التصعيد الإسرائيلي يهدد مسار التفاوض.. مخاوف من تثبيت الاحتلال وفرض وقائع جديدة في جنوب لبنان

يتزامن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان مع زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان جوزيف كليرفيلد، في توقيت يطرح تساؤلات حول الرسائل السياسية والتفاوضية التي تحملها العمليات الميدانية، ومدى قدرة آلية التنسيق والوسيط الأمريكي على ضبط الخروقات ومنع فرض وقائع جديدة قبل استكمال المفاوضات، ولا سيما فيما يتعلق بالانسحاب وانتشار الجيش اللبناني.

وفي قراءة لهذا التوقيت، اعتبر العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال الباحث في الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية أن «التزامن مهم، ومن الصعب اعتباره مجرد مصادفة عملياتية»، موضحاً أن تنفيذ عمليات عسكرية في لحظة وصول مسؤول أمريكي معني مباشرة بآلية التنسيق «لا تكون الرسالة عسكرية فقط، بل تفاوضية وسياسية أيضاً».

وأضاف حلال أن إسرائيل تريد، على الأرجح، إبلاغ الجانب اللبناني والوسيط الأمريكي بأن الواقع الميداني لم يُحسم بعد، وأن حرية العمل العسكري الإسرائيلي ما زالت جزءاً من معادلتها الأمنية، مشيراً إلى أن إسرائيل قد تكون راغبة في استمرار المسار التفاوضي، لكنها تريد أن تجري المفاوضات «من موقع قوة»، وبالتالي فإن التصعيد قد يكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض وليس بالضرورة لإسقاطه.

ورأى حلال أن استمرار العمليات العسكرية دون ضوابط يضع مجموعة التنسيق أمام «اختبار حقيقي»، لافتاً إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الغارة، وإنما في قدرة المجموعة على جعل الخرق مكلفاً سياسياً وعسكرياً على الطرف الذي يرتكبه، وإلا تحولت الآلية إلى «منصة لتبادل الشكاوى بدلاً من أن تكون أداة لضبط الميدان».

وفي ملف الانسحاب، رجح حلال أن تحاول إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة قبل استكمال المفاوضات، مشيراً إلى أن «لا انسحاب في ذهن إسرائيل التفاوضي بل إعادة انتشار»، وأن المسألة لا تتعلق بالمسافة الجغرافية فقط، بل بمن يمتلك القدرة على التحكم بالمجال بعد إعادة الانتشار.

وحذر من محاولة صياغة «خط أساس أمني» جديد، بما قد يجعل المؤقت دائماً، ويحوّل المنطقة الأمنية إلى واقع تفاوضي يصعب التراجع عنه.

وفي هذا السياق، أكد حلال أن مجموعة التنسيق العسكري ليست قوة فصل دولية بالمعنى التقليدي، وبالتالي فإن قدرتها المباشرة على إجبار إسرائيل محدودة، لكنها تملك أدوات مهمة، بينها توثيق الخروقات، وتحديد المسؤولية، والتحقق الميداني، ورفع التقارير إلى المستوى السياسي الأميركي، وربط استمرار الخروقات بالمفاوضات.

وشدد على أن الضغط الحقيقي يأتي من واشنطن، متسائلاً عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام نفوذها السياسي والعسكري لضبط السلوك الإسرائيلي.

وفي شأن المناطق التجريبية، رأى العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال الباحث في الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية أن التصعيد قد يهدد النموذج برمته إذا تحولت هذه المناطق إلى ساحات احتكاك مستمر، لكنه أشار إلى احتمال استخدام الولايات المتحدة التصعيد لإعادة تصميم النموذج عبر توسيع المناطق التجريبية وربطها بآليات تحقق أكثر صرامة، محذراً من تحولها إلى «مناطق عازلة» مقنّعة.

ودعا لبنان إلى الانتقال «من سياسة الاحتجاج إلى سياسة إدارة الملف»، بحيث يتحول كل خرق إلى ملف متكامل يبدأ بالتوثيق وتحديد المسؤولية وإحالته إلى الوسيط وطلب إجراء محدد ومتابعة التنفيذ.

وأكد أن على لبنان أن يضع أمام الوسيط الأمريكي سؤالاً واضحاً: «إذا كان المطلوب من لبنان تنفيذ التزاماته الأمنية والسياسية، فمن يضمن تنفيذ الالتزامات المقابلة؟»، مشدداً على أن نجاح الاتفاق يحتاج إلى تبادلية في الالتزام.

