التعاون الخليجي: الأمن الإقليمي يتطلب التزاما صارما بمبادئ القانون واحترام سيادة الدول

أكد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن إرساء منظومة أمن إقليمي مستقرة ومستدامة يستوجب الالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وتعزيز منظومات الدفاع المشترك، وتغليب المسارات الدبلوماسية، وصون أمن الممرات المائية وإمدادات الطاقة، إلى جانب ترسيخ التنمية والشراكات الدولية، مشددا على أن أمن دول مجلس التعاون كل لا يتجزأ، وأن استقرار منطقة الخليج العربي يمثل ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين.

جاء ذلك خلال مشاركته، في الجلسة العامة الثالثة بعنوان "مرتكزات الأمن الإقليمي"، على هامش أعمال قمة الأمن الإقليمي الثانية والعشرين "حوار المنامة"، في العاصمة البحرينية المنامة.

وقال البديوي في كلمته إن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي وضعت أسس الأمن الإقليمي أمام اختبار بالغ الخطورة، في أعقاب الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول مجلس التعاون ومنشآتها المدنية والحيوية، وأوقعت ضحايا، رغم أن دول المجلس لم تكن طرفا في الحرب ولم تسع إليها، بل بذلت جهودا دبلوماسية مكثفة للوساطة واحتواء التصعيد، وتحلت بأقصى درجات ضبط النفس.

وأشار، إلى أن تداعيات الاعتداءات لم تقتصر على دول المنطقة، وإنما امتدت إلى الاقتصاد العالمي، نتيجة اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الأزمة ما يقارب ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، الأمر الذي انعكس على أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية.

وأعرب، عن إدانته الشديدة للهجمات المتكررة التي تشنها ميليشيات الحوثي على المملكة العربية السعودية منذ شهر يوليو الماضي، والتي امتدت إلى مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، مؤكدا أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكا جسيما لحرمة المقدسات الإسلامية واستفزازا لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم، وتصعيدا خطيرا لا يمكن القبول به أو التهاون مع تداعياته.

وبين الأمين العام للمجلس، أن التجارب والتحديات التي واجهتها دول المجلس أكدت ضرورة الاستناد إلى خمسة مرتكزات رئيسية لبناء أمن إقليمي راسخ، يأتي في مقدمتها احترام القانون الدولي وسيادة الدول، من خلال الالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام وحدة الأراضي، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وأشار إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر في 11 مارس 2026م، الذي تقدمت به مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية، وحظي برعاية مشتركة من 136 دولة، في أوسع دعم من نوعه لقرار في تاريخ مجلس الأمن، مؤكدا أن دول المجلس تتطلع إلى ترجمة هذا التأييد الدولي الواسع إلى التزام فعلي بتنفيذ القرار ومقتضياته، بما يعزز مصداقية الشرعية الدولية ويكرس احترام قواعدها.

وأكد، أن الدفاع الجماعي والتكامل العسكري الخليجي يمثلان المرتكز الثاني للأمن الإقليمي، مشيدا بالكفاءة والجاهزية العالية التي أظهرتها القوات المسلحة بدول المجلس في التصدي للاعتداءات، والتي حظيت بإشادة قادة دول مجلس التعاون، خلال لقائهم التشاوري التاسع عشر الذي عقد في مدينة جدة خلال شهر أبريل الماضي، مشيرا إلى توجيهاتهم بتكثيف التكامل العسكري الخليجي والإسراع في استكمال منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، بما يعزز القدرات الدفاعية المشتركة ويرسخ وحدة الأمن والمصير الخليجي، وفيما يتعلق بالمرتكز الثالث.

وأوضح الأمين العام أن الدبلوماسية تمثل رصيدا استراتيجيا لدول مجلس التعاون، انطلاقا من نهجها الثابت في الدعوة إلى الحوار والتفاوض وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، مبينا أن دول المجلس تتمتع بمكانة دولية تتيح لها بناء جسور التواصل مع مختلف الأطراف، باعتبارها شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وطرفا موثوقا في علاقاته مع الصين والهند والدول الآسيوية، فضلا عن قنوات التواصل القائمة مع دول الجوار، بما فيها إيران، مشددا، على أن هذه المكانة تمنح دول المجلس قدرة مهمة على الإسهام في تقريب وجهات النظر وخفض حدة التوترات، إلا أن نجاح الجهود الدبلوماسية يظل مرهونا بوجود إرادة متبادلة واستجابة مسؤولة من جميع الأطراف.

وأكد أن أمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة مسؤولية دولية مشتركة، وأن حرية الملاحة وحق المرور العابر مكفولان بموجب القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، مشددا على أن تعطيل حركة الملاحة الدولية وإغلاق مضيقي هرمز أو باب المندب يشكلان انتهاكا صارخا لهذه المبادئ، وتهديدا مباشرا للمصالح الاقتصادية والتجارية للعالم أجمع.

ودعا، المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم يضع حدا لهذه الاعتداءات ويضمن محاسبة المسؤولين عنها، والعمل على إعادة حركة الملاحة في هذه الممرات الحيوية إلى طبيعتها التي كانت عليها قبل 28 فبراير الماضي، مشيراً إلى أن دول المجلس، تعمل على تعزيز مرونة منظومة إمدادات الطاقة وتقليل تعرضها للمخاطر، من خلال التوجه نحو مشروعات خطوط أنابيب النفط والغاز، ودراسة إنشاء مناطق للاحتياطيات الاستراتيجية، وتسريع مشروعات الربط الكهربائي والمائي ومشروع سكة الحديد الخليجية، بما يجسد التزام دول المجلس باستدامة تدفقات الطاقة ودعم استقرار الاقتصاد العالمي.

وأوضح أنه يتمثل في بناء الاستقرار من خلال التنمية والشراكات الدولية، مؤكدا أن دول مجلس التعاون استطاعت بناء قاعدة اقتصادية ومالية متينة يبلغ حجمها نحو 2.4 تريليون دولار أمريكي، عززت قدرتها على مواجهة الأزمات وامتصاص الصدمات الاقتصادية، وأسهمت في ترسيخ مكانتها شريكا فاعلا في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي.

وأضاف، أن دول المجلس تنطلق في جهودها الإقليمية من قناعة راسخة بأن الأمن المستدام لا يتحقق بالحلول العسكرية وحدها، وإنما يتطلب معالجة مسببات الأزمات وتعزيز فرص التنمية والاستقرار، مشيرا إلى استمرار دعم دول المجلس للحكومة الشرعية في الجمهورية اليمنية، والتوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية وفقا للمرجعيات المتفق عليها، ودعم أمن واستقرار وسيادة كل من العراق وسوريا ولبنان.

وجدد، التأكيد على أن تحقيق السلام الدائم في المنطقة يظل مرتبطا بالتوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، بما يكفل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن مفهوم الأمن الإقليمي بات يشمل كذلك الأمن المائي والغذائي ومواجهة التحديات المناخية، باعتبارها عناصر أساسية لاستدامة الاستقرار والتنمية.

واختتم الأمين العام للمجلس كلمته بالتأكيد على أن ما شهدته المنطقة خلال العام الجاري أثبت أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستند إلى موازين القوة وحدها، بل إلى قواعد دولية تحترمها جميع الأطراف، ومنظومة أمنية تشارك دول المنطقة في صياغة أسسها وتحديد أولوياتها.