في ذكرى بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، تبرز مسيرة التحول التي شهدتها المملكة في مختلف المجالات، ومن أبرز ملامحها التحول الرقمي الذي أسهم في تطوير منظومة العمل الحكومي والارتقاء بخدماتها، عبر الانتقال من بناء الممكنات والبنية التحتية الرقمية إلى توسيع المنصات والخدمات، وتعزيز التكامل والحوكمة والبيانات، وقياس نضج التجربة الرقمية وجودة الخدمة المقدمة للمستفيد.ولم يعد التحول الرقمي في المملكة مجرد انتقال للخدمات من الورق إلى الشاشة، بل أصبح مسارًا متكاملًا لإعادة تطوير أدوات العمل الحكومي ومنصاته وبياناته، ورفع كفاءة الأداء، وتحسين تجربة المستفيد، مع تطور المنظومة نحو مزيد من التكامل والقياس والحوكمة والاستفادة من البيانات، لتصبح التقنية جزءًا أساسيًا من منظومة العمل الحكومي والاقتصاد الوطني وجودة الحياة.وفي هذا السياق، جاء برنامج التحول الوطني، الذي انطلق في يونيو 2016 بوصفه أول البرامج التنفيذية لرؤية السعودية 2030، ليعمل على تطوير البنية التحتية اللازمة وتهيئة البيئة الممكنة للقطاع العام والخاص وغير الربحي، مع التركيز على التميز في الأداء الحكومي، ودعم التحول الرقمي، وتنمية القطاع الخاص، وتطوير الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التنمية المجتمعية، وضمان استدامة الموارد الحيوية. ويحقق البرنامج 34 هدفًا إستراتيجيًا تعادل 35% من أهداف الرؤية، ويعمل على أكثر من 313 مبادرة، ويقيس مدى تقدمه عبر 78 مؤشرًا إستراتيجيًا.تعزيز التكامللم تتعامل رحلة التحول الرقمي مع التقنية بوصفها غاية مستقلة، بل ارتبطت بإعادة تعريف مفهوم العمل الحكومي، من خلال ترسيخ ثقافة الأداء، وتعزيز التكامل بين الجهات، ورفع كفاءة العمليات، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين القطاع الخاص، وتحفيز الابتكار، بما انعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني والخدمات المقدمة واستدامة التنمية. ومع انتقال البرنامج من مرحلة التأسيس وبناء الممكنات إلى مرحلة النضج وتعظيم الأثر، اتسع نطاق التحول ليصبح أحد أبرز محركات التغيير في منظومة رؤية السعودية 2030.وفي هذا المسار، قاد برنامج التحول الوطني ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة الحكومة الرقمية جهودًا مشتركة لتسيير رحلة التحول الرقمي، شملت تطوير البنية التحتية الرقمية، وإصدار القوانين والتشريعات المنظمة للقطاع، وإطلاق مبادرات نوعية عززت الريادة الرقمية للمملكة. ونتيجة لهذا المسار، تقدمت المملكة في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية من المركز 36 في 2016 إلى 52 في 2018، ثم 43 في 2020، و31 في 2022، وصولًا إلى المركز السادس في 2024.منظومة تتسعوشهدت منظومة الحكومة الرقمية سلسلة من التحولات المتتابعة، بدأت بإطلاق منصات وخدمات رقمية، ثم توسعت إلى التشريع والحوكمة والبيانات وقياس النضج. وشملت هذه المسيرة إطلاق منصة ومركز «ناجز»، ومنصة المعرفة الرقمية ThinkTech، ومركز ريادة الأعمال الرقمية «كود»، ثم إصدار سياسة الحكومة الرقمية في 2021. وفي 2022 أُطلقت أول محكمة افتراضية، ومنصة الأنظمة والتشريعات العدلية، ومركز تهيئة الدعاوى، ومؤشر نضج التجربة الرقمية، ومؤشر قياس التحول الرقمي الحكومي. وفي 2023 أطلقت المرحلة الجديدة لمنصة «ناجز»، وأول مؤشر بيانات وطني، ومنصة حوكمة البيانات الوطنية، ومنصة «بيانات السعودية». وفي 2025 تحول تطبيق «توكلنا» إلى التطبيق الوطني الشامل.ويعكس هذا التسلسل انتقال الحكومة الرقمية من مجرد إتاحة الخدمة إلكترونيًا إلى بناء منظومة أوسع تتداخل فيها الخدمات والمنصات والبيانات والحوكمة، بما يعزز التكامل ويرفع كفاءة رحلة المستفيد. ويبرز «توكلنا» نموذجًا لهذا الاتجاه، مع اكتمال دمج خدمات أكثر من 60 جهة حكومية في التطبيق الوطني الشامل، بما يدعم تقديم الخدمات عبر تجربة رقمية أكثر تكاملًا وسهولة.