وفيما يتعلق بالموقف اللبناني، رأى حلال أن هناك تقارباً استراتيجياً في الهدف، لكن ليس تطابقاً كاملاً في التكتيك التفاوضي، مشيراً إلى وجود فئة كبيرة تعارض التفاوض المباشر، في مقابل فئة تؤيده، فيما يتمثل الهدف العام في الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت سيادة الدولة ومنع استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية وإعادة الإعمار وفك أسر الأسرى.

واعتبر أن توحيد الموقف اللبناني يعزز القدرة التفاوضية، محذراً من أن تحول الملف إلى صراع داخلي قد يجعل الانقسام اللبناني نفسه «جزءاً من أدوات الضغط الخارجية».

وفي قراءته للتباين بين الدولة وحزب الله، قال حلال إن هذا التباين يعكس اختلافاً في «نظرية الأمن الوطني»، موضحاً أن الدولة تنطلق من التفاوض والوساطة الأميركية والجيش والشرعية الدولية، فيما يميل حزب الله إلى التفاوض غير المباشر بالتوازي مع نقاش حول استراتيجية دفاعية بين الدولة والحزب.

ورأى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يعزز حجة حزب الله أمام بيئته، في حين أن نجاح الدولة في تحقيق الانسحاب عبر الدبلوماسية والجيش من شأنه أن يضعف الحجة القائلة إن السلاح خارج الدولة هو الضمان الوحيد للأمن.

وحول إمكانية تحويل التصعيد إلى ورقة ضغط دولية، دعا حلال إلى «إعادة تعريف المشكلة»، بحيث لا يقتصر الخطاب اللبناني على القول إن إسرائيل تضرب لبنان، بل يركز على أن هناك مساراً تفاوضياً وآلية دولية وأمريكية لضبط الوضع، فيما تواصل إسرائيل تغيير الوقائع الميدانية أثناء التفاوض.

واعتبر أن هذه الحجة يمكن أن تكون ذات قيمة للبنان في واشنطن وعواصم القرار، عبر طرح سؤال أوسع حول مدى سماح الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لطرف بتغيير شروط التفاوض بالقوة أثناء التفاوض.

وفي تقييمه لمستقبل المسار، قال حلال إن لبنان أمام «مرحلة تفاوضية شديدة الصعوبة»، لكنه لا يرى أن الانهيار هو السيناريو الأول، مشيراً إلى وجود مصلحة أمريكية ولبنانية في استمرار التفاوض.

وحذر من الانتقال من «التفاوض تحت الضغط» إلى «التفاوض من أجل تثبيت نتائج القوة العسكرية»، معتبراً أن المؤشر الأهم ليس عدد الغارات، وإنما استمرار قنوات الاتصال السياسية والعسكرية. وقال إن بقاء القنوات مفتوحة يعني أن الأزمة قابلة للإدارة، بينما انهيارها سيعني الدخول في مرحلة أكثر خطورة.

وحدد الباحث في الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية،ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة: التصعيد المحسوب، والتدخل الأمريكي الأقوى، وإعادة التفاوض بشروط جديدة، محذراً من السيناريو الأخطر المتمثل في انهيار قواعد الاشتباك وتحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع.

وفي قراءة موازية، اعتبر العميد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل، أن توقيت التصعيد الإسرائيلي «مهم جداً، ومن الصعب اعتباره مجرد مصادفة ميدانية»، مؤكداً أن إسرائيل تقول عملياً إن «الميدان لا يزال جزءاً من أدوات التفاوض».

وأوضح شحادة أن الرسالة الأولى موجهة إلى لبنان، ومفادها عدم التعامل مع الانسحاب باعتباره نتيجة تلقائية للمفاوضات، لأن إسرائيل تريد الاحتفاظ بهامش لتحديد شكل الانسحاب وتوقيته وحدوده، «بل هي تسعى للبقاء في لبنان».

أما الرسالة الثانية، بحسب شحادة، فهي موجهة إلى واشنطن، ومفادها أن الضغط الأمريكي على إسرائيل يجب ألا يصل إلى درجة فرض انسحاب كامل وسريع، معتبراً أن إسرائيل تريد من الوسيط الأمريكي رعاية التفاوض من دون أن يفرض بسهولة النتيجة الأمنية التي تريدها في جنوب لبنان.

وأشار إلى أن أهمية التصعيد تتضاعف في ظل الحديث عن تحديد «المناطق التجريبية» وآلية التحقق من الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني.