التمويل يعود إلى المزارعين من البنك الدولي عبر “كفالات”: فرصة لإنعاش الاقتصاد وتعزيز الأمن الغذائي

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان منذ عام 2019، يعود التمويل المتوسط الأجل إلى قطاع الأغذية الزراعية، بعد انقطاع طويل، عبر برنامج يستهدف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويفتح أمامها المجال لاستعادة قدرتها على الاستثمار والتوسع وتوفير فرص العمل، وتعزيز الإنتاج المحلي والصادرات.

ويأتي البرنامج ضمن مشروع التحول الأخضر للأغذية الزراعية من أجل التعافي الاقتصادي (Project GATE)، الذي تبلغ قيمته 200 مليون دولار أميركي بتمويل من البنك الدولي، فيما تتولى مؤسسة "كفالات" عبر برنامج مخصص بقيمة 47.6 مليون دولار، تنفيذ آلية قروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الأغذية الزراعية والسياحة الريفية الزراعية، بتكليف من الحكومة من خلال مجلس الإنماء والإعمار، وبإشراف البنك الدولي.

ولمناسبة إطلاق المشروع من غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت في حضور عدد كبير من المزارعين والجمعيات والتعاونيات الزراعية، المتعطشين لمشاريع تمويل لمشاريعهم، نوه الرئيس الجديد لمجلس إدارة "كفالات" سمير نصر بأهمية البرنامج في ضوء الدور الحيوي الذي يؤديه القطاع في الاقتصاد اللبناني، كاشفاً أن كل أسرة من كل خمس أسر لبنانية تستمد دخلاً من الأغذية الزراعية، فيما تشكل الصناعات الغذائية أكبر فروع الصناعة اللبنانية، وتتجاوز حصة منتجات الأغذية الزراعية سدس الصادرات الوطنية. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال لبنان يستورد نحو 80 في المئة من الغذاء الذي يستهلكه، في معادلة تكشف حجم التحدي الذي يواجه الإنتاج المحلي والأمن الغذائي.

لم يكن الوصول إلى التمويل متاحاً أمام المؤسسات الزراعية حتى قبل الأزمة، إذ لم تتجاوز حصة الزراعة من التسليفات المصرفية نحو واحد في المئة. وبعد عام 2019، تراجعت قدرة معظم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على القروض، ما دفعها إلى الاعتماد على مواردها الذاتية وتأجيل استثماراتها في المعدات والتخزين والتوسع. وتاليا، لم يعد التحدي الأساسي أمام هذه المؤسسات غياب الطموح، بل نقص التمويل اللازم لتحويل إمكاناتها إلى نمو فعلي.

ولا يقتصر أثر البرنامج على توفير القروض، بل يتجاوزه إلى دعم فرص العمل وسبل العيش، خصوصاً في المناطق الريفية، وتعزيز سلاسل القيمة الغذائية من خلال الزراعة التعاقدية التي تتيح للمزارعين أسواقاً أكثر استقراراً وأسعاراً عادلة. كذلك يساهم في زيادة الإنتاج المحلي وتحسين الجودة وتقليص خسائر ما بعد الحصاد، بما يحد من الاعتماد على الاستيراد.

وعلى صعيد الصادرات، يستهدف البرنامج المؤسسات التي تمتلك إمكانات للتوسع في الأسواق الخارجية، من خلال تمويل المعدات وشهادات الجودة ومتطلبات التصدير. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية مع تقديرات تشير إلى أن فرص التصدير غير المستغلة في قطاع الأغذية الزراعية تتجاوز 450 مليون دولار، فيما يوفر الطلب الأوروبي والخليجي واتفاقيات لبنان التجارية فرصاً لتعزيز حضور المنتجات اللبنانية.

يولي البرنامج اهتماماً خاصاً بالمؤسسات التي تملكها أو تديرها نساء، وبالمصدّرين والمؤسسات الأصغر حجماً، بما يعزز الشمول الاقتصادي. ويقدّر البنك الدولي العائد الاقتصادي للمشروع بنحو 11 في المئة. وبحسب المعلومات، فإن المشروع الذي سيطلق اعتباراً من مطلع تشرين الأول يفتح الباب أمام الراغبين في الاستفادة منه والاطلاع على شروطه، ويتوقع ان يستقطب نحو 390 شركة ومزارعا وتعاونية، على أن يوزع التمويل على قسمين، 30 مليون منه للقروض بين 300 و400 ألف دولار والباقي للمؤسسات المتوسطة والأصغر، على ألا يشمل الشركات قيد الإنشاء (start-ups). وحددت الفائدة المتحرك والتنازلية بـ7،14 في المئة تتغير كل ستة أشهر، مقابل ضمانات على شكل رهونات عقارية.

وفي انتظار الانطلاق، يتمثل الرهان الأبعد في إعادة بناء الثقة بين المصارف والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبر قروض تُصرف وتُسدّد بانتظام، بما يمهد لعودة سوق التسليف واستدامتها بعد انتهاء البرنامج.

وبذلك، يشكل التمويل الزراعي فرصة لتعزيز التعافي الاقتصادي، وتحويل صمود المؤسسات اللبنانية إلى استثمارات منتجة، ونمو أكثر شمولاً واستدامة.