«التمييز» تحمي الجراح وشقير: القضاء لا يُحاكم الوزراء!

بقرار أصدرته الأسبوع الماضي، أعادت محكمة التمييز الاعتبار إلى الحصانات الوزارية، بعدما اعتبرت أنّ القضاء العدلي غير متخصّص بمحاكمة الوزراء عن أعمالهم الوزارية، وحصرت ملاحقتهم بمجلس النواب، عبر المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الذي لم ينعقد سوى مرّة واحدة قبل 23 عاماً، انتهت إلى نتائج مخيّبة للآمال.

وبذلك، ضربت الغرفة التاسعة في محكمة التمييز المكوّنة من رئيسها القاضي حبيب رزق الله والمستشاريْن فادي النشار وكارلا معماري، عرض الحائط باجتهاد أصدرته الهيئة العامة لمحكمة التمييز عام 2000، أتاح للقضاء العدلي ملاحقة الوزراء عن أفعال ارتُكبت في معرض ممارستهم مهامهم، متى انطوت على جرائم فاضحة تؤدي إلى انحراف بالسلطة، عبر تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.

وبموجب القرار، أفلت وزيرا الاتصالات السابقان محمد شقير وجمال الجرّاح من الملاحقة أمام القضاء العدلي في قضية استئجار وشراء مبنى شركة «تاتش» في منطقة الباشورة، والمتّهمَان فيها بهدر نحو 100 مليون دولار. لكنّ خطورة القرار تتجاوز حماية الوزيرين، اللذين تعني إحالتهما إلى المجلس الأعلى، إن حصلت، إفلاتاً من العقاب. فمفاعيل القرار تعيد القضاء 26 عاماً إلى الوراء، وتطيح باجتهاد عُدّ عند صدوره إنجازاً في مكافحة الفساد. والأخطر أنّ تكريس الحصانة على هذا النحو يمنح الوزراء اطمئناناً إلى إمكان الإفلات من المحاسبة، مهما بلغت خطورة ما قد يرتكبونه من جرائم سرقة أو اختلاس أو هدر للمال العام.

ويأتي القرار في وقت يحاكم فيه القضاء العدلي الوزير السابق أمين سلام، ويلاحق الوزير جورج بوشكيان، استناداً إلى توجّه قضائي استقرّ العمل به منذ اجتهاد الهيئة العامة عام 2000. وهو ما يطرح سؤالاً يتجاوز قضية شقير والجرّاح: هل يفتح عدم أخذ محكمة التمييز بهذا الاجتهاد الباب أمام تغيير مسار القضايا المفتوحة أمامه؟

تُعدّ صفقة شراء مبنى شركة «تاتش» في الباشورة من أبرز قضايا الفساد التي شهدها قطاع الاتصالات خلال العقد الأخير. بدأت القضية عام 2018، عندما وافق وزير الاتصالات آنذاك، جمال الجرّاح، على استئجار مبنى «يليق» بشركة «تاتش». ومن بين مباني وسط بيروت، وقع اختياره على مبنى لم يكن قد اكتمل إنشاؤه بعد، بعقد إيجار بلغت قيمته 68.5 مليون دولار على عشر سنوات، يُضاف إليها 22.6 مليون دولار تكفّلت «تاتش» بدفعها لاستكمال أعمال البناء.

في عام 2019، وبدلاً من التراجع عن عقد الإيجار الباهظ، عمد خلفه في الوزارة، محمد شقير، إلى تحويله إلى عقد شراء بقيمة 75 مليون دولار، لترتفع الكلفة الإجمالية للصفقة، بعد احتساب نفقات استكمال المبنى، إلى نحو 100 مليون دولار.

في العام نفسه، تقدّم وسيم منصور، بصفته مساهماً في «تاتش»، بشكوى أمام قضاء التحقيق في بيروت ضدّ الجرّاح وشقير والشركة البائعة، بجرائم إساءة استخدام السلطة وهدر المال العام وتبييض الأموال وتقاضي الرشوة. وتناول ديوان المحاسبة القضية في تقرير أصدره عام 2023، وثّق فيه المعطيات المتعلّقة بالصفقة، وأوصى هيئة القضايا في وزارة العدل بالتحرّك بصفتها الجهة المكلّفة بالدفاع عن مصالح الدولة، إلّا أنّ هذه التوصية لم تُترجم إلى أيّ إجراء.

