التحوّط التماثلي: مقاومة حزب الله ضدّ العالم

ملخّص منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، صمد حزب الله أمام هجمات متصاعدة قادتها قوى كبرى، ولاسيما الولايات المتحدة وإسرائيل. اتخذت هذه الهجمات طابعًا سياسيًا وقانونيًا وعسكريًا، وسعت إلى عزل الحزب واستئصاله، من دون أن تنجح في ذلك. تمكّن حزب الله من مواجهة هذه الهجمات والصمود أمامها، بل خرج منها أكثر قوة. ومن هنا تبرز مفارقة إشكالية: كيف يمكن تفسير مجرّد بقاء حزب الله، فضلًا عن تنامي قوته، في ظل هجوم منهجي واسع النطاق عليه؟ يسعى هذا المقال إلى تفسير هذه المفارقة من خلال إرجاع قوة حزب الله إلى توظيفه المحسوبة للأيديولوجيا الدينية في مواجهة المبررات التي تستند إليها القوى الكبرى لعزله وتدميره. بعيدًا عن التفسيرات القائمة على البراجماتية والتطبيع، ينظّر المقال لصراع حزب الله من أجل البقاء بوصفه شكلًا من أشكال «التحوّط التماثلي» (mimetic hedging)، حيث يوظّف الحزب أدواره اللا-مؤسساتية والمؤسساتية لامتصاص الهجمات الداخلية والخارجية واستيعابها. يوضح المقال كيف يطبّق حزب الله، بحذر استراتيجي، آليات المحاكاة (Simulation) والمواربة (Dissimulation) لتفادي تهديدات راهنة، وربما وجودية، وكسب الوقت لمتابعة السعي نحو نظام تحرّري إسلامي في المستقبل. استنادًا إلى عمل ميداني موسّع وأرشيفات إعلامية في لبنان، إضافة إلى مقابلات أُجريت مع مسؤولين لبنانيين ومسؤولين في الأمم المتحدة، يساهم هذا المقال في التنظير لصمود المنظمات المسلحة اللا-دولاتية ودورها في أمن دول ما بعد الاستعمار. مقدّمة لا يبدو حجم حزب الله متناسبًا البتة مع النطاق الهائل للهجوم الدولي الذي استثاره منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي. سعت الولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل ودول غربية أخرى، إلى إضعاف حزب الله، بما في ذلك توظيف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحظر الحزب ونزع سلاحه. كان حجم الجهد الدولي المبذول لاستئصال حزب الله عبر الوسائل السياسية والعسكرية والقانونية استثنائيًا. غير أنّ الأمر الأكثر استثنائية هو فشل هذا الجهد؛ فحزب الله لم يكتفِ بمقاومة هذه الهجمات، بل خرج منها أكثر قوة. فقد نوّع نشاطه العسكري من مقاومة إسرائيل في جنوب لبنان إلى دعم حلفائه وتدريبهم في سوريا واليمن والعراق، وصولًا إلى مواجهة إسرائيل بتكنولوجيا عسكرية متطورة والتصدّي لحربها الإبادية على غزة في عامي 2023 و2024، كما تطوّر من حزب سياسي مناهض للمنظومة في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى قائد ائتلاف برلماني قوي. ومن هنا ينبثق السؤال الذي يطرحه هذا المقال: كيف يقاوم حزب الله هجمات منسّقة تسعى إلى تدميره؟ تزداد إشكالية هذا السؤال إذا أخذنا في الاعتبار التفاوت في موازين القوة بين حزب الله وخصومه الأقوياء. يذهب باحثو دراسات الأمن السائدة إلى أنّ المنظمات المسلحة اللا-دولاتية تقاوم بفعل قدرتها على احتلال مناطق بينية تفتقر فيها الدولة إلى السيطرة المؤسساتية والبنيوية التحتية (Day, 2019)، أو عندما تصبح هذه المنظمات نفسها صانعةً للدولة (Krause, 2017)، أو حين تقيم «أنظمة مسلحة»، أي ترتيبات مؤقتة مع الدولة يُتوقَّع أن تنتهي إما بإدماجها في الدولة أو بسيطرتها هي على الدولة (Staniland, 2017). في المقابل، يتحدى باحثو العلاقات الدولية النقدية والتاريخية هذه المنظورات أنطولوجيًا، إذ يقاربون المنظمات المسلحة اللا-دولاتية بوصفها كيانات شبيهة بالدولة، تؤدي وظائف الدولة، لكنها تفتقر إلى الشرعية التي اكتسبتها الدولة تاريخيًا (Davis, 2009; Owens, 2015; Winter, 2011). غير أنّ حالة حزب الله تتحدى هذه الرؤى. فهو لا يقاوم من الهوامش، بل من القلب المؤسساتي للدولة. كما أنّه لا يتلاشى مع مرور الزمن. وعلى الرغم من انخراطه مع الدولة بوصفها مؤسسة ظرفية، فإنه يمدّ قوته إلى ما وراءها. فضلًا عن ذلك، حتى لو افترضنا أنّ ضعف الدولة اللبنانية هو ما يجعل حزب الله قويًا، فإن ضعف لبنان لا يفسّر لماذا تفشل القوى الدولية، مرة تلو أخرى، في استئصال حزب الله. لا تنجح المنظورات البحثية التي تناولت صمود حزب الله في تفسير هذه الخصوصيات أيضًا. تبرز هنا ثلاثة تفسيرات رئيسية. يرى التفسير الأول أنّ «سرّية» حزب الله هي المفتاح لتعزيز قوته تحت الأرض بوصفه «دولة داخل الدولة»، تزدهر على حساب الدولة (Gabrielsen, 2014). غير أنّ هذا المنظور، بتركيزه على «غموض» حزب الله، يغفل دوره بوصفه حزبًا سياسيًا مؤسساتيًا، لا يعمل في السر فحسب، بل يعمل أيضًا عبر المؤسسات الرسمية. فضلًا عن ذلك، يفشل هذا التفسير في شرح الكيفية التي يفلت بها حزب الله من رقابة وتدقيق المجتمع الدولي، في الوقت الذي ينشغل فيه هذا المجتمع بكشف أنشطته غير الرسمية، ولا سيما عبر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، «اليونيفيل». أما التفسير الثاني، فيضع صمود حزب الله في سياق اندماجه داخل النظام السياسي اللبناني (May, 2019; Norton, 2007; Saouli, 2011). تجادل أمل سعد-غرايب (2002) بأنّ الأجندة الوطنية لحزب الله طغت على أجندته الإسلامية، الأمر الذي جعل منه ركيزة من ركائز استقرار لبنان. يضيء هذا التصور على دور حزب الله داخل الدولة ودعمه لها. لكنه، في الوقت نفسه، يُغْفِلُ عمله الموازي خارج الدولة وضدّ سياستها الرسمية، كما في مشاركته في الصراع السوري بما يتعارض مع الموقف اللبناني المحايد، ودوره في «محور المقاومة»، وهو تحالف من الفاعلين الملتزمين بمواجهة الإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط، بما يدل على اتساع أفق حزب الله من تركيزه المحلي التقليدي: «مجتمع المقاومة» (Alagha, 2023). تحاول المقاربة الثالثة، موازِنةً بين هاتين الرؤيتين المتقابلتين، التركيز على «تناقضات» حزب الله (Alagha, 2012) أو طابعه المزدوج «اليانوسي» (Knio, 2013). يرى حرب وليندرز (2005) أنّ صمود حزب الله ينبع من بنائه «حالة إسلامية»، تتكوّن من مؤسسات دينيّة تعمل بالتوازي مع الدولة. توضح فريغونيزه (2012) كيف يبني حزب الله «سيادات هجينة» مع الدولة. تقدّم هذه المقاربة وصفًا حيّاً لانخراط حزب الله المزدوج مع الدولة. لكن كيف يستطيع حزب الله أن يعمل بصورة منهجية خارج الدولة، في الوقت نفسه الذي يندمج فيه داخل الدولة وتحت الرقابة الدوليّة؟ يبقى هذا السؤال غير مطروق. يدمج هذا المقال هذه المسارات البحثية ويتجاوزها. فهو ينظر إلى حزب الله بوصفه ملتزمًا بالدفاع عن مشروع تحرّري إسلامي ضدّ الدولة وما وراءها، وضدّ النظام الدولي العلماني الذي يسندها، لكنه في الوقت نفسه مفرط الوعي بحدوده، وبناءً عليها يتصرف بحذر استراتيجيّ. ويتعامل المقال مع أدوار حزب الله المؤسساتيّة واللا-مؤسساتيّة بوصفها شكلين منفصلين من الفعل، ويتتبّع طابعهما المتعاضد والمتبادل التعزيز، بغية الكشف عن آليات نظرية «التحوّط التماثلي» التي يقترحها هذا المقال. يُظهر «التحوّط التماثلي» كيف يختبئ حزب الله داخل نسيج الدولة، جاعلًا نفسه غير مرئي لأعدائه، كي يخفي مشروعه الأيديولوجي في الحاضر ويؤمّن إمكانية تحقيقه في المستقبل. يقوم التحليل التجريبي على مجموعة من المناهج لجمع الأدلة وتحليلها. أستخدم تتبّع العمليات للكشف عن الروابط السببية بين الدورين المؤسساتيّ واللا-مؤسساتيّ لحزب الله، لأركّز على فترتين متميّزتين من إعادة التشكّل السياسي-المعياري في لبنان: (أ) ما بعد الحرب الأهلية (1990–2000)، و(ب) ما بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان (2000–الحاضر). لتقييم عمل حزب الله داخل المؤسسات الرسميّة، أحلّل خطاباته الرسميّة، بالاستناد إلى بياناته التأسيسيّة ومنشوراته وأرشيفاته الإعلاميّة. أمّا في ما يتعلق بعمله غير الرسميّ، فأستند إلى عملي الميداني في لبنان بين عامي 2010-2019، إضافة إلى مقابلات شبه منظّمة مع نخبة من المسؤولين في الأمم المتحدة، ودبلوماسيين، وسياسيّين لبنانيّين، وضباط في الجيش اللبنانيّ واستخباراته، فضلًا عن الاطلاع على الأرشيفات الإعلاميّة وتقارير الأمم المتّحدة. ما وراء البراجماتيّة والتنشئة الاجتماعيّة تتأرجح التصورات المهيمنة عن حزب الله بين إطارين متقابلين، هما البراجماتية والتنشئة الاجتماعية، مقدّمةً فهمين متنافسين لفاعليته. يرى الواقعيّون حزب الله بوصفه فاعلًا يسعى إلى تعظيم القوة، ويوظّف أيديولوجيّته الدينيّة بصورة انتهازية في سبيل متابعة أجندته (Azani, 2013; Daher, 2019; Neumann, 2007; Ranstorp, 1998). من المؤكد أنّ الأيديولوجيا قابلة للتوظيف الأداتي (Farida, 2019). كما يمكنها أن تتطور بمرور الزمن. غير أنّ التأويل الذي يختزل الأيديولوجيا في أداة للقوة يطمس الحدود بين المعتقدات والمصالح إلى حد يجعل التمييز بينها متعذرًا. كما أنّه، إذ يبني فصلًا مصطنعًا بين قيادة يُفترض أنها براجماتية وقاعدة شعبيّة مدفوعة دينيًا، يترك بلا تفسير الكيفيّة التي يتفادى بها حزب الله، بصورة منهجية، خيبة الأمل الشعبية. وفي المقابل، يرى البنائيّون اعتدال حزب الله علامةً على «التطبيع» (Al-Aloosy, 2020; Norton, 2007) أو على «التنشئة الاجتماعية» وفق المعايير الدولية (Dionigi, 2014; Saouli, 2019). ويسعى هؤلاء الباحثون إلى مواجهة الوصمات الأوروبية المركزية لحزب الله. غير أنهم، بتقديمهم صورةً «مصقولة» للحزب، كما لو أنه متصالح إلى حد ما مع الوضع المعياري القائم، يتركون بلا تفسير الحالات المتعددة التي يتصرف فيها حزب الله عمدًا ضد المعايير المهيمنة. والمفارقة أنهم، في محاولتهم إنقاذ حزب الله من النزعة الأوروبية المركزية، يستدلّون وفق معايير أوروبية مركزية في فهم السياسة، وهو قصرٌ دائريّ متكرر في النقاشات البنائية وما بعد الاستعمارية (للاطلاع على نقد لذلك، انظر/ي Barkawi and Laffey, 2006; Bilgin, 2010; Eriksson and Verweijen, 2018). ومثل جميع الفاعلين الحديثين، فإن حزب الله كائن «طباقي»، إذا استعرنا مفهوم إدوارد سعيد، تشكّل بفعل اللقاء بين رؤى معيارية مختلفة (Bilgin, 2016). غير أنّ الطريقة التي يدير بها هذا اللقاء لا يمكن تعريفها مسبقًا. فهي تعتمد على مدى قبول حزب الله للرؤى الأخرى أو رفضه لها، وعلى كيفية استجابته للطوارئ والاحتمالات. وفي هذا السياق، تحذّر زاراكول (2014) من الخلط بين «استدخال المعايير» و«التنشئة على المعايير». وتذهب إلى أنّ الفاعلين غير الغربيّين غالبًا ما يستدخلون المعايير المفروضة غربيًا ويرفضونها في الوقت نفسه، حين يصبحون مفرطي الوعي بأصولها الكولونيالية. يتجاوز هذا المقال ثنائية البراجماتيّة في مقابل التنشئة الاجتماعيّة، رافضًا التوقعات الصريحة أو الضمنية لسلوك «طبيعي» يُخضع الباحثون السائدون على أساسه عمل المنظمات المسلحة اللا-دولاتية للفحص والتدقيق (Toros, 2008). وتغذّي هذه التوقعات مشاريع فكرية ترمي إلى وصم السلوك غير الممتثل و/أو رسم طريق نحو الامتثال، كما فعل أدب «الإدماج-الاعتدال» على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وإن بطرائق بقيت غير حاسمة إلى حد بعيد (للاطلاع على نقد لهذا الأدب، انظر/ي Schwedler, 2011). أمّا ما لا تبدي هذه المنظورات اهتمامًا برؤيته، ناهيك عن استعادته، فهو فاعلية مَنْ يُفترض أنه «منحرف» وبراعته. غير أنّ هذا هو، على وجه التحديد، الموضع الذي نستطيع أن نلاحظ فيه «طرائق متعددة لتخيّل عالمنا، وترتيبه، والسكن فيه بوصفه فضاءً عالميًا» (Muppidi, 2005: 274). وينبغي لمثل هذه المقاربة أن تمتنع عن الوصم المسبق بقدر امتناعها عن رَمْنَسَة الرؤى البديلة للنظام، التي يمكن بالفعل أن تنتج هرمية بديلة وأشكالًا بديلة من الظلم. وبهذه الروح، أكشف الانخراط الجدلي لحزب الله مع خصومه، بين منازعة الوضع القائم والامتثال له، بغية تقديم تفسير منهجي لسلوكه. وأنظر إلى حزب الله بوصفه طوباويًا حذرًا، ملتزمًا بتحقيق نظام إسلامي لا يمكن أن ينشأ إلا بعد تفكيك النظام الراهن، حيث يغدو الدين أداة لصوغ مشروع تحرّري يتحدى الهرميات العالميّة (Dabashi, 2011; Kanaaneh, 2021; Saade, 2016). ويجسّد سلوكه رفضًا للعلمانية بوصفها الأيديولوجيا المركزية التي تسند المجتمع الدولي وتبرّر الهرميات العالمية، وليس أقلها الهرمية بين الدول، وهي كائنات علمانية بامتياز، والفاعلين اللا-دولاتيّين (Hurd, 2004). غير أنّ حزب الله يتحرك بحذر داخل البيئة المعيارية التي تنبذه، فالتباسات «تطبيع» حزب الله ليست عيوبًا في مسار غير محدد من الانحراف إلى الطبيعية، بل تنبع من وعيه بكيفية تهديد المعايير الدولية لبقائه. وهذا الوعي الحاد، كما أبيّن، هو ما يسند منطق فعل حزب الله. ويمكننا أن نرى مشاركة حزب الله في المؤسسات الرسمية لا بوصفها مجرد وسيلة لاكتساب القوة، بل بوصفها شرطًا للدفاع عن رؤيته التحرّرية. ومن هذا المنظور نفسه، يمكننا أيضًا فهم دور حزب الله في «محور المقاومة»، مع أنّ هذا المقال سيركّز، على نحو مقتصد، على كيفية مقاومة حزب الله لخصومه العالميين من داخل الدولة اللبنانية، ناظرًا إلى الدولة بوصفها المصدر الذي يستخرج منه حزب الله الاستقلالية اللازمة للعمل خارجها. إنني أرى فعل حزب الله جزءًا من صراع عالمي لمنع لبنان من أن يتحول إلى قاعدة نيو-إمبريالية مكتملة الأركان تحت الهيمنة الغربية. ولفهم سلوك حزب الله، أطوّر، استقرائيًا، نظرية التحوّط التماثلي. التحوّط التماثلي في دراسات الأمن، يشير «التحوّط» إلى استراتيجية يصطفّ فيها الطرف الأصغر، على نحو ملتبس، مع خصومه الأقوياء لمقاومة هيمنتهم الكاملة عليه. وغالبًا ما يستدعي الواقعيون (Kuik, 2016) هذا المفهوم لملء الفراغ المفاهيمي بين «الموازنة» (balancing) و«اللحاق بالقوي» (bandwagoning)، وذلك حين يختار الطرف الأصغر اصطفافًا محدودًا مع القوي «ينطوي على مزيج من العناصر التعاونية والتصادمية» (Ciorciari and Haacke, 2019: 367). غير أنّ الجانب التعاوني من هذا الانخراط يخدم غاية «الحفاظ على قدر من الاستقلالية والأمن» (Stiles, 2018: 11). ويغدو هذا أمرًا حاسمًا حين يتحرك الفاعلون الصغار داخل حلبة استراتيجية موسومة بتفاوت كبير في القوة وبلا يقين حيال المستقبل، بما يجنّبهم الانكشاف المفرط أمام اعتباطية الأقوياء (Tessman, 2012). وباختصار، يختزل الواقعيّون التحوّط في كونه حصيلة حساب للكلفة والمنفعة. أضعُ هذا المنظور موضع إشكال. فحتى بالمعنى العقلاني، ينطوي التحوّط، بوصفه التزامًا ملتبسًا وغير محسوم، على مخاطر إضافية تنبع من الحفاظ على هامش الشك. فلماذا يتحمّل الفاعلون الصغار كلفة الالتباس حفاظًا على استقلاليتهم، بدلًا من مقايضتها بأمن أكبر عبر اختيار اللحاق بالقوي؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي إعادة إدخال الأيديولوجيا إلى التحليل. فبوصفه خيارًا من بين خيارات أخرى، ينطوي «التحوّط» على حساب دقيق للمخاطر، لكنه يعكس في نهاية المطاف استعدادات أيديولوجية/فاعلية، وهو أمر يمكن استنتاجه بالقدر نفسه في شأن الموازنة أو اللحاق بالقوي (Lawson, 2006: 408). انطلاقًا من الأدبيات المذكورة أعلاه، أعزل ثلاثة عوامل مترابطة تدفع إلى اختيار التحوّط: (أ) منازعة الوضع القائم، و(ب) العزم على تغييره، و(ج) الحذر الاستراتيجي لتجنّب التدمير الوشيك. يختار المتحوّطون أن يعيشوا وفق معاييرهم الخاصة: يحافظون على استقلاليتهم ويرفضون الخضوع لمعايير الغير. وفي الوقت نفسه، يدركون حدودهم الخاصة، سواء كانت حدودًا مادية أم حدودًا تحددها البيئة الاجتماعية الظرفية. ومع ذلك، يحاولون تجاوز هذه الحدود. وهنا تحديدًا يُفْلِتُ التحوّط، في جوهره، من أيّ تفسير براجماتي محض. فبينما يتجنب المتحوّطون المواجهة مع خصومهم حين تكون الظروف مرجحة على الأرجح لإبادتهم، فإنهم يستبعدون الخيارات البديلة المتاحة التي قد تضمن بقاءهم على حساب معتقداتهم. وبدلًا من تطويع الأيديولوجيا لخدمة مصالحهم، فإنهم يتحركون بدافع الأيديولوجيا والالتزام بالحفاظ عليها. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة حين ندرس كيف تقاوم المنظمات المسلحة اللا-دولاتية الدولة، في سياق موسوم بتفاوت مادي يخضع، ويتشكّل، بفعل تفاوت معياريّ بين أسلحة الدولة «الشرعية» وأسلحة الفاعل اللا-دولاتي «غير الشرعية». تحوّط حزب الله عبر التماثل يلتقط التحوّط التماثليّ التآزر بين أدوار حزب الله المؤسساتية واللا-مؤسساتية. فهو يبيّن كيف يتحوّط حزب الله في مواجهة خصوم أقوياء يسعون إلى تدميره، وذلك عبر التماثل مع الدولة، بحيث يغدو غير قابل للتمييز عنها، ومن ثم غير مرئيّ لأعدائه. إنه يحاكي التطبيع داخل الدولة كي يخفي الأهداف السياسية التي يسعى إليها خارجها. فالدور المؤسساتيّ لحزب الله يجعل عمله اللا-مؤسساتي يختفي عن رادار خصومه. المحاكاة يحاكي حزب الله التطبيع عبر حزبه السياسي، من خلال التصرف كما لو كان منفصلًا عن جناحه العسكري أو عن «المقاومة». يستدعي هذا ما يسميه ديماجيو وباول (1983) «التغيّر التماثليّ المؤسساتيّ»: حين تواجه المنظمات حالة من اللايقين، فإنها «تشكّل نفسها على مثال منظمات مشابهة […] تراها أكثر شرعية» (1983: 151–152). غير أنّ هذا لا يعني التحول إلى شيء آخر. بل يندرج ضمن ما وصفه سكوت (1990: 136) بـ«التنكّر السياسي»، الذي من خلاله «تدسّ» الجماعات الضعيفة مقاومتها في «النص العلني» لتجنب العزل. يؤكد سكوت أنّ «معظم أفعال القوة من أسفل […] تراعي إلى حد بعيد “القواعد”، حتى وإن كان هدفها تقويضها» (1990: 93). هكذا تستغل المنظمات الضعيفة ثغرات النظام المعادي الذي تعمل داخله، فـ«ترسم مسارًا عند التخوم القصوى لما تكون السلطات ملزمة بالسماح به أو عاجزة عن منعه»، بغية «اقتطاع حياة سياسية علنية هشة لنفسها داخل نظام سياسي يحظر، من حيث المبدأ، مثل هذه الحياة ما لم تكن منظّمة بالكامل من الأعلى» (1990: 138–139). ومن خلال التصرف كحزب سياسي، يبعث حزب الله بإشارة مفادها أنه يتكيّف مع الدولة على النحو الذي يتوقعه العالم الخارجي، أي أنه يُخضع نفسه تدريجيًا لسلطة الدولة. ويستجيب هذا الأداء للحاجة إلى أن يُنظر إليه بوصفه «شرعيًا» وفق الشروط القانونية-الأخلاقية التي يحددها خصومه: أي بوصفه أداة لاكتساب «الشرعية المعيارية» واحتواء اللايقين. المواربة يتيح العمل المؤسساتيّ لحزب الله أن يضبط، من داخل الدولة، الهجمات التي يشنها أعداؤه عبر الدولة، وأن يخفف من آثارها. يتردد هنا صدى ما ذهب إليه لينين (1920) من أنّ «الثوريين [ينبغي أن يكونوا قادرين] على الجمع بين أشكال النضال غير القانونية وكل شكل من أشكال النضال القانوني». وتلتقط المواربة قدرة حزب الله على قولبة مؤسسات الدولة، بصورة غير رسمية وغير مرئية، من أجل درء الضرر عن أيديولوجيا «المقاومة» ومجتمعها وقدرتها العسكرية. ويستدعي ذلك مفهوم «التقية» الديني، المشتق من الجذر العربي «وقى»، أي أن يقي المرء نفسه، وهي «مواربة احترازية» أو «خوف حذر» (Encyclopaedia Britannica): أي واجب ديني مشروع بمواراة المرء إيمانه في ظل حكم جائر، تجنبًا للاضطهاد والإبادة. الصمود يَنتُجُ صمود حزب الله من التكافل الاستراتيجي بين المحاكاة والمواربة: أي من قدرته على تحمّل شروط عدائية دائمة، مع التعافي سريعًا من العقوبات أو الضربات العسكرية أو الحرب النفسية. ويتمثّل هذا الصمود في قدرة حزب الله على الحفاظ على قدرته العسكرية وتعزيزها، في الوقت نفسه الذي يعمّق فيه جذوره في المجتمع. كما يضمن استقلاليّة الحزب مع مرور الزمن، وهي شرط ضروري لمتابعة المشروع الأيديولوجي لـ«المقاومة». وفي حين تمكّن المحاكاة حزب الله من اكتساب شرعية مؤقتة وشراء الوقت، تمكّنه المواربة من قولبة المؤسسات لدرء الضرر، عبر تقويض قدرة خصومه على حشد إجماع دولي لشن هجوم تدميري عليه في الحاضر، مع تأجيل المواجهة المباشرة إلى وقت أكثر ملاءمة في المستقبل. وهكذا، فإنّ صمود حزب الله رغم كلّ الصعاب هو نتيجة استراتيجيّة واضحة. زمن السلم وزمن الحرب يلتقط التحوّط التماثليّ عمل حزب الله في زمن السلم، لا في زمن الحرب. ذلك أنّ زمن الحرب يخلق إمكانات لتحقيق رؤية ما عبر العنف، في حين يبلور زمن السلم هرميات منظّمة تغلق تلك الإمكانات نفسها، ولا سيما أمام الذين لا يقودون عمليّة السلام. لذلك، يركّز هذا المقال على النظام المصنوع دوليًا، الذي فُرض على لبنان لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) عبر اتفاق الطائف، الذي سيُشار إليه لاحقًا بـ«الطائف». في زمن الحرب، وصف حزب الله الصراع اللبنانيّ بأنه «ليس [صراعًا] من أجل مكاسب ضيّقة أو هيمنة أو تغيير […] [بل] صراع بين طرفين: الكتلة الإسلاميّة التي تواجه النفوذ الغربيّ، ولا سيما الأميركيّ […] والقوى الأخرى المعادية لنهضة الأمة» (Al-Ahad, 22 April 1988). لقد كانت الحرب الزمن الملائم للثورة، كما رُسمت ملامحها إلى حدّ كبير في «رسالته المفتوحة» عام 1985 (Alagha, 2011: 40–55). غير أنّ «الطائف» أنهى هذه الإمكانيّة. فقد كان شرط نشوء دولة لبنانيّة ما بعد «الطائف» هو خضوعها لوصاية دوليّة في لحظة تقارب بين الولايات المتحدة وسوريا التي حصلت على تفويض في لبنان، أي احتلال عسكري فعلي، بالتوازي مع احتلال إسرائيليّ للجنوب (Corm, 2012: 280). أنهى «الطائف»، في جوهره، الجدل القائم في زمن الحرب بين رؤى مختلفة للبنان. ودعا جميع الميليشيات إلى تسليم أسلحتها، من أجل «[بسط] سيادة دولة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية» (Ta’if agreement II, 3.G). ومن موقع حزب الله، مثّل السلام قمعًا معياريًا لمشروعه التحرّريّ. فلم تكن القوة العسكرية لخصومه وحدها ما يهدّد وجوده، بل كذلك مؤسّسات ما بعد الحرب الجديدة. شجب حزب الله «الطائف» بوصفه «مؤامرة» ترمي إلى «دعم الوجود الإسرائيلي [و] خنق المقاومة الإسلاميّة» (Al-Ahad, 28 October 1989). ومع ذلك، وافق بحلول عام 1992، وإن جزئيًا ومؤقتًا، على العمل ضمن شروطه (Alagha, 2012: 104). ومع ذلك، بقيت الحدود بين الحرب والسلم هشّة. واصل حزب الله استخدام العنف بوصفه «واجبًا أخلاقيًا» (Bou Akar, 2012: 169) حين هدّد خصومه، ولا سيما الولايات المتحدة، بقاءه، عبر قولبة النظام السياسيّ الناشئ عن «الطائف» بما يُفضي إلى إقصاء حزب الله منه قسرًا. دفعت هذه المحاولات السافرة لتغيير الدولة من الأعلى إلى انقطاعات في التحوّط التماثليّ لدى حزب الله، أو في تنازله المحاكاتيّ لمنطق النظام الدوليّ العلمانيّ-الليبراليّ، وإلى كشف منطق المقاومة القائم على التضحية. حزب الله، الدولة اللبنانية و«الدولي»: 1990–2000 الضغط الخارجيّ رأت إسرائيل والولايات المتحدة في «السلام» في لبنان وسيلة لتطبيع احتلال إسرائيل للبلاد. أُعلن السلام، لكنّ الحرب تواصلت في الجنوب، حيث أصبحت إسرائيل أكثر عدوانيّة تجاه المدنيّين، بدعم من القوميين المسيحيين اللبنانيين وميليشيا «جيش لبنان الجنوبيّ» (SLA) (Fisk, 2001: 669). وواصلت جماعات مسلحة محلية متعددة مهاجمة إسرائيل، في حين بقيت «المقاومة الإسلامية»، أي القوة القتاليّة لحزب الله، ملتزمة بتحرير لبنان. كان كل ذلك يحدث تحت أنظار اليونيفيل. أُنشئت اليونيفيل بموجب قراري مجلس الأمن 425 و426 (1978)، وصُمّمت رسميًا لضمان إنهاء احتلال إسرائيل واستعادة سلطة الدولة في جنوب لبنان (United Nations, 1978a, 1978b). وسعى الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى استخدام اليونيفيل لإجبار إسرائيل على الانسحاب بصورة غير مباشرة، لكنّ خليفته رونالد ريجان غيّر هذه السياسة عام 1982، محاولاً جعل اليونيفيل ملحقةً بتوسيع احتلال إسرائيل، لا بإنهائه (Fruchterman et al., 1985: 220–221). غير أنّه، وعلى الرغم من القوّة الطاغية للولايات المتحدة، لم تستطع السيطرة على اليونيفيل، في حين فسّرت دول أخرى ولايتها على نحو مختلف، الأمر الذي حوّل اليونيفيل إلى «ساحة منازعة» ضد المحاولات الأميركيّة-الإسرائيليّة لاحتكارها (Makdisi, 2014). المحاكاة في مواجهة هذه البيئة العدائيّة، شكّل حزب الله حزبًا سياسيًا وشارك في أول انتخابات ما بعد الحرب عام 1992. وخلافًا للسرديات السائدة، أجادل بأنّ حزب الله سعى إلى أن يُنظَر إليه بوصفه حركة تحرّر وطنيّ، رابطًا نفسه بالإطار المعياريّ الذي يضفي الشرعيّة على حركات التحرّر. ويتضمّن هذا الإطار، قبل كلّ شيء، الحق القانونيّ للشعوب الواقعة تحت الاحتلال في استخدام جميع الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح، لتحرير نفسها من أيّ قوة احتلال (للنقاش، انظر Longobardo, 2018: 149–159). في عام 1985، وردًا على الانتقادات الموجّهة إلى اليونيفيل لفشلها المزعوم في منع جماعات محلّيّة من مهاجمة إسرائيل، صرّح الأمين العام للأمم المتحدة، خافيير بيريز دي كويار، قائلًا: «إنّ اليونيفيل، لأسباب بديهيّة، لا تملك الحقّ في عرقلة أعمال المقاومة اللبنانيّة ضدّ قوّة احتلال، كما لا تملك الولاية أو الوسائل لمنع الإجراءات المضادة» (United Nations, 1985). وفي عام 1990، أعادت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة التأكيد على هذا الحقّ في قرارها 45/130، مستذكرةً «الإعمال العالميّ لحق الشعوب في تقرير المصير» (United Nations, 1990: 235)، ومعربةً عن «قلقها» إزاء «العواقب المؤسفة لاستمرار أعمال إسرائيل العدوانيّة ضد لبنان واستمرار احتلالها أجزاء من جنوب لبنان، فضلًا عن رفضها تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيّما القرار 425 (1978)». عَكَس «الطائف» هذا الإطار المعياريّ. فعلى الرغم من دعوته إلى حلّ جميع الميليشيات، إلا أنه أشار صراحة إلى القرار 425 (1978)، مكرّسًا واجب اتخاذ «جميع الخطوات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الإسرائيليّ» (Ta’if agreement: III C). وبالتوازي، غيّر حزب الله موقفه من تحدٍّ صريح إلى قبول تكتيكيّ بالقانون الدوليّ. وصف الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام آنذاك، مشاركة حزب الله السياسيّة بأنّها «استراتيجيّة مزدوجة»: «فمن جهة، كان على “المقاومة” والتحرير أن يعملا “من دون خضوع” للحفاظ على فاعليّتهما. ومن جهة أخرى، كانا يتابعان، مع الحكومة، السعي إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة 425» (Qassem, 2009: 278). تعزّز هذا التحوّل كذلك بتغيير شعار حزب الله من «الثورة الإسلاميّة في لبنان» في زمن الحرب إلى «المقاومة الإسلامية في لبنان» في زمن السلم، بما حجب هدفه الأصليّ المتمثّل في استبدال النظام السياسيّ القائم. وفي الأثناء، دفع حلفاء حزب الله الإقليميون، سوريا وإيران، لبنان إلى الاعتراف رسميًا بحزب الله بوصفه جزءًا من استراتيجيّة التحرّر الوطنيّ (Bloom, 2008; Daher, 2019: 76). وعلى الرغم من أنّ حزب الله لم يؤيّد «الطائف» صراحة قط، إلا إنّه استخدمه باستمرار مُرْتَكَزًا لمقاومة إسرائيل. وبكلمات النائب عن حزب الله علي فياض (Interview 1): «على الرغم من نقدنا، ثمّة أجزاء من «الطائف» لم نختلف معها قط. وهذه الأجزاء ما كان يمكن تنفيذها أبدًا من دون المقاومة، ولا سيّما دحر إسرائيل من لبنان». غير أنّ هذا التحوّل لم يدفع حزب الله إلى التخلّي كليًا عن إرثه العسكريّ، إذ قدّم مشاركته في السياسة بوصفها مقاومة بوسائل أخرى. رفض حسن نصر الله، الأمين العام المنتخب حديثًا لحزب الله آنذاك بعد اغتيال إسرائيل أمينه العام السابق، تعريف «الحزب السياسيّ»، قائلًا: «حزب الله حركة جهاديّة»، وهي «[في طور] بناء علاقات مع جماعات أخرى، والتواصل معها، وتشكيل ائتلافات» (As-Safir, 27 February 1992). وفي «برنامج الانتخابات النيابيّة»، شدّد حزب الله على ضرورة «دعم مجاهدي [المقاومة]، وإسناد سبل جهادهم […] ومنحهم الدعم الشعبيّ والحكوميّ»، و«إقامة “مجتمع مقاومة” صامد»، و«التصدّي بحزم لكل محاولة لتطبيع العلاقات أو إقامة السلام مع “الكيان الصهيونيّ” وإدانتها» (Alagha, 2011: 61). ورسم البرنامج ملامح الاستراتيجيّة التي كان حزب الله سيتّبعها داخل الدولة وخارجها. غير أنّه لا يتضمّن أي اعتراف رسميّ بالدولة، بل التزامًا صريحًا بالعمل معها ومن داخلها. وبصيغة موجزة ومكثفة، وصف نصر الله ما يُنظَر إليه هنا بوصفه محاكاةً. المواربة أفضى قرار حزب الله دخول السياسة الرسميّة إلى تسوية مؤقّتة مع الدولة. اعترفت الدولة بحزب الله بوصفه جزءًا من استراتيجيّة الدفاع الوطنيّ عبر صيغة «الجيش والشعب والمقاومة»، واعترف المجتمع الدوليّ بهذا الترتيب. وعلى الرغم من مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل له، فقد تبنّته دول أوروبّيّة رئيسيّة، من بينها فرنسا، وهو ما انعكَسَ في مواقفها السياسيّة داخل اليونيفيل. الراحل تيمورغوكسل، المتحدّث السابق باسم اليونيفيل كتب أنه «عندما أصبح حزب الله حزبًا سياسيًا، اعتبرته معظم وحدات اليونيفيل قوّة تحرّر وطنيّ. وقد لامت إسرائيل والولايات المتحدة اليونيفيل دائمًا على تعاملها مع حزب الله، مع أنّ إسرائيل نفسها كانت قد وقّعت اتفاقًا مع الحركة عام 1993»«1» (Interview 2). ومع ذلك، تبنّى حزب الله نفسه مقاربة جديدة تجاه اليونيفيل بعد عام 1992. كتب عن ذلك غوكسل نفسه (2007: 72) في مذكراته: «بعد أن أصبح [نصر الله] رئيسًا للحركة، التقينا، وقلت له: “انظر، لسنا مضطرين إلى أن يحب أحدنا الآخر، لكننا لسنا مضطرين أيضًا إلى إطلاق النار على بعضنا البعض. يمكننا أن نتحدّث”. فقال: “نعم، هذا ما أريده أنا أيضًا”. وعيّن للمرة الأولى ضابط ارتباط رسميًا مع اليونيفيل. وقال: “أيّ مشكلة تواجهونها، ابحثوا عن ذلك الرجل». في عملها اليوميّ، تعاملت اليونيفيل مع حزب الله «بوصفه قوة منبثقة عن الدولة» (Interview 3). وكان جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة «يعلمون أنّ المدنيّين الجنوبيّين كانوا يقدّمون بانتظام معلومات استخباريّة إلى حزب الله» (Interview 4)، وهو عامل حسّن بدرجة كبيرة أداء حزب الله العسكريّ (Gabrielsen, 2014: 268). ومن اللافت أنّ ما رآه بعض جنود حفظ السلام، على الأقل، احترامًا لتفضيلات سكّان جنوب لبنان، كان في صلب انتقاد إسرائيل لليونيفيل. فقد توقّعت إسرائيل من اليونيفيل أن تحدّ من أنشطة حزب الله، مع أنّ ذلك لم يكن جزءًا من القرار 425، كما أكّدت تقارير متعدّدة للأمم المتحدة. ولم يؤدِّ سوء تفسير إسرائيل لعمل اليونيفيل إلّا إلى دفع جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مضايقة جنود حفظ السلام بصورة منهجيّة (Fruchterman et al., 1985: 221)، بلغت ذروتها في «عملية عناقيد الغضب» عام 1996. تسجّل تقارير الأمم المتحدة أنّه عندما بدأت العملية، قصفت إسرائيل بيروت «بهدف معلن [هو ممارسة] الضغط على حكومة لبنان كي تكبح أنشطة المقاومة الإسلامية» (United Nations, 1996a: 3). غير أنّ محاولة إسرائيل إرغام لبنان واليونيفيل على مساعدة جيش الدفاع الإسرائيلي في ترسيخ الاحتلال ارتدّت عليها بنتائج عكسيّة. بقيت اليونيفيل ملتزمة بتنفيذ القرار 425، بالتنسيق مع الدولة اللبنانيّة، التي اعترفت بدورها بحقّ حزب الله في مواصلة الكفاح المسلح في الجنوب. هذا هو جوهر مواربة حزب الله: تعبئة إطار معياريّ رسميّ لتعزيز استقلاليّته من الأسفل، بما يبني ديناميّة دائرية متشابكة تحمي فيها السياسة الرسميّة دوره غير الرسميّ. ولعلّ الإمكانات الناشئة عن هذه الصلة بين حزب الله والدولة هي ما حفّز إسرائيل على ارتكاب «مجزرة قانا» المروّعة، حيث قصف الجيش الإسرائيلي المجمّع التابع لليونيفيل في قانا عام 1996، حيث قتلت إسرائيل 106 أشخاص وأصابت 116 آخرين من بين 800 مدني كانوا يحتمون داخله. ولم تفعل هذه المجزرة شيئًا سوى تشويه المصداقيّة الأخلاقيّة لإسرائيل، ودفع المجتمع الدوليّ إلى الضغط عليها لإنهاء الاعتداء. الصمود رسّخ الجمع بين المحاكاة والمواربة قدرات حزب الله العسكريّة وشرعيّته السياسيّة، مبيّناً أنّ هذين المسارين لا يتنافيان، بل يعزّز أحدهما الآخر. وبحلول عام 1996، كان الدور الأخلاقيّ لحزب الله بوصفه حركة مقاومة قد حظي بالاعتراف خارج حاضنته الشيعيّة. وفي الوقت نفسه، طوّر حزب الله قدراته العسكرية ورفع مستوى تعقيدها، بل اخترق المنطقة اللبنانية الخاضعة للسيطرة الإسرائيليّة، وقتل ضباطاً في جيش الدفاع الإسرائيليّ (United Nations, 1996a: 2). ولتقوية هذا الوضع المؤاتي، قرّر حزب الله دعم «تفاهم نيسان» عام 1996، وهو اتّفاق رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل بشأن حظر استهداف المدنيّين. وسعى حزب الله إلى الحفاظ على التأييد المؤقت من الحكومة اللبنانيّة. وبصورة صريحة تماماً، «كان القلق [بالنسبة إلى حزب الله] أن يُباع […] وهو يتصدّى للقضيّة الأكبر والأجدر» (Qassem, 2009: 306). وفي حين نسّق حزب الله مع الحكومة، تفاوضت إيران وسوريا مع الولايات المتحدة، «ضمانًا لمشاركة فرنسا في اللجنة المشرفة على تنفيذ الاتفاق» (Qassem, 2009: 306). والسبب أنّ فرنسا كانت قد التزمت بالدفاع عن القرار 425، الذي يدعو إلى إنهاء احتلال إسرائيل قبل أيّ إجراء آخر (Interview 5) وهكذا انتهى الأمر بفرنسا إلى أن تكون الدرع غير المتوقّعة لحزب الله. شكّل ذلك نقطة تحوّل في الاستراتيجيّة الأميركيّة-الإسرائيليّة الرامية إلى استئصال حزب الله، إذ انتقلت من الضغط العسكريّ إلى الضغط السياسيّ-المعياريّ. ففي عام 1997، صنّفت الولايات المتحدة حزب الله «منظمة إرهابيّة أجنبيّة» (United States Department of States, 2021: 266)، أملًا في الضغط على لبنان لتجريد حزب الله من سلاحه، وعلى دول غربيّة أخرى كي تفعل الشيء نفسه. لكن من دون نجاح. حزب الله في مواجهة العالم: معركة معياريّة (2000–2019) الضغط الخارجيّ انتهى احتلال إسرائيل للبنان في 25 مايو 2000. ونسب حزب الله إلى نفسه فضل «التحرير»، لكنّه وجد نفسه مكشوفًا. فبعد أن لم تعد إسرائيل قوّة احتلال، كان متوقّعًا من «المقاومة» أن تسلّم سلاحها إلى الدولة. وفي 18 يونيو 2000، أصدر مجلس الأمن بيانًا رئاسيًا دعا فيه الحكومة اللبنانيّة إلى «المضي في نشر القوّات المسلّحة اللبنانيّة في أقرب وقت ممكن، بمساعدة اليونيفيل، في الأراضي اللبنانية التي أخلتها إسرائيل مؤخرًا» (United Nations, 2000: 1). ولإبطاء أثر هذا الضغط الدوليّ المتجدّد، علّق الرئيس اللبناني إميل لحود إعادة انتشار الجيش اللبنانيّ، مُمكّنًا حزب الله من البقاء صاحب السيادة الفعليّة في الجنوب (Knudsen and Gade, 2017: 8). وحاول الحزب استثمار نزاع إقليميّ بين لبنان وإسرائيل حول مزارع شبعا: فقد ادّعى لبنان أنّ هذه الأرض تابعة له، وبما أنّ إسرائيل لم تنسحب منها، ادّعى حزب الله أنّ «المقاومة» لم تُعفَ بعد من واجبها. غير أنّ معظم اللبنانيين رفضوا هذه السرديّة بوصفها ذريعة للحفاظ على استقلاليّة سلاحه. ويكشف هذا الأمر أيضًا عن الطابع المحاكاتي لـ«تطبيع» حزب الله؛ فهو تطبيع وظيفيّ يتيح له شراء الوقت ومواصلة السعي وراء أهداف تتجاوز إطار الدولة. استثمرت إسرائيل والولايات المتحدة في هذه اللحظة. ففي عام 2002، دافع رئيس الوزراء الإسرائيليّ الأسبق إيهود باراك عن إنهاء الاحتلال بهذه العبارات: «[لو لم تنسحب إسرائيل]، لكان حزب الله قد حظي بشرعية دولية في نضاله ضدّ محتل أجنبي» (Morris, 2002). وفي الوقت نفسه، شنّت الولايات المتحدة حملة حرب قانونية غير مسبوقة ضد حزب الله في إطار «الحرب على الإرهاب» (El Husseini, 2010). وفي 12 ديسمبر 2003، أقرّ الكونغرس الأميركي «قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية» (SALSRA)، متّهمًا سوريا برعاية جماعات إرهابيّة في لبنان. غير أنّ الهدف النهائيّ للولايات المتحدة كان حشد مجلس الأمن ضدّ حزب الله. قنّن هذا القانون، في جوهره، خطاب مكافحة الإرهاب الذي قُدّر له أن يشكّل مقاربة مجلس الأمن تجاه حزب الله في القرن الحادي والعشرين، وأن يؤثّر في القرار 1559 (2004) والقرار 1701 (2006). ما تلا ذلك كان عمليّة قادتها الولايات المتحدة لتصنيف حزب الله منظمة إرهابية، بغية تجريد الحزب من صورته بوصفه «حركة تحرّر وطنيّ»: أي تغوّل قسريّ في السياسة الداخليّة اللبنانيّة لاستئصال حزب الله بمرسوم خارجيّ، وهو أمر عارضه حتى خصوم حزب الله في الداخل. سافر رئيس الوزراء اللبناني آنذاك، رفيق الحريري، إلى دول غربية من أجل شطب حزب الله من قائمة «المنظمات الإرهابية» التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، في حين أعلن نائب رئيس الوزراء عصام فارس أنّ اعتبار حزب الله إرهابيًا «خطأ غير مقبول»، «لأنّ حزب الله كان وراء تحرير جزء من جنوب لبنان» (Al Jazeera, 2001). ومع ذلك، تجاهلت الولايات المتحدة وجهات النظر اللبنانية، فيما عملت على تقريب فرنسا من موقفها. ففي عام 2002، كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد دعا حسن نصر الله إلى حضور القمة الفرنكوفونية في بيروت. لكن بعد عامين فقط، انضمّت فرنسا إلى الولايات المتحدة في رعاية القرار 1559، الذي دعا إلى «حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها» (United Nations, 2004: 2). ووفّر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت عام 2005 ذريعة لتكثيف الضغط الدولي على حزب الله، بما في ذلك توظيف مجلس الأمن للارتقاء بموته من حدث محليّ إلى مسألة أمن دولي (Makdisi, 2011: 9). ثم مضوا في إنشاء «المحكمة الخاصة بلبنان» (STL) لإحكام قبضتهم على لبنان وزيادة تهميش حزب الله (Abboud and Muller, 2013). وبالتوازي، دعمت الولايات المتحدة الاحتجاجات الشعبية المناهضة لسوريا، والمحاولات السياسية لدفع القوات السورية إلى الخروج من لبنان، بهدف إعادة قولبة السياسة الداخلية اللبنانية (Geukjian, 2016: 70–88). ومع الانسحاب السوري عام 2005، سعوا إلى إرساء سيطرة غير مباشرة على المؤسسات الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، أساسًا عبر استئناف المساعدات العسكرية الأحادية للبنان، بالهدف المعلن المتمثل في «دعم تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي» (Congressional Research Service, 2012: 13). أمّا الهدف الكامن فكان تحويل الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي إلى قوّتين متوازيتين لمكافحة التمرّد تحت الإشراف الأميركي (Picard, 2009). وكانت قوى الأمن الداخلي المستفيد الأول من المساعدات الأميركية، نظراً إلى قربها من محيط الحريري الموالي للغرب. وأصبح أشرف ريفي، المعروف بولائه للحريري، مديرًا عامًا لقوى الأمن الداخلي، خلفًا لعلي الحاج، المتهم بالعمل لصالح أجهزة الاستخبارات السورية. وفي غضون أشهر قليلة، ازداد عدد أفراد المؤسسة من 14 ألفًا إلى 20 ألف عنصر، درّبتهم فرنسا وجهّزتهم الولايات المتحدة (Picard, 2009: 257). فضلًا عن ذلك، أنشأت قوى الأمن الداخلي جهازًا استخباراتيًا جديدًا، هو «شعبة المعلومات»، صُمم ليكون موازيًا لجهاز الأمن العام الذي كان يقوده اللواء جميل السيد الموالي لسوريا. وفي عام 2006، دعمت الولايات المتحدة أيضًا غزو إسرائيل للبنان، وانضمّت إليها النخبة اللبنانية المعادية لحزب الله، التي تعاونت سرًا مع الغزاة الإسرائيليّين (Abu Khalil, 2011). وكانت إسرائيل قد قتلت أكثر من ألف مدني حين أصدر فاعلون دوليّون دعوات إلى وقف إطلاق النار، استثمرتها الولايات المتحدة لإعادة صياغة ولاية اليونيفيل عبر مجلس الأمن، وربط الجيش اللبناني باليونيفيل، بما رسّخ لسيطرة دولية رسمية على مؤسّسة داخلية. ومن خلال القرار 1701، دعا مجلس الأمن إلى وقف كامل للأعمال العدائية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بين الحدود اللبنانية-الإسرائيلية المؤقّتة، أي «الخط الأزرق»، ونهر الليطاني (United Nations, 2006). كما منح اليونيفيل ولاية مساعدة الجيش اللبناني في بناء القدرات، وإعادة الانتشار، ومصادرة «الأسلحة غير الشرعية»، بما أعاد توظيف الجيش اللبناني، بحكم الأمر الواقع، بوصفه وحدة لمكافحة الإرهاب. المحاكاة عقب الانسحاب السوري، انضمّ حزب الله عام 2005 إلى حكومة الوحدة الوطنية التي ترأسها فؤاد السنيورة، مطمئنًا خصومه إلى أنّ «المقاومة» ستُبقي حضورها العسكري منخفض الظهور (Interview 6). وكانت تلك المرة الأولى التي يشارك فيها حزب الله في مجلس الوزراء، منهيًا بذلك سياسة النأي بنفسه عن النظام الطائفي. كانت هذه الخطوة تكتيكيّة، لأن تجربته السابقة جعلته يخشى أن «يُطعَن في الظهر» (Alagha, 2011: 120). كما أقام تحالفًا مع خصم قديم، هو حركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري، التي كان قد قاتلها خلال الحرب الأهلية. كان الحزبان مرتبطين بسوريا، وإن لأسباب مختلفة. وكان كلاهما يشعر بالتهديد، فتجاوزا خصومتهما السابقة وشكّلا كتلة برلمانية حملت اسم «8 آذار»، في مواجهة كتلة «14 آذار» الموالية للحريري والمدعومة من الولايات المتحدة. وفي انقلاب مسرحيّ في المشهد السياسي، ضمّ حزب الله إلى معسكره أيضًا «التيار الوطني الحر» المسيحي، بقيادة ميشال عون، على الرغم من خلافاتهما حول دور سوريا في لبنان. عكس هذا الاصطفاف الجديد رؤيتين متنافستين لأمن لبنان، تجسّدتا في «الحوار الوطنيّ»، وهو إطار شبه مؤسساتي عَمِلَتْ فيه الأحزاب اللبنانية على رسم ملامح استراتيجيّة الدفاع الوطني. ففي حين تبنّى فريق «14 آذار» التوصيف الدولي لسلاح حزب الله بوصفه «غير شرعي»، دافع فريق «8 آذار» عن مبدأ «التكامل» بين الجيش اللبناني وحزب الله، وهي عقيدة صاغها حسن نصر الله (Calculli, 2018: 56). وبالنسبة إلى ميشال عون، «ما دام الجيش اللبناني يفتقر إلى القوة الكافية لمواجهة إسرائيل، فإننا نشعر بالحاجة إلى ترسانة [حزب الله] لأنها تكمّل دور الجيش» (Reuters, 2017). وكانت إحدى القضايا الجوهرية المطروحة، وما تزال، هي الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للمجال الجوي اللبناني ولسيادة لبنان، وهي انتهاكات استدعى حزب الله في مواجهتها، ولا سيما بعد عام 2000، «الحق في الدفاع عن النفس» كما تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كان الاستقطاب الأيديولوجي ثمرة المحاولات الأميركية-الإسرائيلية لصوغ السياسة الأمنية اللبنانية بما يخدم مصالحهما. وأثّر هذا الاستقطاب، على نحو فعلي، في المفاوضات حول ما إذا كان ينبغي للبنان أن يقبل قرار مجلس الأمن 1701 أم لا. ومن جهته، طمأن حزب الله الأطراف الأخرى إلى أنّه لن يتدخّل في عمل اليونيفيل (Interview 6)، في حين كان ثمة تفاهم غير رسمي على المستوى الدولي، تعترف بموجبه الدول المساهمة بقوات في اليونيفيل بالدور السياسي لحزب الله (Interview 7; see also Calculli, 2014). وبينما أعاد القرار 1701، في جوهره، توظيف اليونيفيل بهدف كامن هو نزع سلاح حزب الله، لم يكن في وسع لبنان قبوله من دون التوافق الضمني مع حزب الله، بوصفه عضوًا في الحكومة. لم يتحدَّ حزب الله القرار 1701 علنًا، لكنّه عمل سرًا على تعطيل تنفيذه الكامل. المواربة حتى بعد إعادة انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان، لم يُجرَّد حزب الله من سلاحه، ولم يتراجع دوره في الجنوب، وهو شرط كان ضروريًا لضمان جاهزيته لمواجهة أي محاولة إسرائيلية لإعادة احتلال لبنان. غير أنّ حزب الله، في ممارساته اليومية، وارى حضوره، ملتزمًا بوعده إبقاء حضوره منخفض الظهور، على الأقل حتى أكتوبر/تشرين الأول 2023. نقل حزب الله معظم أسلحته إلى وادي البقاع، خارج نطاق ولاية اليونيفيل، لكنه أبقى على قدرات عملياتية في الجنوب، وهو ما دفع اليونيفيل إلى الإقرار مرارًا بـ«غياب التقدّم» في ما يتعلق بنزع سلاح الجماعات المسلحة (انظر، من بين مصادر أخرى، United Nations, 2020: 5). غير أنّ الوجود العسكري لحزب الله جنوب نهر الليطاني بات غير قابل للإنكار بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنّ حزب الله هجمات متعددة تضامنًا مع «حماس»، أولًا على مزارع شبعا التي تحتلّها إسرائيل، ثم على قرى في شمال إسرائيل، في إطار جهد إقليميّ منسّق لتشتيت إسرائيل عن جبهة غزة. كيف استطاع حزب الله أن يتفادى نزع سلاحه على يد جيش لبنانيّ مدعوم من اليونيفيل، كما يقتضي القرار 1701؟ فيما يلي، سأجادل بأن حزب الله نقل صراعه الأيديولوجي من «الحوار الوطني» إلى صفوف الأجهزة الأمنية، مروّجاً بنجاح لفهمٍ لأمن لبنان يناقض الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية: لا بوصفه لعبة صفرية، بل بوصفه تكاملًا بين المؤسسات الأمنية وحزب الله. حزب الله وأمن لبنان على الرغم من سمعة «الحياد» التي تتمتع بها المؤسسات الأمنية اللبنانية، إلا أن هذه المؤسسات تشكلت تقليديًا بفعل المنافسة الطائفية (Knudsen and Gade, 2017). يتمتّع الزعماء الطائفيّين بصلاحيّات غير رسمية، لكنها راسخة، لتعيين موظفين عمومييّن من طوائفهم، وهو نظام يُعرف باسم المحاصصة؛ أي «التوزيع الحصصي (Leenders, 2012). ولا يُنْتِج هذا الشكل من «الفساد» تبادلات زبائنيّة فحسب، بل يحوّل المؤسّسات إلى مواقع دائمة للتنافس بين رؤى مختلفة للدولة، إذ لا يكون الموظّفون العموميّون مجرد متاجرين انتهازيين بالمنافع (Moussa, 2016)، بل يتصرّفون كما يعتقدون أن الدولة ينبغي أن تتصرف. ومن المسلّم به أن حزب الله لا يملك حصّة في نظام المحاصصة. ينبع ذلك من اختياره البقاء خارج الطائفيّة اللبنانية وفي موقع نقديّ منها، ولا سيّما في المرحلة السابقة على عام 2005، حين كانت قوته تستند إلى مؤسسات دينيّة ممولة من إيران، مستقلة عن شبكات الزبائنية التي تديرها النخبة الطائفية اللبنانية وتعمل بالتوازي معها. غير أنّ اصطفافه عام 2005 مع اثنين من المخضرمين في النظام الطائفي، نبيه بري وميشال عون، أتاح لحزب الله منفذًا خفيًا إلى المحاصصة، ومنها إلى مؤسسات أمنية رئيسيّة. أُعيدُ بناء هذه العملية من خلال مقابلات شبه منظّمة أجريتها مع ضباط في الجيش اللبناني، سأشير إليهم غالبًا بحسب انتمائهم الطائفي. ولا ينبغي فهم ذلك بوصفه اختزالًا مسبقًا لهم في هويتهم الدينية، بل بوصفه علامة مبسّطة على دورهم السياسي-الطائفي، وهو دور ينشأ من الطابع الطائفي للمؤسسات اللبنانية، ولا يسبقه. يؤكد مسؤولو الجيش اللبناني، على اختلاف مواقعهم ورتبهم وانتماءاتهم الطائفية، إلى حد كبير، تعزّز العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله بعد الانسحاب السوري عام 2005. ففي ظل الوصاية السورية، رأى بعضهم سوريا «حليفًا»، ورآها آخرون «محتلًا»، غير أنّهم يتّفقون جميعًا على أنّ سوريا «كانت تتعامل مع الدولة وحزب الله بوصفهما كيانين منفصلين» (Interview 8). ادعى الضابط ب. (Interview 9) أنّه «[في ظل سوريا،] كان الجيش اللبناني يفتّش مقاتلي حزب الله ويصادر أسلحتهم». ويتذكّر كثيرون أنّه «حتى حركة أمل كانت غير متسامحة تجاه حزب الله»، على خلاف «الآن»، حيث «يغضّ الجيش اللبناني الطرف إذا كان حزب الله موجودًا في مكانٍ ما» (Interview 10). وعلى الرغم من أنّ الجيش اللبناني لم يستطع الإفلات من الاستقطاب الذي أعقب عام 2005 على خط الانقسام بين «8 آذار» و«14 آذار»، فإن علاقته بحزب الله أصبحت تعاونيّة، نتيجة اصطفاف حزب الله مع أمل والتيار الوطني الحر. كشف الضباط الشيعة، على وجه الخصوص، ميلًا إلى الاصطفاف مع حزب الله، إذ رأوا في التغوّل الأميركي/الغربيّ على الجيش اللبناني هجومًا على الشيعة عمومًا، بما استدعى ذكريات مؤلمة عن التهميش التاريخي للشيعة اللبنانيين. ادعى الضابط م. أنّ «هجومًا على الشيعة بدأ عام 2006، حين أنشأ وزير الدفاع إلياس المرّ عشرة آلاف وظيفة جديدة في الجيش اللبناني، خُصّصت للمسيحيّين والسنّة فقط» (Interview 11). ويعرّف هذا الفعل بأنه «محاولة لإقصاء الشيعة من السلطة مرّة أخرى [التشديد منّي]» (Interview 11). في حين أكّد الضابط أ. أنّه «على الرغم من خلافاتنا، فإننا نحترم حزب الله لالتزامه تجاه لبنان» (Interview 12). بصيغة أشد حسمًا، قال علي شحرور، القائد السابق لمخابرات الجيش اللبناني في جنوب لبنان، إن «للجيش اللبناني وحزب الله أهدافًا مشتركة: تحرير لبنان من إسرائيل ومن التهديدات الإرهابية [أي الجماعات المسلحة المعادية في سوريا]، وتعزيز أحدهما الآخر بصورة متبادلة» (Interview 13). وبالمثل، غيّر الضباط المسيحيون المؤيدون لعون، وكان معظم الضباط المسيحيّون من ذوي الرتب الرفيعة «2» نظرتهم إلى حزب الله بعد عام 2006. فقد كان التعاون مع حزب الله، بالنسبة إليهم، يؤدي وظيفة «تعزيز سيادة لبنان» (Interview 14). وبترديد صدى زعيمهم، كانوا قلقين من «غياب التكافؤ الاستراتيجي مع إسرائيل». ورأوا في حزب الله «حالة شاذة»، لكنه أيضاً «نتاج شذوذ الجيش اللبناني: جيش لا يستطيع منع الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للمجال الجوي اللبناني» (Interview 15). ومع ذلك، اعتقدوا أنّه من المحتّم في نهاية المطاف أن «يُدمج حزب الله داخل الجيش اللبناني» (Interview 16). من اللافت أنّه، إلى جانب الجيش اللبناني، حاولت الولايات المتحدة ترسيخ سيطرة غير مباشرة على الأمن العام، وهو جهاز الاستخبارات الرئيسيّ في لبنان. ففي عام 2005، دعمت الولايات المتحدة محاولات تقويض مصداقيّته. أُجبر المدير العام للأمن العام، جميل السيد، على الاستقالة تحت وطأة اتهامات، تبيّن لاحقًا أنّها كاذبة، بأنّه شارك في التآمر لاغتيال الحريري. وحظي خلفه، توفيق جزيني، بدعم جميع الفصائل، بفضل سمعته بوصفه «سياسيًّا شيعيًّا مستقلًّا». غير أنّه، حين طلب منه وزير الداخلية أحمد فتفت قبول مساعدة أجنبية أميركية، رفض. وكانت المساعدة الأميركية مخصّصة رسميّاً لـ«زيادة تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية لمكافحة التهريب»، ومصمّمة لـ«إتاحة الترابط بين […] مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية» (Wikileaks, 2006). لكن معسكر «8 آذار» اشتبه في أن لغة «المواءمة» هذه لم تكن محاولة لتعزيز كفاءة أجهزة الاستخبارات اللبنانية المتعدّدة، بقدر ما كانت محاولة لوضعها تحت السيطرة الأميركية (Interview 17). في هذا السياق، ينبغي تفسير قرار الحكومة التي ترأسها فؤاد السنيورة عام 2008 بحظر شبكة الاتصالات الخاصّة بحزب الله، وإقالة رئيس جهاز الأمن في مطار بيروت الدولي، وفيق شقير، الذي اعتُبر مقرّبًا جدًّا من حزب الله. حظي هذا القرار بدعم قوي من الولايات المتحدة، إن لم تكن قد أَمْلَتْهُ بالفعل. ووصفه نصر الله بأنه «إعلان حرب» (Shehadi, 2008)، لأنه هدّد بقاء حزب الله مباشرة. عندها، قطع حزب الله مسار التحوّط التماثليّ، حين احتل وسط بيروت، واشتبك مع مسلحين موالين لـ«14 آذار». ما منع اندلاع حرب أهلية كان العودة إلى مفاوضات سياسيّة برعاية قطريّة، انتهت إلى اتفاق وُقّع في الدوحة، وأقرّ حق ثلث مجلس الوزراء في نقض أي قرار لرئيس الحكومة، وهو ما مثّل، فعليًّا، ضمانة لحزب الله لاحتواء الحرب القانونية الموجّهة ضده (Salloukh et al., 2015: 97–104, 162). تبنّيًا لخطّ حزب الله، وصف ميشال عون هذا الاتفاق بأنه «وسيلة لحماية لبنان من التدخل الخارجي» (Interview 18). توضّح هذه الواقعة نظريّة التحوّط التماثليّ: فلجوء حزب الله إلى العنف السياسي دفاعًا عن استقلاليّته يبيّن أن امتثاله للدولة امتثال محاكاتي ووظيفي، غايته الحفاظ على سعي الحزب إلى تحقيق أهدافه خارج الدولة. وما إن رأى حزب الله أن استقلاليته مهددة من قِبَلِ الدولة، حتى واجهها علنًا. وفي ظروف مشابهة، انخرط حزب الله عام 2011 في الصراع السوري إلى جانب نظام الأسد، من دون أن يخلو ذلك من سجال أخلاقي حادّ داخل قاعدته وحلفائه. ناقض هذا القرار سياسة الحياد الرسمية للدولة اللبنانية، ولوّث الصورة الأخلاقيّة لحزب الله بوصفه حركة مقاومة. غير أنّ حزب الله رأى في انخراط إسرائيل ودول عربية منافسة في سوريا تهديدًا لاستمرار إمداد إيران للمقاومة بالسلاح، وهو أمر كان يمكن أن يخنق، على نحو محتمل، قوة حزب الله العسكرية (Al-Aloosy, 2022). علّق التدخل في سوريا التحوّط التماثليّ مرّة أخرى، مع أن حزب الله أطّر تدخله بوصفه جزءًا من جهده لحماية حدود لبنان، إلى جانب المؤسسات الأمنية الوطنية. في أعقاب هذه المواجهة الأيديولوجية، سعى معسكر «8 آذار» إلى إبقاء الأمن العام خارج نفوذ خصومه. دعم حزب «القوات اللبنانية» المسيحي مرشحًا مسيحيًّا مارونيًّا لرئاسة الأمن العام عام 2011. لكن البرلمان عيّن عباس إبراهيم، وهو ضابط شيعي قاد فروعًا متعدّدة داخل مديرية الاستخبارات، أو «G-2»، بين عامي 1994-2011، وأقام صلات وثيقة مع أجهزة استخبارات غربية وشرق أوسطية. كما حافظ على علاقات شخصية مع قادة اليونيفيل، وتوسّط في نزاعات صغيرة بين اليونيفيل وحزب الله (Interview 19). خلال ولايته مديراً عامّاً للأمن العام (2011–2023)، حافظ إبراهيم على علاقات جيدة مع الدول الغربية، في الوقت الذي تعاون فيه مع حزب الله. ومنذ عام 2013، شارك الأمن العام حزب الله معلومات هامّة عن جماعات سنّية تنشَطُ في سوريا ولبنان. فعلى سبيل المثال، وبفضل معلومات استخباراتية قدّمها الأمن العام، تمكّن حزب الله عام 2014 من إحباط هجمات بسيارات مفخخة كانت جماعات مرتبطة بداعش تعتزم تنفيذها في الضاحية (Interview 20). وبالمثل، نسّق حزب الله منذ عام 2013 مع الأمن العام والجيش اللبناني حركة مقاتليه من جنوب لبنان ووادي البقاع إلى سوريا (Interview 20). والأهم من ذلك أن التنسيق غير الرسمي مع المؤسسات الأمنية وفّر غطاءً للعمل غير الرسمي لحزب الله في جنوب لبنان. أتاحت هذه المؤسسات لحزب الله أن يخفي أنشطته، بالتوازي مع الدولة وخارجها. حزب الله واليونيفيل بما أنّ تحوّل المشهد الأمني في الجنوب لم يؤدِّ إلى استئصال حزب الله، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد عقد من إنفاذ هذا التحوّل، في التشكيك باليونيفيل، متهمتين قوات حفظ السلام بأنها «عمياء عن تهريب الأسلحة غير الشرعية» (Guardian, 2017)، أو عاجزة عن «إيقاف حزب الله ومصادرة أسلحته» (Reuters, 2015). ألحقت إسرائيل بهذه الهجمات اللفظية هجمات مادية، على الأقل في عام 2024، ومن دون أي كبح من الولايات المتحدة، عبر التدمير المتعمّد لمنشآت اليونيفيل ومهاجمة قوات حفظ السلام، وربما باستخدام الفوسفور الأبيض (Jalabi, 2024). تبيّن هذه الهجمات أنّ اليونيفيل تقف عائقًا أمام هجوم إسرائيلي متجدّد لتدمير حزب الله، ولا سيما أن إسرائيل تستهدف بصورة منهجية السكان المدنيّين الذين يشكّلون قاعدة حزب الله، والذين تملك اليونيفيل تفويضًا لحمايتهم في الجنوب (Trithart, 2024). غير أنّ هذه الهجمات المباشرة والمتعمّدة على اليونيفيل هي أيضًا أعراض فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إعادة توظيف اليونيفيل والجيش اللبناني بالكامل بوصفهما أداتين لـ«حربهما على الإرهاب»، وإرغامهما على تبنّي تصنيفهما الخاص لحزب الله بوصفه «إرهابيًا» بجناحيه العسكري والسياسي. ومع ذلك، لم يقبل لبنان هذا التأطير قط. ومن اللافت أنّه حتى الاتحاد الأوروبي ودولاً أوروبّية كبرى، مثل فرنسا وإيطاليا، ما تزال تحافظ على التمييز بين الجناحين العسكري والسياسي لحزب الله. ففي حين أدرجت هذه الدول الجناح العسكري لحزب الله عام 2013 بوصفه «إرهابيًا»، فإنها تواصل الاعتراف بحزبه السياسي بوصفه شرعيّاً. وحتّى أقرب حلفاء إسرائيل الأوروبّيّين، مثل المملكة المتحدة وألمانيا، لم يصنّفوا حزب الله «منظمة إرهابية» بكليته إلا بين عامي 2019-2020. وبعبارة أخرى، فإنّ عملية تصيير حزب الله إرهابيًّا، المفروضة أميركيًّا، واجهت مقاومة معتبرة، ولا تزال محلّ خلاف حتى اليوم. بدورها، تتجنّب اليونيفيل «تأطير الإرهاب». فالأحرى أنّ قوات حفظ السلام ملزمة بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، التي تضم حزب الله منذ عام 2005، ومع الجيش اللبناني على الأرض. أوضح الرئيس السابق لليونيفيل، باولو سيرا، أنّ «اليونيفيل لا تستطيع أن تحلّ محل الجيش اللبناني» (Interview 21). وردًا على اتهام إسرائيل لليونيفيل بالتساهل مع حزب الله، أكد لوتشيانو بورتولانو، رئيس بعثة اليونيفيل بين عامي 2016-2018، أن «رؤساء البلديات والمخاتير في قرى الجنوب هم أيضًا جزء من حزب الله، كما هي القيادة الدينية ومجتمع الجنوب. لا نستطيع تغيير التفضيلات الانتخابية للسكان» (Interview 22). يثبت ذلك نجاح حزب الله في تعبئة المؤسسات الرسمية لحماية نفسه من الحرب القانونية الأميركية. وفي الوقت نفسه، بينما تسيّر اليونيفيل دوريات في المنطقة، يبقى الجيش اللبناني السلطة الوحيدة القادرة على إجراء عمليات التفتيش والمصادرة، وهو أمر تردد الجيش اللبناني في تنفيذه بشكل كامل، تحديدًا لأنّ الضباط، كما أوضحنا سابقًا، لا يرون بالضرورة في حزب الله تهديدًا. ومع ذلك، «عندما يصبح عمل حزب الله مرئيًّا بين حين وآخر [التشديد منّي]، تصبح عيوب التنسيق بين اليونيفيل والجيش اللبناني مرئية أيضاً» (Interview 23). يشير ذلك كله إلى نجاح مواربة حزب الله، التي حوّلت الجيش اللبناني، أو أقله قطاعات أساسية منه، إلى قوة تتحدى الإملاءات الأميركية-الإسرائيلية. الصمود توقّعت القوى الدولية أن ينهار حزب الله بعد حرب عام 2006 (Interview 7). غير أنّ حزب الله لم يثبت صمودًا أكبر في ساحة القتال فحسب، بل استخدم قوته السياسية أيضًا لحشد توافق حول وقف إطلاق النار، وهو ما أتاح له التحوّط في مواجهة التغوّل الأميركي-الإسرائيلي على المؤسّسات الداخلية اللبنانية، وعلى الأهداف غير المعلنة للقرار 1701. إنّ الإخفاق الهائل لمشروعهم الرامي إلى تدمير حزب الله، على الرغم من الموارد الضخمة التي حُشدت لهذه الغاية، ينبع من قدرة حزب الله على مواجهة خصومه بصورة غير مباشرة ومباشرة في آن: عبر الدولة وعبر «المقاومة». وهذا هو جوهر التحوّط التماثليّ. للتعامل مع هذا الفشل، نقلت إسرائيل والولايات المتحدة المواجهة إلى مستوى جديد. ففي وقت كتابة هذا المقال، في أكتوبر 2024، كانت القوات الإسرائيلية المدعومة أميركيًّا منخرطة في هجوم غير مسبوق على لبنان. ومن أجل كسر حزب الله، دبّرت إسرائيل تفجير آلاف أجهزة النداء اللاسلكية وأجهزة الاتصال المحمولة المفخخة في 17 و18 سبتمبر 2024، ما أدى إلى إصابة ومقتل مئات من مقاتلي حزب الله والمدنيين. وفي 26 سبتمبر 2024، اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصر الله. كما اغتالت عددًا من قادة حزب الله بغية تحطيم التنظيم. استهدفت هذه الضربات المترابطة شلّ حزب الله تمهيدًا لإعادة احتلال جنوب لبنان. غير أنّ حزب الله، في علامة على صمود بالغ، أعاد تنظيم صفوفه بسرعة، وأظهر قدرة على صدّ القوات الإسرائيلية في محاولاتها التوغل عميقًا داخل الأراضي اللبنانية، في حين واصل ضرب أهداف عسكرية داخل إسرائيل. وردًا على ثبات حزب الله، لجأت القوات الإسرائيليّة المدعومة أميركيًّا إلى القصف السجادي وإبادة قرى وأحياء لبنانية بكاملها، مانحةً السكان «أوامر إخلاء قصيرة على نحو غير واقعي»، بما يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وربما إلى «إبادة عمرانية/مكانية» (domicide)، وذلك وفقًا للأمم المتّحدة (United Nations, 2024b). وبالتوازي، حرّض مسؤولون إسرائيليون وأميركيّون رفيعو المستوى الشعب اللبناني على «الوقوف في وجه حزب الله» لتجنّب مواجهة «دمار ومعاناة كما […] في غزة» (Al Jazeera, 2024). وكما قالت السفيرة الأميركية في لبنان: «لا تستطيع إسرائيل أن تحقق كل شيء عبر الحرب، حان الوقت كي تقوموا بدوركم وتطلقوا انتفاضة داخلية» (The Cradle, 2024). ترقى هذه التصريحات إلى تحريض صريح على الحرب الأهلية، إذ تؤطّر سكان لبنان ومؤسّساته السياسية بوصفهم أهدافًا مشروعة أو أطرافًا مذنبة، ما لم يتبنّوا السرديّة الأميركيّة ويقبلوا بإخراج حزب الله ومؤيديه من المدنيّين من الجسم السياسي. يبدو أنّ هذا هو الملاذ الأخير لاستئصال حزب الله، بعد فشل المحاولات السابقة لتحقيق هذا الهدف بصورة غير مباشرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدر من المعقولية القانونية للمعايير المخصّصة التي اخترعتها الولايات المتحدة خلال الحرب على الإرهاب. وتُظهر الولايات المتحدة الآن عزمها على العمل خارج القانون الدولي لهزيمة حزب الله، بما قد يضع حدًا لـ«الحرب على الإرهاب» ويفتح طورًا جديدًا من الوصاية الإمبريالية على لبنان، عبر إعادة تشكيل سياسته الداخلية بالقوة. خاتمة سعى هذا المقال إلى تفسير صمود حزب الله في مواجهة هجمات متواصلة ومتصاعدة يشنها خصوم أقوياء، وذلك من خلال إطار نظري جديد: التحوّط التماثليّ. وبالاستناد إلى عمل ميداني واسع ومصادر أوّلية، أَوْضَحَ المقال كيف يكشف التحوّط التماثليّ الطريقة المنهجيّة التي يوظّف بها حزب الله المحاكاة والمواربة، في أدواره المؤسساتية واللا-مؤسساتية على السواء، من أجل تعزيز استقلاليته وصونها بوصفه قوة سياسية وعسكرية، داخل لبنان وما وراءه. وفي المجمل، يكشف المقال توظيف حزب الله الحذر للمعايير الدولية، ولا سيما مبادئ السلامة الإقليمية والسيادة وتقرير المصير، من أجل دفع مشروعه التحرّري الإسلامي قدمًا، سرًّا وعلنًا. ولهذا التنظير الجديد تداعيات مهمّة على المقاربات الأكاديمية والسياساتيّة لحزب الله. انطلاقًا من منظورات نقدية ترى أن المنظمات المسلحة اللا-دولاتية لا تناصب الدولة العداء فحسب، بل تنخرط معها أيضًا لضمان بقائها، تراجع نتائج هذا المقال الرأي القائل إنّ هذه المنظمات لا تستطيع البقاء إلا عبر إدماجها في الدولة. فحالة حزب الله تبيّن كيف تستطيع المنظمات المسلحة اللا-دولاتية أن تتجاوز الدولة عبر استخدام مواردها المعيارية والمادية المؤسسة لها، من أجل تعظيم استقلاليتها في السعي إلى مقاومة تقع خارج متناول الدولة. ويمكن لهذه المنظمات أن تؤدي وظيفة المدافعين الفاعلين، بل أحيانًا الوحيدين، عن سيادة الدولة وتقرير المصير والسلامة الإقليمية، حتى وإن كان هدفها النهائي هو تجاوز هذه المعايير نفسها. كما يكشف هذا المقال كيف يخضع الأمن لصراع أيديولوجي لا ينتهي بين رؤى متنافسة للنظام، وهو أمر لا تلتقطه الثنائية التي تتصور الأمن بوصفه دالةً على فاعلين «جيدين» يثبّتون النظام وفاعلين «سيئين» يزعزعونه. فضلًا عن ذلك، فإن حيلة حزب الله وخفته وقوته تناقض الرأي القائل إنّ المنظمات المسلحة اللا-دولاتية هي بالضرورة عرضٌ من أعراض ضعف الدولة، وأنها تزيد هذا الضعف تفاقمًا. فثمة شروط بنيوية تولّد الدولة اللبنانية «الضعيفة» وتعيد إنتاجها، وهي شروط تسبق حزب الله وتتجاوزه، ومتجذرة في الطريقة التي بُنيت بها الهرميات الدولية وتوطدت منذ البداية. ومن هذا المنطلق، يفتح هذا المقال آفاقًا جديدة لفهم كيف يقاوم الضعيفُ القويَّ، ولا سيما في سياق مجتمع دولي يقمع أشكالًا من المخيلة السياسية التي تتحدى احتكار المعايير العلمانية-الليبرالية. أمّا على مستوى السياسات، فمن غير المرجح أن يفضي الهجوم المتواصل والمتصاعد على حزب الله إلى تدميره، من دون تدمير السكان الذين ينبثق منهم ويدافع عن مصالحهم. وما تزال عملية تأطير حزب الله بوصفه حزبًا إرهابيًا، التي قادتها الولايات المتحدة بهدف تجريد حزب الله من مكانته بوصفه حركة سياسيّة مسلّحة أصلانية جنوبيّة، وكذلك دوره في استعادة تقرير لبنان لمصيره، تحجب لا قانونية الاعتداءات الإسرائيلية اللاحقة المدعومة أميركيًّا ضد لبنان. إنّ ضباب اللاقانون الذي أنتجه هؤلاء الفاعلون في عام 2024 لشن حرب تستهدف المدنيّين والبنية التحتية المدنية مباشرة، قد ألحق بالشعب اللبناني معاناة لا نهاية لها، لكنه على الأرجح لن يكسر فكرة المقاومة التي يجسدها حزب الله، وذلك بفعل التكافل بين حزب الله ولبنان. فالمقاومة هي الأيديولوجيا التي تضمن قابلية حزب الله للحياة، وهي ما يربطه بالشعب