التنوع المذهبي في اليمن.. وإجرام الحوثي! – محمد بن عيسى الكنعان

يتمتع اليمن بتنوع مذهبي منذ مئات السنين، لكن هذا التنوع لم يؤثر سلبًا على النسيج الاجتماعي، بل بالعكس عزّز قيمة التعايش بين أوساط اليمنيين حتى صار السمة الغالبة للمجتمع اليمني، على الرغم من أن اليمن عبر تاريخه الطويل (الإسلامي، والحديث، والمعاصر) قد شهد تحولات وأحداثا سياسية مؤثرة؛ إلا أن تداعياتها بقيت في إطار الهمّ الوطني العام، والبحث عن هوية وطنية جامعة، ولم تُسهم تلك الأحداث أو التحولات - رغم حِدة بعضها- في إثارة النعرة القبلية، أو إحياء التعصب المذهبي. إلا أن ظهور جماعة الحوثي في المشهد اليمني عام 1992م، ثم انقلابهم على الحكومة اليمنية الشرعية عام 2014م هدّد بشكل مباشر ذلك التنوع المذهبي الفريد في انسجامه. ولكي نعرف إلى أي مدى أجرم الحوثي في واحدة من أعظم خصائص المجتمع اليمني السعيد لابد من التعرف على الخريطة المذهبية اليمنية ابتداءً.

يمكن تقسيم التنوع المذهبي في اليمن إلى ثلاثة مكونات رئيسة تختلف في نِسبها السكانية وانتشارها الجغرافي، وهي: (السُنة الشافعية، والشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية). وشافعية أهل السنة باليمن تشكلت في النسيج الاجتماعي اليمني بعد قدوم الإمام محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله- إلى نجران ثم اليمن عام 179هـ (795م)، وتردده للعلم على مدن يمنية أبرزها صنعاء؛ فتتلمذ على يديه كثير من علماء اليمن وطلبة العلم الشرعي، الذين أسهموا تاليًا في تكريس المذهب الشافعي خلال القرن الرابع الهجري.

واليوم يُشكل هذا المذهب قرابة (60 %) من أهل اليمن، وبطابع مدني أكثر منه قبليًا، وينتشر في المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية مثل: (عدن، وحضرموت، والمهرة، وغيرها)، وكذلك بعض المحافظات الوسطى والغربية مثل: (تعز، وإب، والحديدة)، وأجزاء واسعة من محافظتي البيضاء ومأرب. أما المكون الثاني فهو الزيدية أو (زيدية اليمن) فلهم قصة مختلفة، ومرت بهم أحداث أكثر تأثيرًا في المشهد اليمني، فلقد نجحت الزيدية في تأسيس دولة لهم على أرض اليمن، على الرغم من أن ظهورهم أساسًا كان في العراق وتحديدًا في مدينة الكوفة على يد الإمام زيد بن علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الذي خرج على حكم الخليفة هشام بن عبد الملك عام 122هـ (740م)، حيث وقعت المواجهة العسكرية بين أتباعه والجيش الأموي، وفي ساعة الحسم تخلى عنه كثير من أنصاره فانهزم وقُتل رحمه الله.

بعدها بدأ التضييق على الزيدية بالعراق؛ فوجدوا باليمن وبالذات صعدة الحصينة بجبالها ملاذًا آمنًا لهم، خاصةً أن التضييق عليهم وملاحقتهم لم تتوقف عند الأمويين، بل امتدت حتى عهد العباسيين. لذا رحلوا إلى اليمن، وعملوا على نشر أفكارهم وتعاليم مذهبهم هناك، حتى صار لهم حاضنة شعبية وقاعدة اجتماعية كبيرة.

ثم كانت الخطوة التالية بقيام أهل اليمن بدعوة الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم الزيدي، المعروف بـ(الهادي إلى الحق) عام 284هـ (897م) وكان في مكة، فاستقبله أهل صعدة، وبايعوه، وأسس هناك الدولة الزيدية الأولى (الإمامة الزيدية) في شمال اليمن، بل وضع أسس المذهب الزيدي، وصاغ القواعد والأنظمة العسكرية القضائية. وقد استمرت دولة الإمامة الزيدية عشرة قرون - رغم تعرضها لفترات انقطاع وظهورها بمسميات مختلفة - حتى سقوطها في عهد الإمام محمد البدر حميد الدين؛ بسبب ثورة 26 سبتمبر 1962م وقيام الجمهورية اليمنية.

والزيدية تعتبر أقرب الطوائف الشيعية لأهل السنة، بل يصلون في مساجدهم، ويلتقون معهم في كثير من العقائد والأحكام الفقهية. وهي اليوم تتراوح نسبتها ما بين (35-40 %)، وتتركز في المرتفعات الشمالية والشمالية الغربية لليمن، في محافظات مثل: (صعدة، وصنعاء، وعمران، حجة، ذمار، وغيرها)، وكذلك أجزاء من محافظات: (ريمة، وإب، والبيضاء، والجوف). وتتميز الزيدية بأنها داخلة في التشكيلات القبلية اليمنية الكبرى، مثل قبائل حاشد، وبكيل، وخولان، ومذحج، وغيرها. لهذا نجد عبر كل مسارات التاريخ اليمني وتحولاته أن الميزة الفارقة والعامل الرئيس باستقرار اليمن يتمثل في توافق الزيدية مع السنة الشافعية، وفي سيادة الأعراف القبلية على الاختلافات المذهبية.

وهنا نصل إلى المكون الثالث وهو الشيعة الإمامية، وهي طائفة قليلة جدًا في اليمن ومحدودة الانتشار، غير أنها ارتبطت بأحداث اليمن في العقود الأخيرة؛ بسبب التحول المذهبي لدى فريق من جماعة الحوثي من الزيدية إلى الإمامية. وجماعة الحوثي ظهرت عام 1992م في محافظة صعدة، على يد حسين بدر الدين الحوثي ضمن حركة شبابية باسم (منتدى الشباب المؤمن)؛ ليكون المنتدى مركزًا دينيًا وتربويًا وثقافيًا للمذهب الزيدي في مقابل التيار السلفي والإخواني (الإصلاح).

وخلال عقد التسعينيات الميلادية من القرن الماضي تحول المنتدى إلى تنظيم سياسي، وصار الحوثي أكثر تأثيرًا وبروزًا حتى سيطر على التنظيم، وبدأ يُعلن شعاراته السياسية المنددة بالغرب والمتماهية مع الخطاب الإيراني ضد ما يسمى قوى الاستكبار العالمي، وكأنها تأشيرة دخول ما يسمى (محور المقاومة)، خاصةً بعد زيارات عديدة إلى إيران قام بها بدر الدين (الأب الروحي للجماعة) وأبناؤه حسين وعبدالملك، فقد تأثروا بالفكر الشيعي الإمامي وفق التصور الإيراني، واستلهموا أدبيات الثورة الخمينية.

لكن ليس كل جماعة الحوثيين تحولوا شيعة إمامية، إنما قيادة الجماعة وقاعدتها الصلبة التي تبنت عقيدة سياسية هجينة تجمع بين أصول الفرقة الجارودية (زيدية متطرفة) وبين معتقدات إمامية، في إطار مشروع إيراني سياسي، حيث اتضحت معالم هذا المشروع لاحقًا، ففي عام 2004م كشفت الجماعة عن نفسها عسكريًا بمواجهة مسلحة وقعت بين قوات الجيش اليمني وأتباع حسين الحوثي (الذي قُتل خلال العام نفسه)، ليخلفه شقيقه عبدالملك الحوثي الذي يتزعم الجماعة حاليًا. وبعد اندلاع ثورات ما يسمى (الربيع العربي) في أكثر من بلد عربي -ومن بينها اليمن- استغلت جماعة الحوثي الوضع الأمني الهش، وقامت بدخول صنعاء والسيطرة العسكرية والأمنية عليها في (21 سبتمبر 2014م)، وأجبرت الحكومة على توقيع ما يُعرف بـ(اتفاق السلم والشريط الوطني)، بل واصلت الجماعة تدمير مؤسسات الحكومة وتقويض سلطات الدولة المركزية، ثم كان الانقلاب الحوثي الكامل على الحكومة الشرعية في (6 فبراير 2015م) بإصدار (الإعلان الدستوري)، القاضي بحل البرلمان، وتشكيل ما سُمي بـ(اللجنة الثورية) لإدارة البلاد، وفرض الإقامة الجبرية على رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي وأعضاء الحكومة قبل أن يتم إخراجهم لاحقًا. غير أن الحوثي لم يكتف بذلك، بل واصل عمليات القتل والتعذيب والتنكيل بمعارضيه خلال سنوات سيطرته حتى وصل عدد قتلى الشعب اليمني بيد الحوثي أكثر من 400 ألف يمني من مختلف الطوائف والقبائل، مع تدمير المساجد ودور القرآن ونهب منازل المعارضين، ما أحدث شرحًا كبيرًا وجرحًا داميًا في الجسد اليمني، فلقد زرع الثارات بين الناس وعطل التنمية، ورهن اليمن للمشروع الإيراني (الصفوي) باسم المقاومة وأكذوبة محاربة إسرائيل؛ لذلك كان التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية وإنقاذ الشعب اليمني من هذه الجماعة الإرهابية، وفجر اليمن قادم بإذن الله.