التغير المناخي يدفع الدببة الجائعة إلى منازل الأمريكيين

لم يعد اقتراب الدببة من المدن في غرب الولايات المتحدة مجرد ظاهرة عابرة أو نتيجة لتوسع العمران في موائل الحياة البرية.فمع اشتداد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع مصادر الغذاء الطبيعية، تبدو الدببة السوداء والرمادية أمام معادلة جديدة: البرية التي اعتادت أن توفر لها غذاءها أصبحت أقل سخاء، بينما تبدو المدن أكثر وفرة بالطعام وأسهل وصولاً.هذه ليست مجرد نظرية، فالقصة حقيقية، واقع لا خيال.. فقد كان السيد مات إيريكو في المرحاض عندما سمع أصواتاً داخل منزله في ولاية كولورادو.خرج عامل بناء الأسقف من مكانه ليجد دبين صغيرين، بحجم كلاب الجولدن ريتريفر تقريباً، يقفان في ممر منزله. وبعد لحظات من التحديق المتبادل، اندفع الدبان إلى الخارج عبر الباب الأمامي.لم يكن إيريكو غريباً عن زيارة الدببة لمنزله؛ فقد سبق أن عبثت بحاويات القمامة لديه. لكن دخولها إلى المنزل كان أمراً جديداً.وفي بلدة جرانبي الجبلية، الواقعة على بعد نحو 92 كيلومتراً شمال غربي دنفر، لم تعد هذه المواجهات حوادث استثنائية كما كانت من قبل.فالدببة تتحرك الآن بحثاً عن شيء بسيط: الطعام.**media[8083917]**ومع تراجع النباتات والأعشاب والتوت والمكسرات التي تشكل الجزء الأكبر من غذائها الطبيعي بسبب الجفاف، تجد الحيوانات في البلدات والمدن مصدراً بديلاً لا يحتاج إلى مطاردة أو بحث طويل: حاويات القمامة، طعام الحيوانات الأليفة، بذور الطيور، وأحياناً مطابخ البشر.وهكذا، تتحول أزمة المناخ تدريجياً إلى أزمة تعايش بين الإنسان والحياة البرية.فالدببة لا «تغزو» المدن لأنها أصبحت أكثر عدوانية، وإنما لأن الحدود بين موائلها وموائل البشر أصبحت أكثر ضبابية. المناخ يدفعها إلى الخروج من البرية، فيما يدفع التوسع العمراني البشر إلى الداخل أكثر فأكثر.والنتيجة اختبار جديد للطرفين: كيف يتعايش الإنسان مع حيوان أصبح الجوع يدفعه إلى الاقتراب منه؟آلاف الدببةالدببة السوداء التي شوهدت أيضا داخل متجر لبيع السجائر الإلكترونية في جرانبي من ‌بين آلاف الدببة التي تتجه إلى البلدات والمدن في ‌غرب الولايات المتحدة بأعداد غير مسبوقة.وأظهرت مقاطع مصورة تحققت رويترز منها دببة قرب مدرسة في سانتا في بولاية نيو مكسيكو، وتسلق أحدها شجرة قرب سوق للمزارعين في دنفر، كما فاجأت البشر بطرق أخرى في أنحاء البلاد بعدما أدى أكثر فصول الشتاء جفافا في الذاكرة إلى القضاء على النباتات والأعشاب والتوت والمكسرات التي تشكل نحو 90 بالمئة من غذائها، وفقا لخبراء في شؤون الدببة وهيئات الحياة البرية الحكومية.**media[8083921]**ووفقا ‌لهيئات الحياة البرية، تستطيع حاسة الشم الفائقة لدى هذه الحيوانات تحديد روائح طعام البشر، وهو ما يؤدي إلى نفوق أعداد غير مسبوقة من الدببة في بعض الولايات، إذ يتم قتل ⁠المئات منها رحمة أو دهسا بالمركبات أو بإطلاق النار عليها أو حتى بصعقها بالكهرباء أثناء احتكاكها بالبشر.اختبار الدببةمع توقع استمرار الجفاف في غرب الولايات المتحدة، يخشى الخبراء أن تعتاد الدببة على طعام البشر، بل وربما تتوقف عن السبات الشتوي إذا أصبحت فصول الشتاء أكثر دفئا وندر الغذاء البري.وقال جون بيكمان الخبير في الدببة السوداء «الأمر أشبه باختبار للدببة بطريقة لم تواجهها من قبل، واختبار للبشر أيضا».وأدى التوسع العمراني إلى انتقال البشر لمناطق كانت الدببة تبحث فيها عن الطعام سابقا. وفي الوقت نفسه، تعافت أعداد الدببة في ولايات مثل نيفادا، حيث كانت قد تراجعت إلى حد كبير قبل أكثر من قرن.