التطوير الدفاعي السعودي.. من امتلاك المنظومة إلى بناء القدرة – عبدالله صالح المحمود

لم تعد القوة الدفاعية للدول تُقاس بما تمتلكه من منظومات عسكرية فحسب، بل بما تملكه من قدرة على فهم هذه المنظومات وتطويرها واستدامتها وصناعة أجيال جديدة منها. وبين شراء التقنية وامتلاك القدرة على تطويرها فارق يتجاوز الصناعة؛ لأنه يمس الأمن الوطني، والسيادة التقنية، والاقتصاد، والقدرة على الاستجابة للاحتياجات والمتغيرات المستقبلية الأمنية والعسكرية.

وفي المملكة، لم يبدأ الاهتمام بالتطوير الدفاعي بوصفه توجهًا حديثًا أو مرتبطًا بمرحلة آنية، بل مر بمراحل متراكمة بدأت ببناء قدرات متخصصة في البحث والتطوير العسكري منذ عقود، ثم تطورت مؤسسيًا مع تنظيم مركز الأمير سلطان للدراسات والبحوث الدفاعية كمركز حكومي للبحث والتطوير الدفاعي، وصولًا إلى إنشاء الهيئة العامة للتطوير الدفاعي «جاد» في عام 2021م، لتتولى تنظيم قطاع البحث والتطوير والابتكار في المجالات المرتبطة بالتقنيات والنظم الدفاعية والعسكرية والأمن الوطني.

هذا المسار يعكس تحولًا مهمًا في مفهوم بناء القوة الدفاعية؛ من النظر إلى المنظومة العسكرية بوصفها منتجًا يُقتنى، إلى النظر إلى المعرفة والتقنية والقدرة على تطويرهما بوصفها جزءًا أصيلًا من بناء القوة ذاتها.

وتظهر أهمية هذا التحول أولًا في بعده الأمني. فالمنظومات الدفاعية، مهما بلغت كفاءتها، لا تحقق كامل قيمتها الاستراتيجية إذا لم تتوافر القدرة على استدامتها وتطويرها وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية. وقد يكون الحصول على الحلول الجاهزة ضرورة في مراحل معينة، وسيظل جزءًا طبيعيًا من أي منظومة دفاعية حديثة، لكن الاعتماد عليها وحدها لا يبني بالضرورة معرفة وطنية متراكمة.

أما البحث والتطوير، فيمنح الدولة قدرة أوسع على فهم احتياجاتها، وتطوير حلولها، والاستجابة للمتغيرات التقنية والتهديدات الناشئة. وحين تمتلك الدولة الباحث والمهندس والمختبر ومركز التطوير والشركة القادرة على تحويل الاحتياج إلى حل تقني، فإنها لا تمتلك منتجًا دفاعيًا فحسب؛ بل تبني قدرة وطنية تستمر وتتراكم وتتطور.

وهنا يظهر الفارق بين شراء المنظومة وبناء التقنية. فالشراء والشراكات الدولية ونقل التقنيات ليست نقيضًا للتوطين، بل يمكن أن تكون أدوات له متى تحولت من مجرد الحصول على المنتج النهائي إلى نقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وتطوير الموردين، وتوطين التقنيات، وإجراء البحث والتطوير محليًا.

وهذا التحول يتقاطع مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في توطين ما يزيد على 50 % من إجمالي الإنفاق العسكري على المعدات والخدمات العسكرية بحلول عام 2030م. وقد بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89 % بنهاية عام 2024م، وفق بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية. لكن الوصول إلى التوطين المستدام لا يُقاس فقط بنسبة ما يُنفق محليًا أو بعدد الأجزاء التي تُصنّع داخل المملكة؛ بل بمقدار المعرفة التي أصبحت موجودة محليًا، وبقدرة المنظومة الوطنية على تطوير التقنية وتحسينها وإنتاج أجيال جديدة منها.

ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة أكثر أهمية. ففي يوليو 2026م، صدر أمر ملكي بتكليف معالي الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريف بالقيام بعمل محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية، في وقت وصل فيه القطاع إلى مرحلة متقدمة مقارنة ببدايات مشروع التوطين.

ولا يمكن الجزم بأن خلفية الخريف الصناعية كانت سببًا لهذا التكليف، لكن توقيت التكليف وخبرته الممتدة في إدارة الملف الصناعي الوطني يفتحان المجال لقراءة دلالات المرحلة واتجاهاتها. فالخريف يأتي إلى قطاع الصناعات العسكرية بخبرة مباشرة في تطوير البيئة الصناعية، وجذب الاستثمار، وتنمية المصانع، وبناء سلاسل الإمداد، ورفع المحتوى المحلي؛ وهي ملفات تتقاطع بصورة مباشرة مع متطلبات الانتقال بالقطاع إلى مستويات أعمق من التوطين وبناء قاعدة صناعية دفاعية أكثر تكاملًا.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا: هل تدخل الصناعات العسكرية السعودية مرحلة جديدة لا يكون هدفها زيادة نسبة التوطين فحسب، بل تعميق القاعدة الصناعية الدفاعية نفسها؟

فالمرحلة التالية منطقيًا لا تتوقف عند استقطاب الشركات أو تصنيع المنتج محليًا، وإنما تمتد إلى توسيع القدرات الإنتاجية، وتوطين المكونات، وتنمية الموردين المحليين، وبناء سلاسل إمداد أكثر عمقًا، ونقل خطوط وتقنيات التصنيع، ورفع القدرات الهندسية، وربط المصنع بالبحث والتطوير الوطني.

وهنا تكتمل الحلقة التي ربما تمثل أحد أهم التحولات في المنظومة الدفاعية السعودية: الاحتياج يقود البحث، والبحث ينتج التقنية، والتقنية تنتقل إلى الصناعة، والصناعة تنتج قدرة وطنية.

هذه الحلقة تحديدًا تجعل التطوير الدفاعي أكبر من كونه نشاطًا بحثيًا مستقلًا، وتجعل التصنيع العسكري أكبر من كونه خطوط إنتاج. فالبحث الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته، والمصنع الذي يعتمد بالكامل على معرفة مستوردة تظل قدرته على التطور مرتبطة بمصدر تلك المعرفة. أما حين يلتقي البحث الوطني بالصناعة الوطنية، فتبدأ المعرفة في التحول إلى قدرة قابلة للاستدامة والتطوير.

ومن هذه الزاوية أيضًا، يصبح التطوير الدفاعي أحد روافد الاقتصاد المعرفي. فالقطاع يعتمد بطبيعته على مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة، من الهندسة والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والاتصالات، إلى الأنظمة الذاتية والمواد المتقدمة والمحاكاة والأمن السيبراني. كما أن كثيرًا من هذه المجالات يقع ضمن نطاق التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، بما يسمح بأن تمتد المعرفة والخبرة المتراكمة فيها بين التطبيقات العسكرية والمدنية.

ولهذا فإن الأثر الاقتصادي للتطوير الدفاعي يبدأ قبل أن يخرج المنتج من المصنع. يبدأ من الجامعة التي تؤهل الباحث، والمختبر الذي يختبر الفكرة، والمهندس الذي يطور النموذج، والمنشأة الصغيرة والمتوسطة التي تدخل سلسلة الإمداد، والمورد المحلي الذي يرفع قدرته الفنية، والمستثمر الذي يجد في التقنية المتقدمة فرصة جديدة.

وحين تنمو هذه المنظومة، تتسع دائرة القيمة الاقتصادية معها. فالتوطين لا يعني فقط إبقاء نسبة أكبر من الإنفاق العسكري داخل الاقتصاد الوطني، بل يمكن أن يعني أيضًا بناء وظائف نوعية، وتنمية الشركات الوطنية، وزيادة المحتوى المحلي، وتطوير الموردين، واستقطاب الاستثمارات، ورفع الطلب على المهارات العلمية والهندسية والتقنية.

وقد بلغت مساهمة قطاع الصناعات العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي 6.665 مليارات ريال، وفق البيانات المنشورة للهيئة العامة للصناعات العسكرية. وهذا الرقم، على أهميته، لا يختصر وحده القيمة الاقتصادية للقطاع؛ فالأثر الأعمق يظهر في القدرات التي تتكون حوله، وفي المعرفة التي تبقى داخل الاقتصاد، وفي الشركات وسلاسل الإمداد والمهارات التي تنمو معه.

وهنا يتغير مفهوم الإنفاق الدفاعي نفسه. فحين يذهب الإنفاق إلى منتج مستورد بالكامل، تتركز القيمة الأساسية في الحصول على القدرة التشغيلية التي يوفرها ذلك المنتج. أما عندما يدخل جزء من هذا الإنفاق في منظومة وطنية للبحث والتطوير والتصنيع، فإن جزءًا من قيمته يتحول إلى أصول أخرى تبقى داخل الاقتصاد: معرفة، وكفاءات، ومختبرات، وشركات، وموردون، وقدرات صناعية وتقنية قابلة للتراكم.