اللبناني ومؤسساته، عابرًا الانقسامات الطائفية. أمّا الخطاب الأميركيّ الهادف إلى استحضار فصل بين حزب الله ولبنان، بذريعة مزعومة هي حماية رفاه الشعب اللبناني، فغايته تقديم ذريعة مقبولة ظاهريًّا لإبادة مناطق كاملة من لبنان، من أجل صون هدف إسرائيل المعلن (Middle East Monitor, 2024) المتمثل في احتلال جنوب لبنان وما وراءه. هوامش المترجم * يُشير مصطلح (Mimetic Hedging) المترجم إلى «التحوّط التماثلي» إلى استراتيجيّة يتحوّط فيها الفاعل الأضعف في مواجهة خصوم أقوى عبر موقع غامضٍ يجمع بين قدر من التماثل مع الوضع الراهن وقدر من المقاومة، بما يحفظ له هامشًا من الاستقلالية في ظلّ سعيه إلى تحقيق رؤيته الداخليّة. وتحيل صفة Mimetic هنا إلى قدر من التماثل مع الدولة ومحاكاة أشكالها المؤسساتيّة وحتّى الخطابيّة، لا إلى تقليدٍ سطحيّ: أي إلى تحوّط يتحقّق عبر الاندراج في نسيج الدولة ومؤسساتها، بما يجعل الفاعل أقلّ قابلية للتمييز والاستهداف، في الوقت نفسه الذي يُحافظ على مشروعه الخاصّ الذي يتعدّى حدود الدولة ومبادئها المؤسِّسَة. وهنا، في حالة حزب الله، على الرغم من أنّ مفهوم «التقية» قد يتقاطع مع هذا الفعل، لكنّه لا يشكِّل معادلًا تفسيريًا للمفهوم كلّه، لأنّه أقرب إلى عنصر جزئيّ فيه يقابله مفهوم الـDissimulation، أو المواربة/الإخفاء الاحترازيّ [المترجم]. Referrences Abboud S and Muller B (2013) Geopolitics, insecurity and neocolonial exceptionalism: A critical appraisal of the UN special tribunal for Lebanon. Security Dialogue 44(5–6): 467–484. Abu Khalil A (2011) Lebanon’s Wikileaks Scandals [in Arabic]. Al-Akhbar, 2 April. Available at: https://al-akhbar.com/Opinion/86075 (accessed 19 January 2024). Alagha JE (2011) Hizbullah’s Documents: From the 1985 Open Letter to the 2009 Manifesto. Amsterdam: Pallas Publications. Alagha JE (2012) Hizbullah’s DNA and the Arab Spring. New Dehli: K W Publishers Pvt Ltd. Alagha JE (2023) The Lebanese revolution and the shi‘i axis of resistance. In: Chatterjee L (ed.) Political Faultlines in the Middle East. London: Routledge, 47–95. Al-Ahad (1988) In a statement [Hezbollah] vowed to confront America and strike at its strongholds of interest, affirming its commitment to the orders of the Leader Imam. Hezbollah: America’s aggression against the Gulf is a continuation of its covert assault on the Mujahideen in Jabal ‘Amel [in Arabic]. 22 April, 3. Al-Ahad (1989) Sheikh Yazbek: The discussion about sovereignty is about the sovereignty of political maronitism [in Arabic]. 28 October, 15. Al-Aloosy M (2020) The Changing Ideology of Hezbollah. Cham: Springer. Al-Aloosy M (2022) Hezbollah in Syria: An insurgent’s ideology, interest, and survival. Middle East Policy 29(1): 125–138. Al Jazeera (2001) Lebanon demands Hezbollah be removed from terrorist list [in Arabic], 10 October. Available at: (accessed 19 January 2024). Al Jazeera (2024) Israel’s Netanyahu warns Lebanon could face destruction ‘like Gaza’, 8 October. Available At: https://www.aljazeera.com/news/2024/10/8/israels-netanyahu-warns-lebanon-could-face-estruction-like-gaza (accessed 19 January 2024). Amnesty International (2024) Israel/occupied palestinian territory: ‘You feel like you are subhuman’: Israel’s genocide against palestinians in Gaza, 5 December. Available at: https://www.amnesty.org/en/documents/mde15/8668/2024/en/ (accessed 19 January 2024). As-Safir (1992) A wide ranging interview with Nasrallah. . . the quite man, open to dialogue. Israel does not differentiate between Muslims and Christians. Let us ask first: will Lebanon survive? [In Arabic]. 27 February, 3. Azani E (2013) The hybrid terrorist organization: Hezbollah as a case study. Studies in Conflict & Terrorism 36(11): 899–916. Barkawi T and Laffey M (2006) The postcolonial moment in security studies. Review of International Studies 32(2): 329–352. Bilgin P (2010) The ‘western-centrism’ of security studies: ‘Blind spot’ or constitutive practice? Security Dialogue 41(6): 615–622. Bilgin P (2016) ‘Contrapuntal reading’ as a method, an ethos, and a metaphor for global IR. International Studies Review 18(1): 134–146. Bloom C (2008) The classification of Hezbollah in both international and non-international armed conflicts. Annual Survey of International & Comparative Law 14: 61–98. Bou Akar H (2012) Contesting beirut’s frontiers. City & Society 24(2): 150–172. Calculli M (2014) National prerogatives in multilateral peacekeeping: Italy in Lebanese perception and Rome’s role within UNIFIL II. Cahiers de La Méditerranée 88: 201–214. Calculli M (2018) Like a State. Hizbullah and Strategic Mimesis. Milano: Vita & Pensiero. Ciorciari JD and Haacke J (2019) Hedging in international relations: An introduction. International Relations of the Asia-Pacific 19(3): 367–374. Congressional Research Service (2012) Lebanon and the uprising in Syria: Issues for Congress’. Available at: https://www.everycrsreport.com/files/20120202_R42339_378d27d8c7a222de582266b0fb6b46ca5bbd1035.pdf (accessed 19 January 2024) Corm G (2012) Contemporary Lebanon. History and Society. Paris: La Decouverte. Dabashi H (2011) Shi‘ism: A Religion of Protest. Cambridge, MA: Harvard University Press. Daher A (2019) Hezbollah: Mobilisation and Power. New York, NY: Oxford University Press. Davis DE (2009) Non-state armed actors, new imagined communities, and shifting patterns of sovereignty and insecurity in the modern world. Contemporary Security Policy 30(2): 221–245. Day CR (2019) ‘Survival mode’: Rebel resilience and the lord’s resistance army. Terrorism and Political Violence 31(5): 966–986. DiMaggio PJ and Powell WW (1983) The iron cage revisited: Institutional isomorphism and collective rationality in organizational fields. American Sociological Review 48(2): 147–160. Dionigi F (2014) Hezbollah, Islamist Politics, and International Society. New York, NY: Palgrave. El Husseini R (2010) Hezbollah and the axis of refusal: Hamas, Iran and Syria. Third World Quarterly 31(5): 803–815. Eriksson BM and Verweijen J (2018) Confronting the colonial: The (re)production of ‘African’ exceptionalism in critical security and military studies. Security Dialogue 49(1–2): 57–69. Farida M (2019) Religion and Hezbollah: Political Ideology and Legitimacy. London: Routledge. Fisk R (2001) Pity the Nation: Lebanon at War. Oxford: Oxford University Press. Fregonese S (2012) Beyond the ‘weak state’: Hybrid sovereignties in beirut. Environment and Planning D: Society and Space 30(4): 655–674. Fruchterman RL, Boyle FA, Gerson A, et al. (1985) Israeli west bank settlements, the reagan administration’s policy toward the middle east and international law. Proceedings of the Annual Meeting (American Society of International Law) 79: 217–232. Gabrielsen I (2014) The evolution of Hezbollah’s strategy and military performance, 1982–2006. Small Wars & Insurgencies 25(2): 257–283. Geukjian O (2016) Lebanon after the Syrian Withdrawal. External Intervention, Power-Sharing and Political Instability. London: Routledge. Goksël T (2007) ‘Mr. UNIFIL’ reflects on a quarter century of peacekeeping in South Lebanon. Journal of Palestine Studies 36(3): 50–77. Guardian (2017) Nikki Haley says UN commander in Lebanon ‘blind’ to illegal arms trafficking. Guardian, 17 August. Available at: https://www.theguardian.com/world/2017/aug/26/nikki-haley-says-un-commander-in-lebanon-blind-to-illegal-arms-trafficking (accessed 19 January 2024). Harb M and Leenders R (2005) Know thy enemy: Hizbullah, ‘terrorism’ and the politics of perception. Third World Quarterly 26(1): 173–197. Hurd ES (2004) The political authority of secularism in international relations. European Journal of International Relations 10(2): 235–262. Jalabi R (2024) Israel launched a dozen attacks on UN troops in Lebanon, says leaked report, Financial Times, 23 October. Available at: https://www.ft.com/content/151eb482-6415-48a8-bf3f-baed00018c4e (accessed 19 January 2024). Kanaaneh AT (2021) Understanding Hezbollah: The Hegemony of Resistance. Syracuse: Syracuse University Press. Knio K (2013) Structure, Agency And Hezbollah: A Morphogenetic View. Third World Quarterly 34 (5): 856–72. Knudsen AJ and Gade T (eds) (2017) Civil-Military Relations in Lebanon. Cham: Springer. Krause P (2017) Rebel Power: Why National Movements Compete, Fight, and Win. Ithaca: Cornell University Press. Kuik C (2016) How do weaker states hedge? Unpacking ASEAN states’ alignment behavior towards China. Journal of Contemporary China 25(100): 500–514. Lawson G (2006) The promise of historical sociology in international relations. International Studies Review 8(3): 397–423. Leenders R (2012) Spoils of Truce: Corruption and State-Building in Postwar Lebanon. Spoils of Truce. Ithaca: Cornell University Press. Lenin V (1920) ‘Left-wing’ Communism. An infantile disorder. Available at: https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/lwc/ch10.htm (accessed 19 January 2024). Longobardo M (2018) The Use of Armed Force in Occupied Territory. Cambridge: Cambridge University Press. Makdisi K (2011) Constructing Security Council Resolution 1701 for Lebanon in the shadow of the ‘war on terror’. International Peacekeeping 18(1): 4–20. Makdisi K (2014) Reconsidering the struggle over UNIFIL in Southern Lebanon. Journal of Palestine Studies 43(2): 24–41. May S (2019) The rise of the ‘resistance axis’: Hezbollah and the legacy of the taif agreement. Nationalism and Ethnic Politics 25(1): 115–132. Middle East Monitor (2024) Smotrich: Israel’s future is ‘to expand to Damascus’, 13 Octobre. Available at: https://www.middleeastmonitor.com/20241013-smotrich-israels-future-is-to-expand-to-damascus/ (accessed 19 January 2024). Morris B (2002) Camp David and after: An interview with Ehud Barak. The New York Review, 13 June. Available at: https://www.nybooks.com/articles/2002/06/13/camp-david-and-after-an-exchange-1-aninterview-wi/ (accessed 19 January 2024). Moussa N (2016) Loyalties and Group Formation in the Lebanese Officer Corps. Carnegie Middle East Centre. Available at: https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/ACMR_Moussa.pdf (accessed 12 March 2025). Muppidi H (2005) Colonial and postcolonial global governance. In: Barnett M and Duvall R (eds) Power in Global Governance. Cambridge: Cambridge University Press, 273–293. Neumann PR (2007) Negotiating with Terrorists. Democratic Responses to Terrorism. London: Routledge. Norton AR (2007) The role of Hezbollah in Lebanese domestic politics. The International Spectator 42(4): 475–491. Owens P (2015) Economy of Force. Counterinsurgency and the Historical Rise of the Social. London: Cambridge University Press. Picard EN (2009) The virtual sovereignty of the Lebanese State: From deviant case to ideal-type. In: Guazzone L and Pioppi D (eds) In The Arab State and Neo-Liberal Globalization. The Restructuring of State Power in the Middle East. Reading: Ithaca Press, 247–274. Qassem N (2009) Hizbullah: The Story from Within. London: Saqi. Ranstorp M (1998) The strategy and tactics of Hizballah’s Current ‘Lebanonization Process’. Mediterranean Politics 3(1): 103–134. Reuters (2015) ‘Netanyahu criticises U.N. over Lebanon flare-up’. 1 February. Available at: https://www.reuters.com/article/israel-lebanon-un/netanyahu-criticises-u-n-over-lebanon-flare-up-idINKBN0L606B20150202 (accessed 19 January 2025). Reuters (2017) Harsh Hezbollah words aim to draw ‘red lines’ for Trump. 17 February. Available at: https://www.reuters.com/article/idUSKBN15W1XT/ (accessed 19 January 2025). Saad-Ghorayeb A (2002) Hizbul̉lah: Politics and Religion. Sterling: Pluto Press. Saade B (2016) Hizbullah and the Politics of Remembrance: Writing the Lebanese Nation. Cambridge: Cambridge University Press. Salloukh B, Barakat R, Al-Habbal JS, Khattab LW and Mikaelian S. (2015) The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon. Sterling: Pluto Press. Saouli A (2011) Hizbullah in the civilising process: Anarchy, self-restraint and violence. Third World Quarterly 32(5): 925–942. Saouli A (2019) Hezbollah: Socialisation and Its Tragic Ironies. Edinburgh: Edinburgh University Press. Schwedler J (2011) Can islamists become moderates? Rethinking the inclusion-moderation hypothesis. World Politics 63(2): 347–376. Scott J (1990) Domination and the Arts of Resistance: Hidden Transcripts. New Haven, CT: Yale University Press. Shehadi N (2008) Lebanon: Futile victory. The World Today, June 2008. Available at: https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2008-06/lebanon-futile-victory (accessed 12 March 2025). Staniland P (2017) Armed politics and the study of intrastate conflict. Journal of Peace Research 54(4): 459–467. Stiles K (2018) Trust and Hedging in International Relations. Ann Arbor: University of Michigan Press. Tessman BF (2012) System structure and state strategy: Adding hedging to the menu. Security Studies 21(2): 192–231. The Cradle (2024) US ambassador to Lebanon promotes ‘internal uprising’ to assistIsrael:Report, 29 October. Available at: https://thecradle.co/articles/us-ambassador-to-lebanon-promotes-internal-uprising-to-assist-israel-report (accessed 19 January 2025). Toros H (2008) ‘We don’t negotiate with terrorists!’: Legitimacy and complexity in terrorist conflicts’. Security Dialogue 39(4): 407–426. Trithart A (2024) What is behind Israel’s deliberate attacks on UN peacekeepers in Lebanon? An interview with Karim Makdisi. International Peace Institute, 30 October. United Nations (1978a) Security Council Resolution 425, S/RES/425(1978). Available at: https://digitallibrary.un.org/record/71622?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (1978b) Security Council Resolution 426, S/RES/426(1978). Available at: https://digitallibrary.un.org/record/71623?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (1985) Interim report of the secretary-general on the interim force in Lebanon, S/1784. Available at: https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-177420/ (accessed 19 January 2025). United Nations (1990) General Assembly Resolution on ‘Importance of the universal realization of the right of peoples to self-determination and of the speedy granting of independence to colonial countries and peoples for the effective guarantee and observance of human rights, A/RES/37/43. Available at: https://digitallibrary.un.org/record/40572?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (1996a) Report of the secretary-general on the United Nations interim force in Lebanon (for the period from 22 January 1996 to 20 July 1996), S/1996/575. Available at: https://digitallibrary.un.org/record/218489?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (2000) Security council, statement by the president of the security council, S/PRST/2000/21. Available at: https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N00/486/14/PDF/N0048614.pdf?OpenElement (accessed 19 January 2025). United Nations (2004) Security Council Resolution 1559, 2 September, S/RES/1559. Available at:https://digitallibrary.un.org/record/529421?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (2006) Security Council Resolution 1701, S_RES_1701(2006). Available at: https://digitallibrary.un.org/record/581053?ln=en (accessed 19 January 2025). United Nations (2020) Report of the Secretary-General on the implementation of Security Council Resolution 1701 (2006) during the period from 17 June to 20 October 2020, S/2020/1110. Available at: https://unifil.unmissions.org/sites/default/files/s_2020_1110_e.pdf (accessed 19 January 2025). United Nations (2024a) Anatomy of a Genocide – Report of the Special Rapporteur on the situation of human rights in the Palestinian territory occupied since 1967 to Human Rights Council –A/HRC/55/73. Available at: https://documents.un.org/doc/undoc/gen/g24/046/11/pdf/g2404611.pdf (accessed 19 January 2025). United Nations (2024b) UN experts alarmed by Israel-Lebanon conflict, strongly condemn escalation and urge immediate protection for civilians, 30 September. Available at: https://www.ohchr.org/en/press-releases/2024/09/un-experts-alarmed-israel-lebanon-conflict-strongly-condemn-escalation-and (accessed 19 January 2025). United States Department of States (2021) Country reports on terrorism 2020. Available at: https://www.state.gov/wpcontent/uploads/2021/07/Country_Reports_on_Terrorism_2020.pdf (accessed 19 January 2025). Wikileaks (2006) Cable 22 (September 2006). Available at: https://wikileaks.org/plusd/cables/06BEIRUT3084_a.html (accessed 19 January 2025). Winter Y (2011) The asymmetric war discourse and its moral economies: A critique. International Theory 3(3): 488–514. Zarakol A (2014) What made the modern world hang together: Socialisation or stigmatisation?. International Theory 6(2): 311–332. Marina Calculli is an assistant professor of International Relations at Leiden University هوامش: 1- اتّفق كلّ من حزب الله وإسرائيل على عدم استهداف المدنيّين في عام 1993، بعد اغتيال إسرائيل للأمين العامّ السابق لحزب الله، السيد عباس الموسويّ، برفقة زوجته وابنه البالغ من العمر خمس سنوات. 2- تعود هيمنة الضبّاط المسيحيّين الموالين لميشال عون إلى عدّة عوامل تاريخيّة. فبصفته آخر قائد للجيش قبل نهاية الحرب الأهلية، عَمِلَ عون على رعاية مجموعة من الضبّاط الشبّاب، ممّن تراوحت أعمارهم بين العشرين والثلاثين. وبحلول منتصف العقد الأوّل من الألفية، كان هؤلاء الضبّاط قد بلغوا مراتب قياديّة متقدّمة. ومن الملفت، أنّ عودة عون من منفاه الذي دام 15 عامًا أعاد إحياء «العونيّة» داخل الجيش اللبنانيّ (Interview 15). بعض الروايات غير الرسميّة تقول إنّه في عام 2017، كان أكثر من نصف الضبّاط المسيحيّين -ممَّنْ بلغوا الأربعينات والخمسينات من العمر- ومن ذوي الرتب المتوسّطة والعليا، من الموالين لميشال عون سياسيًا (Interview 16).The post التحوّط التماثلي: مقاومة حزب الله ضدّ العالم first appeared on Mada Masr.