التوطين في الاقتصاد الرقمي السعودي… معادلة جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي

تمضي المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو تنفيذ رؤيتها للتحول الرقمي، مستندةً في ذلك إلى بنية تحتية تقنية متقدمة، ترتكز على الحوسبة السحابية السيادية ونظام حماية البيانات الشخصية، بما يضمن توطين البيانات وحوكمتها. وفي هذا الإطار، تبنت المملكة استراتيجية شاملة ومتكاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، تقودها شركة «هيوماين»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، والمدعومة باستثمارات تبلغ 100 مليار دولار، لتصبح من بين الدول القليلة التي استكملت إلى حد كبير بناء بنيتها التحتية الرقمية، في وقت لا تزال فيه دول عديدة في مرحلة التخطيط أو التطوير. ويتزامن هذا التطور في البنية الرقمية مع برنامج التوطين (السعودة)، الذي تتبناه المملكة منذ سنوات لتعزيز مشاركة المواطنين السعوديين في القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة. ففي عام 2025، ارتفعت نسبة توطين 46 مهنة هندسية إلى 30%، فيما انتهت في 30 يونيو 2026 المهلة الممنوحة للشركات للالتزام بهذه النسبة. ويعكس ذلك انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة من التوطين، لم يعد التركيز فيها مقتصراً على إعداد مهندسين جدد، بل اتسع ذلك ليشمل تمكين العاملين في مختلف القطاعات، وليس المتخصصين التقنيين فقط، من التعامل المباشر مع البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبعد سنوات من العمل المتواصل على بناء هذه المنظومة، باتت الأولوية الآن تتمثل في توسيع قاعدة الكفاءات القادرة على توظيفها والاستفادة من إمكاناتها. وفي هذا الصدد، أكد ياسر شوقي، نائب الرئيس لمنطقة جنوب أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في «إنفورماتيكا»، أن سد فجوة المهارات لا يقع على عاتق برامج التدريب وحدها، بل يتطلب أيضاً دوراً أكبر من شركات التكنولوجيا، مشيراً إلى أن التحدي لم يعد يقتصر على إعداد مزيد من المتخصصين، بل أصبح يتمثل في تمكين شريحة أوسع من العاملين، بمختلف تخصصاتهم، من توظيف البنية التحتية الرقمية والاستفادة منها. وقال: «طموح المملكة اليوم يسابق الزمن، ولا مجال لأن تتخلف المهارات عن هذا السباق. وعلينا إعادة التفكير في الطريقة التي نصمم بها التكنولوجيا، بحيث تصبح أكثر سهولة في الاستخدام لشريحة أوسع من المستخدمين». وأضاف أن الفجوة لا تزال قائمة، رغم التقدم الذي أحرزته المملكة في إعداد الكفاءات. ففي حين تستهدف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي تدريب 20 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، تجاوز عدد المتدربين حتى الآن 11 ألفاً. ورغم أن هذا الرقم يعكس تقدماً ملموساً، فإنه لا يزال دون مستوى الكفاءات الذي تتطلبه استثمارات المملكة البالغة 100 مليار دولار في منظومة الذكاء الاصطناعي. وأشار شوقي إلى دراسة أجرتها شركة «ديلويت» باعتبارها دليلاً واضحاً على جاهزية المملكة للانتقال إلى هذه المرحلة، إذ أظهرت أن نسبة استخدام المستهلكين في السعودية لأدوات الذكاء الاصطناعي ارتفعت من 49% إلى 66% خلال العام الماضي، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءاً من الاستخدام اليومي لغالبية المستخدمين في المملكة. وقال: «لم تعد هذه التكنولوجيا ضيفاً جديداً على المستخدمين، بل أصبحت جزءاً من أدواتهم اليومية. وعليه، لم يعد هناك ما يبرر استمرار الاعتماد على لوحات التحكم والواجهات التقنية التقليدية التي كانت تُجبر المستخدمين