التزام المملكة بحقوق الشعب الفلسطيني موقف راسخ – أحمد  الأسمري

«إن التزام المملكة بحق الشعب الفلسطيني موقف راسخ، وجهد مستمر لن يتوقف إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفقاً للمرجعيات الدولية».

بهذه العبارة ثبّت الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى، الذي ألقاه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين، موقف المملكة من القضية الفلسطينية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وعلى مشارف الذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر 1973، التي كتبت فصلاً سعودياً خالداً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

موقف يمتد في تاريخ المملكة إلى عهد الملك عبدالعزيز، وتروي محطاته المتعاقبة أطوار الحروب والتحالفات ووسائل المواجهة والسلام، ظلت خلالها فلسطين حاضرة في السياسة السعودية جيلاً بعد جيل.

في 14 فبراير 1945، وعلى متن الطراد الأمريكي «كوينسي»، جلس الملك المؤسس أمام الرئيس فرانكلين روزفلت، وكانت فلسطين من أثقل قضايا اللقاء. تحدث الرئيس الأمريكي عن مأساة اليهود الذين شردتهم الحرب في أوروبا، فجاء رد الملك صريحاً: لا ينبغي أن يدفع عرب فلسطين ثمن جريمة ارتكبها غيرهم. رفض نقل المأساة من شعب إلى آخر، وحذر من اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ليخرج روزفلت من اللقاء وهو يدرك أن فلسطين ليست تفصيلاً عابراً في موقف عاهل الجزيرة.

سبق لقاء «كوينسي» سنوات من اهتمام الملك عبدالعزيز بفلسطين. اعترض على توسع المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية، وخاطب لندن وواشنطن، ورفض التقسيم. ومع اقتراب حرب 1948 برزت لديه رؤية لافتة؛ فقد نقل حافظ وهبة أن المؤسس رأى تسليح أبناء فلسطين ومساعدتهم بالمال ليدافعوا بأنفسهم عن بلادهم، بدلاً من الارتهان لجيوش عربية تختلف حسابات حكوماتها.

لم يؤخذ بهذا الرأي، فالتزم عبدالعزيز القرار العربي، وفتح باب التطوع، وأرسل قوات سعودية قاتلت إلى جانب الجبهة المصرية. وهكذا ارتقى الموقف من التحذير إلى المال والسلاح والدم.

بعد 1948 امتدت المواجهة إلى خليج العقبة. ومع سماح المملكة بتمركز القوات المصرية في تيران وصنافير عام 1950، دخلت الجزيرتان السعوديتان معادلة الحد من وصول إسرائيل إلى الخليج.

وفي 1956 وقف الملك سعود بن عبدالعزيز مع مصر أمام العدوان الإسرائيلي البريطاني الفرنسي، ومنعت السعودية تحميل النفط المتجه إلى بريطانيا وفرنسا، في استخدام مبكر للثقل البترولي ضد المعتدين.

جاء يونيو 1967 والعالم العربي ممزقاً بما عرف بـ«الحرب العربية الباردة». السعودية ومصر عاشتا سنوات صعبة من الخصومة في اليمن، ثم وقعت النكسة واحتلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة وغزة وسيناء والجولان.

تقدم الجرح الأكبر على خلاف الأمس. التقى الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس جمال عبدالناصر في القمة العربية بالخرطوم، وأغلقا ملفاً واسعاً من الصدام، ووافقت الدول النفطية على دعم مصر والأردن مالياً، وتحملت السعودية جزءاً أساسياً من هذا الدعم سنوات بعد القمة. كان التعالي على الخصومة رسالة بحد ذاته: إسرائيل في القدس، وما دون ذلك يمكن أن ينتظر.

ومن آثار النكسة خرج مسار اجتماعي أشد التحاماً بالقضية. تولى الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمير الرياض آنذاك، رئاسة اللجنة الشعبية لمساعدة الشعب الفلسطيني، واتسع نشاطها في المملكة. وفي 1968 أُقر مشروع «ريال فلسطين» تحت شعار «ادفع ريالاً تنقذ عربياً»، رداً على الدعاية المعادية «ادفع دولاراً تقتل عربياً». انتشرت قسائم التبرع في المدارس والكليات والمتاجر والجهات الحكومية، فصار الطالب يشارك من مصروفه، والتاجر من متجره، والموظف من دخله.

حتى كرة القدم دخلت المشهد. ففي العام نفسه أقيمت بطولة «كأس الأمير فهد لشهداء فلسطين»، وسجلها تاريخ نادي الشباب ضمن بطولاته في 1388هـ. كانت هذه الخطوات مؤثرة وأكدت أن فلسطين حاضرة في المدرسة والسوق والملعب وفي كل مكان.

