذي ترك للآلة ترتيب المراجع استطاع أن يتفرّغ للقراءة الحقيقية والثالثة الساعة المعاشة حيث تعود إلى الحياة نفسها فهناك أبٌ يغلق حاسوبه قبل ساعة من المعتاد ليلحق بعشاء أطفاله وصاحب مشروع صغير لم يعد أسير الفواتير حتى منتصف الليل. إن قيمة الذكاء الاصطناعي الحقيقية ستتحدد بالنسبة بين هذه الساعات الثلاث لا بعدد الساعات الموفَّرة وحده.

على مدى عقدين بُني جزء ضخم من الاقتصاد الرقمي على فكرة واحدة وهي احتجاز وقتك فكل دقيقة إضافية أمام الشاشة تعني إعلاناً جديداً وبيانات أكثر وفرصة شراء أكبر وقد سمّينا ذلك «اقتصاد الانتباه» لكننا ربما ندخل مرحلة معاكسة قد تنجح فيها الشركة التي تقول لك: لن آخذ وقتك، بل سأعيده إليك وقد يتغير سؤال المستهلك نفسه من «كم سعر الاشتراك؟» إلى «كم ساعة سيعيدها إليّ هذا الاشتراك كل شهر؟» وهنا يولد مفهوم أتوقع أن نسمعه كثيراً وهو «العائد على الوقت» وهو شقيق العائد على الاستثمار الذي لم نتعلّم بعد كيف نحسبه. كل ما تفعله الآلة نيابة عنك يُحسب بوحدة صغيرة اسمها «التوكن» وهي أجزاء الكلمات التي يقرأها النموذج ويكتبها وعلى أساسها تدفع الشركات فاتورة الذكاء السوبر وهنا تولد معادلة لم تعرفها البشرية من قبل بين آلة تحرق التوكنات لتعيد إليك الساعات وسعر التوكن يهبط عاماً بعد عام أما ساعتك فلا يهبط سعرها أبداً وربما يصبح السؤال الاقتصادي الأهم في السنوات المقبلة: كم توكناً تساوي ساعة من حياتك؟