على اللجوء إلى أقسام تقنية المعلومات للحصول على الإجابات، وحان الوقت لاستبدالها بنموذج أكثر سهولة وفاعلية». وهنا يبرز دور شركات التكنولوجيا الرائدة، مثل «إنفورماتيكا»، في قيادة هذا التحول. فعلى مدار سنوات عديدة، لعبت الشركة دوراً محورياً في ربط الأنظمة الرقمية داخل المؤسسات الكبرى، عبر تجميع البيانات من عشرات الأنظمة المختلفة في منصة موحدة وموثوقة. إلا أن الاستفادة من هذه المنصة كانت تتطلب في السابق إتقان أدواتها الخاصة، بما في ذلك لوحات التحكم والقوائم وطرق التشغيل المرتبطة بها. أما اليوم، فتسعى الشركة إلى تغيير هذه المعادلة من خلال نهجها الجديد "هيدلس" «Headless» الذي أعلنت عنه مؤخراً وبدأت في طرحه تدريجياً، على أن يُعلن قريباً عن موعد إتاحته في السعودية. ويقوم هذا النهج على إزالة الواجهة التقليدية للمنصة بالكامل، بحيث تصبح جميع إمكاناتها متاحة على شكل خدمات يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الوصول إليها مباشرة عبر معيار مفتوح يعرف باسم «بروتوكول سياق النموذج» (Model Context Protocol). وبذلك، يمكن للمستخدم توجيه استفساراته مباشرة إلى وكيل ذكاء اصطناعي، الذي يعمل عبر منصة «إيجنت فورس» التابعة لشركة «سيلزفورس»، أو «كلود»، أو «جيميناي»، أو أي منصة أخرى يتم اعتمادها، للاستفسار عن موقع بيانات معينة أو مدى موثوقيتها، ليتلقى الإجابة مباشرة، من دون الحاجة إلى استخدام منصة «إنفورماتيكا» أو التعامل مع واجهاتها التقليدية. وأضاف شوقي: «يشكل هذا التحول نقلة نوعية على صعيد التوطين (السعودة). فلم يعد المطلوب من كل من يعمل بالبيانات، سواء كان متخصصاً تقنياً أم لا، أن يقضي سنوات في فهم البنية التقنية للمنصات، بل أصبح يكفي أن يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح، وأن يمتلك القدرة على قراءة الإجابة وتوظيفها. ومن شأن ذلك اختصار رحلة اكتساب المهارات بصورة كبيرة، وتمكين الكفاءات السعودية من الالتحاق، بوتيرة أسرع، بوظائف البيانات والذكاء الاصطناعي ذات القيمة المضافة، مقارنة بما كان يتيحه المسار التقليدي». ونوّه شوقي إلى أن نجاح هذا التحول يتطلب أيضاً وجود سوق يتمتع بالجاهزية اللازمة لتبنيه، مؤكداً أن المملكة قد حققت ذلك بالفعل. وهنا يقول: «أبرز ما يميز السوق السعودي اليوم هو مستوى جاهزيته لهذه المرحلة. فالجهات الحكومية، والبنوك، والشركات الكبرى، تمتلك بالفعل بنية تقنية متقدمة. ولذلك، فإن تطبيق نهج "هيدلس" لا يتطلب إعادة بناء الأنظمة القائمة أو استبدالها، بل يمكّن العاملين داخل المؤسسات من الاستفادة بصورة أكبر من الأنظمة التي سبق وأن استثمرت فيها مؤسساتهم بالفعل». ويعكس توسع «إنفورماتيكا» في المملكة هذا التوجه، إذ افتتحت الشركة في عام 2024 مركزاً متخصصاً في الرياض لتقديم حلولها، وأطلقت منصتها المدعومة بالكامل بالذكاء الاصطناعي لإدارة البيانات، كما تتعاون مع عدد من الجهات، من بينها الخطوط السعودية، إلى جانب مؤسسات في قطاعي الطيران والخدمات الحكومية. وشدد شوقي على أن المرحلة المقبلة من «رؤية السعودية 2030» تمثل انتقالاً من النمو القائم على ضخ الاستثمارات إلى النمو القائم على بناء القدرات والكفاءات. فالبنية التحتية للبيانات أصبحت قائمة، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تتواصل بوتيرة تضع المملكة في مصافي عدد محدود من الدول، فيما يبقى التحدي قائماً في تمكين الكفاءات الوطنية من توظيف هذه المنظومة والاستفادة منها. مؤكداً أن تكامل منصة «سيلزفورس» مع قدرات «إنفورماتيكا» في مجال ذكاء البيانات يجعل تحقيق هذا الهدف أقرب من أي وقت مضى.