ثم جاء 6 أكتوبر 1973، وهنا تجاوز الموقف السعودي كل ما سبقه في أثره الدولي.

كانت مصر وسوريا تخوضان الحرب منذ العاشر من رمضان لاستعادة الأرض المحتلة. وفي 17 أكتوبر قررت الدول العربية المصدرة للنفط خفض الإنتاج بما لا يقل عن 5 في المئة شهرياً، حتى يتحقق الانسحاب الإسرائيلي وتستعاد الحقوق المشروعة للفلسطينيين. وذهبت السعودية أبعد، وعقب ثلاثة أيام أوقفت صادرات النفط إلى الولايات المتحدة.

كان القرار ثقيلاً، فواشنطن شريك رئيسي للمملكة، والاقتصاد السعودي يعتمد على عائدات البترول. ومع ذلك رأى فيصل أن العلاقة معها لا تتحمل استمرار النفط السعودي وهي تسلح إسرائيل.

سرعان ما ضربت أزمة الطاقة الاقتصادات الغربية، وارتفعت الأسعار، وظهرت طوابير الوقود وإجراءات التقشف، وأدركت العواصم الكبرى أن احتلال الأرض العربية لم يعد ملفاً معزولاً عن مصالحها. ولم يتعامل فيصل مع الحظر كغضب مؤقت؛ ربط في لقاءاته مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر عودة الإنتاج بالتقدم نحو الانسحاب الإسرائيلي والاعتراف بحقوق الفلسطينيين.

للمرة الأولى أصبحت فلسطين تؤثر في حياة المواطن الغربي اليومية بقرار من الرياض.

ساندت المملكة منظمة التحرير الفلسطينية، وأيدت في قمة الرباط العربية عام 1974 اعتبارها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني. وبعد انفجار الحرب الأهلية اللبنانية، سعت قمة الرياض السداسية عام 1976، في ضيافة الملك خالد بن عبدالعزيز، إلى وقف الاقتتال الذي شمل الفلسطينيين، ضمن سياسة تجمع بين مساندة المقاومة ومنع تحولها إلى وقود لصدام عربي داخلي.

ثم جاءت رحلة أنور السادات إلى إسرائيل وكامب ديفيد. لم تعترض السعودية على استعادة مصر أرضها بالسلام، لكنها رفضت مساراً منفرداً لا يقدم حلاً واضحاً للقدس والأراضي العربية المحتلة وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

بعد إقرار إسرائيل قانون القدس عام 1980، دعا الملك فهد بن عبدالعزيز، ولي العهد آنذاك، إلى الجهاد لتحرير الأرض والقدس. وبعد عام طرح مشروعاً من ثماني نقاط للسلام، يتقدمه الانسحاب من أراضي 1967 بما فيها القدس العربية، وإزالة المستوطنات، وضمان الحقوق الفلسطينية، وقيام دولة مستقلة عاصمتها القدس. وأصبح المشروع لاحقاً أساساً مهماً للموقف الذي تبنته القمة العربية في فاس المغربية.

لم يكن الانتقال من «الجهاد» إلى مبادرة سياسية تناقضاً، فالغاية بقيت واحدة، واختلف الطريق إليها.

ولم يكن السلام عند فهد طريقاً إلى تجاوز الفلسطينيين. تروي شهادة الأمير بندر بن سلطان واقعة شهيرة خلال زيارة الملك فهد لواشنطن عام 1985. علم الملك أن خطاب الرئيس رونالد ريغان في مأدبة العشاء يتضمن فقرة تدفعه نحو خطوة مباشرة مع إسرائيل، فطلب الاطلاع عليه واعترض عليها حتى حذفت. ثم تغير مجرى الأمسية، وانطلق فهد يتحدث عن الرياضة وكرة القدم وإنجازات المنتخبات السعودية. محاولة إحراج الضيف السعودي الفطن انتهت بمشهد مختلف عما أُعد له.

وفي عهد الملك فهد، امتد الإسناد السعودي إلى حماية معالم القدس وذاكرتها. ومن خلال برامج «اليونسكو» لصون التراث الثقافي للمدينة، قدمت المملكة دعماً لمشروعات حماية معالمها الإسلامية.

وبعد بعثة خبراء أرسلتها اليونسكو عام 1994 لتحديد أعمال الصيانة والترميم اللازمة في قبة الصخرة، جدد الملك استعداده لتحمل تكاليفها.