**media[8083918]**ووفقا للسلطات المحلية، تعد الدببة السوداء حاليا الأكثر تمتعا بالصحة بين الأنواع الثمانية للدببة في العالم، إذ يتراوح عددها بين 17 ألفا و20 ألفا في ولاية ​كولورادو وحدها.وتتحمل هذه الولاية النصيب الأكبر من المواجهات بين البشر والدببة بعدما زاد عدد سكانها بأكثر من الضعف خلال الخمسين عاما الماضية، مما دفع بالمنازل إلى الامتداد ‌داخل موائل الدببة حول مدن مثل كولورادو سبرينجز وفيل.7000 رصد ووفقا لهيئة الحياة البرية في كولورادو، سجل أكثر من سبعة آلاف رصد للدببة في الولاية خلال 2026، متجاوزا الرقم القياسي السنوي السابق المسجل في 2019، علما بأن كولورادو لا تضم سوى الدببة السوداء. وشهدت الولاية ما لا يقل عن ست هجمات للدببة.وقال جوناثان ليفينجستون، المتحدث باسم إدارة المتنزهات والحياة البرية في كولورادو، إن ما بين 1.5 ⁠بالمئة واثنين بالمئة من حالات الرصد تنتهي بقتل الدببة قتلا رحيما. وعادة ما تقتل الدببة عندما تعتبر خطرة، مثل مهاجمتها للبشر أو اقتحامها المنازل.وقالت جماعات معنية بالحفاظ على البيئة، مثل تحالف كولورادو للدببة، إن هذه الحيوانات كثيرا ما تدفع حياتها ثمنا لإهمال البشر، وإن على هيئات الحياة البرية بذل المزيد لمنع الصراعات.**media[8083920]**وأضاف ليفينجستون أن السلطات تستطيع في العادة تجنب قتل الدببة إذا أبلغ الناس عنها مبكرا، وذلك من ​خلال إبعادها وإخافتها.ووفقا لهيئة ‌الحياة البرية في نيو مكسيكو، قتل المسؤولون وأصحاب الأراضي 187 دبا هذا العام، وهو أعلى عدد منذ عام 2011، بينما تم نقل 35 دبا بالغا و16 صغيرا إلى مناطق ‌أخرى.أول هجوم من نوعه وذكرت الشرطة أن دبا قتل رجلا في نيو مكسيكو الأسبوع الماضي، في أول هجوم من نوعه بالولاية منذ 25 عاما.وقالت سلطات ولاية يوتا إنها قتلت 39 حيوانا قتلا رحيما في 2026، وهو بالفعل رقم غير مسبوق لأي عام كامل.وقالت هيئة الحياة البرية في مونتانا إن مشاهدات الدببة كثيرة إلى درجة يصعب حصرها، مع انتقال الدببة الرمادية إلى مناطق لم تصل إليها منذ عقود.وأضافت الهيئة أن 24 دبا ‌رماديا نفقت هذا العام، معظمها ‌بعد مهاجمة ماشية أو أشخاص أو نتيجة اصطدامها بمركبات، دون تقديم بيانات تاريخية للمقارنة.وفي مايو أيار، ⁠قتل دب رمادي رجلا في متنزه جلاسيير الوطني بولاية مونتانا. ولا تزال الهجمات المميتة للدببة نادرة في غرب الولايات المتحدة، إذ لا يسجل سوى عدد محدود ‌منها كل عام.النهاية؟تدعو السلطات السكان إلى استخدام صناديق قمامة مقاومة للدببة، وعدم ترك حاويات القمامة في الشارع لعدة أيام، وعدم وضع طعام الحيوانات الأليفة أو بذور الطيور في متناول هذه الحيوانات.وقال ليفينجستون إن الاحتكاكات غالبا ما تبدأ عندما يفتش الدب حاويات القمامة، ويمكن أن تنتهي بمواجهة دب أسود يزن ما ⁠بين 91 كيلوجراما و181 كيلوجراما، وله مخالب حادة يبلغ طولها ما بين ثمانية سنتيمترات إلى 10 سنتيمترات، مع شخص ما في مطبخه.وتأمل خبيرة الدببة في نيفادا هيذر رايش أن ​تجد الحيوانات أن العيش بالقرب من البشر أمرا مرهقا للغاية، وأن تعود إلى البرية في حال خفت حدة الجفاف. ومع بدء الدببة في اكتساب الوزن استعدادا للسبات، تخشى رايش أن تزداد حوادث المواجهة.وقالت رايش التي شغلت سابقا منصب مديرة شؤون الدببة في وكالة الحياة البرية بولاية نيفادا وتبيع حاليا سجادات كهربائية لردع الدببة عن دخول ⁠المنازل «لا يمكننا حتى تخيل كيف سيبدو الوضع في شهري سبتمبر وأكتوبر. سيكون الأمر بمثابة يوم القيامة بالنسبة لنا».**media[8083919]**