«التراث الثقافي»..  ذاكرة العالم عبر الأجيال

لا يُختزل التراث الثقافي غير المادي في مقتنيات تحفظها المتاحف أو نصوص توثّقها الكتب؛ فهو حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، في أغنية يتوارثها الناس، وحرفة يتعلمها الأبناء، وطقس يجمع العائلة، ومعرفة تتناقلها المجتمعات جيلًا بعد جيل. وبممارسة الناس له، يظل هذا التراث حيًا ومتصلًا بالحاضر. وفي 17 أكتوبر، يحتفي العالم باليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي، تأكيدًا على قيمة ما تختزنه المجتمعات من معارف وفنون وممارسات، وعلى دور حَمَلة هذا التراث في صونه ونقله. فالممارسات التي تنشأ في بيئات مختلفة، من فنون الأداء والحرف التقليدية إلى ثقافات الطعام والاحتفالات والعادات الاجتماعية، تمنح كل مجتمع ملامح تميّزه، وتفتح في الوقت نفسه مساحة للتعارف بين الثقافات. وتتعدد صور التراث الحي بتعدد البيئات؛ ففي بعض المجتمعات ترتبط المعارف بالمواسم الزراعية وطرق حفظ الطعام، وفي أخرى تتصل بفنون الغناء والرقص وصناعة الآلات، أو بالحرف التي تستثمر خامات الطبيعة. وقد تكون الممارسة احتفالًا عامًا، أو مهارة تنتقل داخل الأسرة، أو حكاية تحفظ خبرة جماعية. تظل صلتها بالمجتمع الذي يمارسها أساس حضورها واستمرارها. ولا يعني صون التراث تجميده في صورته القديمة؛ فالموروث الحي يتغير مع الناس، ويجد طريقه إلى الأجيال حين يتعلمونه ويمارسونه ويعيدون تقديمه بما يلائم حياتهم. ومن هنا تتكامل جهود الأسر والحرفيين والفنانين والمؤسسات الثقافية والتعليمية والجهات المعنية، لتوفير فرص التعلم والتبادل، وإبقاء المعارف والمهارات حاضرة في المجتمع. كما تساعد المساحات الثقافية والبرامج التعليمية على تعريف الأطفال والشباب بموروثهم، وإشراكهم في ممارسته، بدل أن يبقى مادة للفرجة أو معلومة عابرة. وفي المملكة، تتجلى هذه الحيوية في تنوع الممارسات التي تعكس خصوصية المناطق وذاكرتها؛ من القط العسيري والعرضة النجدية والمزمار، إلى القهوة الخولانية، والسدو، وورد الطائف، والمجلس. وهي عناصر لا تستمد قيمتها من حضورها في المناسبات، بل من القصص والمعارف والروابط الاجتماعية التي تحملها، ومن استمرار الناس في ممارستها ونقلها. ويعيد اليوم الدولي التذكير بأن التراث الثقافي غير المادي يتجاوز الحدود؛ فلكل مجتمع موروثه، ولكل ممارسة حكاية تكشف جانبًا من علاقته بالمكان والناس. وحين تتبادل المجتمعات التعرف إلى تراث بعضها، يتسع الفهم للتنوع، ويغدو الموروث جسرًا يصل بين الأجيال والثقافات. فالاحتفاء بتقاليد الشعوب يتيح الإصغاء إلى تجاربها، وفهم ما يجمع الناس وما يمنح كل ثقافة خصوصيتها، ويشجع على احترام التنوع وصون الذاكرة المشتركة للإنسانية. فالتراث الحي لا يحيا بالاحتفاء به يومًا واحدًا، بل باستمرار الناس في إحيائه؛ حين يروون حكاياته، ويتعلمون مهاراته، ويمنحونه مكانًا في حياتهم. عندها تبقى الذاكرة متجددة، ويظل الانتماء متصلًا بما تركته الأجيال وما تواصل الأجيال صنعه.