رفضت المحكمة العمل باجتهاد أصدرته الهيئة العامة لمحكمة التمييز عام 2000

وعلى امتداد سبع سنوات، انصبّت جهود الوزيرين على الطعن في أهلية منصور للتقدّم بالشكوى، قبل أن تحسم الهيئة الاتهامية في بيروت حقّه في الادّعاء. عندها انتقل الجرّاح وشقير إلى الدفع بعدم جواز ملاحقتهما أمام القضاء العدلي، استناداً إلى المادة 70 من الدستور، التي تنظّم اتهام الوزراء ومحاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.وفي عام 2023، رفض قاضي التحقيق في بيروت فريد عجيب دفوع الوزيرين، وثبّت اختصاص القضاء العدلي بالنظر في القضية، معتبراً أنّ الأفعال المنسوبة إليهما تشكّل جرائم ارتُكبت في معرض ممارسة مهامهما الوزارية. غير أنّ الهيئة الاتهامية فسخت قراراً عجيباً، وحصرت صلاحية الملاحقة بالمجلس الأعلى، بعدما صنّفت الأفعال المنسوبة إلى الجرّاح وشقير في خانة الإهمال الوظيفي، لا استغلال السلطة. وعلى أثر ذلك، نقض منصور القرار، معتبراً أنّ الهيئة الاتهامية حرّفت مضمون شكواه وبدّلت التوصيف القانوني للأفعال المنسوبة إلى الوزيرين، بما يؤدّي إلى تجنيبهما المثول أمام القضاء العدلي. واستغرقت محكمة التمييز ثلاث سنوات للبتّ بالطعن، قبل أن تصدر قرارها بعدم اختصاص القضاء العدلي بملاحقة الوزيرين، ورفضت اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة التمييز، الذي منح الصلاحية في بعض الارتكابات للقضاء العدلي.صحيح أنّ هذا الاجتهاد لا يتمتّع بقوّة القانون، لكنّه شكّل إنجازاً قضائياً كان يمكن لمحكمة التمييز البناء عليه لتوسيع نطاق المساءلة، بدلاً من العودة إلى تكريس حصانات تُسهّل الإفلات من العقاب. ولا سيّما أنّ المجلس الأعلى، الذي أعادت «التمييز» تكريسه مرجعاً حصرياً لملاحقة الوزراء، تحوّل عملياً إلى ملاذ للسياسيين في مواجهة الملاحقات القضائية. فبمجرّد إثارة الدفع بعدم اختصاص القضاء العدلي، يصبح ممكناً نقل القضية من المحاكم إلى مجلس النواب، حيث تستطيع القوى السياسية حماية المحسوبين عليها عبر التسويات تحت قبّة البرلمان. كما يجد بعض القضاة في إحالة ملفات الوزراء إلى المجلس الأعلى مخرجاً يُجنّبهم مواجهة أصحاب النفوذ، وهو ما فعله قرار «التمييز» الأخير.وقبل أكثر من عام، شكّل مجلس النواب لجنة تحقيق برلمانية للنظر في شبهات فساد (من بينها قضية مبنى «تاتش») منسوبة إلى ثلاثة وزراء سابقين للاتصالات، هم نقولا الصحناوي وبطرس حرب وجمال الجرّاح. ولم تُنجز اللجنة حتى اليوم تقريرها الذي يُفترض أن يحدّد مصير الاتهامات.ومنذ صدور قانون أصول محاكمة الرؤساء والوزراء، لم يُحل رئيس أو وزير واحد إلى المجلس. إذ إن آلية الاتهام والمحاكمة شديدة التعقيد بشكلٍ يجعلها تحمي المرتكب، وتعدّ أسوأ ما أنتج الدستور اللبناني. إذ إنها توفّر للوزير ثلاث طبقات من الحماية قبل أن يمثل أمام المحكمة. تبدأ الأولى باشتراط جمع تواقيع 26 نائباً من كتل مختلفة لتقديم طلب الاتهام وفتح النقاش فيه داخل مجلس النواب. أما الثانية، فتتمثّل في ضرورة تأمين أكثرية 65 نائباً للمضيّ في الإجراءات وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية. وتأتي الثالثة بعد صدور تقرير اللجنة، إذ يتطلّب تثبيت الاتهام، في حال أوصت به، موافقة 86 نائباً، وإلا سقط. وفوق ذلك، تستطيع لجنة التحقيق أن توصي بتبرئة الوزير أو عدم السير باتهامه، حتى لو كان القضاء العدلي قد ادّعى عليه بجرائم جزائية.