جودة الخدمةومع تطور الحكومة الرقمية، تطورت كذلك أدوات قياسها، فأصبح تقييم التحول مرتبطًا بدرجة النضج وجودة الخدمة وتجربة المستخدم، وليس بمجرد الالتزام بالإجراءات. وأُطلق مؤشر نضج التجربة الرقمية في 2022 لقياس مدى نضج المنصات والخدمات الحكومية، والإسهام في تحقيق مستهدفات تطوير الحكومة الرقمية ورفع جودة أداء الخدمات الحكومية. وارتفع المؤشر العام من 77.26% في 2022 إلى 85.04% في 2023، ثم 80.68% في 2024، و86.71% في 2025، بالتزامن مع اتساع نطاق القياس وارتفاع عدد المنصات المشمولة بالتقييم.وفي 2025 بلغت نسبة قياس التحول الرقمي الحكومي 88.30%، مقارنة بـ45% في 2019، فيما شملت دورة قياس التحول الرقمي 240 جهة حكومية، وفق 95 معيارًا محدثًا تغطي الجوانب التقنية والتنظيمية والتكاملية والتشغيلية، ووصلت 26 جهة حكومية إلى مرحلة الإبداع.وفي 2026، ارتفع مؤشر نضج التجربة الرقمية إلى 87.06% بمستوى «متقدم»، بعد تقييم 59 منصة رقمية وفق أربعة مناظير رئيسية تضمنت 20 محورًا، شملت رضا المستفيد وتجربة المستخدم والتعامل مع الشكاوى والتقنيات والأدوات. كما تجاوز عدد المشاركين في استبيان «قيّم تجربتك الرقمية» 805.500 مشارك، مقابل 374 ألف مشارك في العام السابق، فيما بلغ المؤشر الفرعي للشمولية الرقمية 76.98% ضمن مستوى «متمكن».وتصدرت «أبشر» قائمة أعلى 10 منصات رقمية بنسبة 94.38%، تلتها «اعتماد» بنسبة 94.36%، ثم «صناعي» بنسبة 92.83%، و«بلدي» بنسبة 92.56%، و«توكلنا» بنسبة 92.50%، و«مساند» بنسبة 92.20%، و«قوى» بنسبة 92.14%، و«لوجستي» بنسبة 91.72%، و«نما» بنسبة 91.53%، وبوابة وزارة السياحة بنسبة 91.16%.مراكز البياناتولم يعد التحول الرقمي قائمًا على المنصات والخدمات وحدها، بل توسع ليشمل بناء منظومة للبيانات والحوكمة. ففي 2023 أُطلق أول مؤشر بيانات وطني، ومنصة حوكمة البيانات الوطنية، ومنصة «بيانات السعودية»، بما يعكس انتقال التحول إلى مستوى أكثر ارتباطًا بالبيانات وإدارتها واستخدامها. كما برز بنك البيانات الوطني ومنصة «استشراف» ضمن المنظومة الرقمية الوطنية، وحصلت المملكة ممثلة في «سدايا» على جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة لعام 2026 عن بنك البيانات الوطني ومنصة «استشراف».ويظهر اتساع قاعدة البيانات والبنية الرقمية في مؤشرات أخرى؛ إذ حققت المملكة المركز الثاني عالميًا في جاذبية أسواق مراكز البيانات، في إنجاز يعكس تنامي تنافسية بنيتها الرقمية وجاذبية سوقها للاستثمارات التقنية.بنية تحتيةوأسهم تطور البنية التحتية الرقمية في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات، حيث بلغت نسبة تغطية شبكات النطاق العريض اللا سلكية في المناطق النائية 85.4% في 2025، بينما ارتفعت نسبة تغطية خدمة الألياف الضوئية إلى المنازل في جميع مناطق المملكة إلى 71%. كما وصلت نسبة انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99% في 2025.وهذه البنية لم تكن منفصلة عن أهداف التحول، بل شكلت أحد الأسس التي مكّنت من التوسع في الخدمات الحكومية الرقمية، ونمو الاقتصاد الرقمي، ووصول الخدمات إلى شرائح أوسع من المجتمع.تغطية الإنترنتويمتد أثر التحول الرقمي إلى جانب اقتصادي مباشر؛ فقد بلغت قيمة الوفورات الناتجة عن المبادرات الحكومية الرقمية 9.2 مليارات ريال في 2025، كما ارتفع عدد نماذج الأعمال الرقمية الأولية إلى 650 نموذجًا في 2025. وتظهر هذه المؤشرات جانبًا من أثر التحول في اختصار الوقت وتوفير المال، إلى جانب دوره في تحفيز ريادة الأعمال الرقمية.كما أصبحت الخدمات الحكومية الإلكترونية جزءًا من الاقتصاد الرقمي الذي أُسند تحقيقه إلى برنامج التحول الوطني عبر مبادرات شملت التحول الرقمي للخدمات الحكومية، وتحفيز التجارة الإلكترونية، ونشر تغطية الإنترنت في جميع أنحاء المملكة.تجربة أكثر شمولاوأصبح تحسين تجربة المستفيد محورًا رئيسيًا في تطوير الخدمات الرقمية، حيث تشمل منظومة القياس رضا المستخدم وتجربته والتعامل مع الشكاوى والتقنيات والأدوات، فيما تؤكد نتائج 2026 اتساع مشاركة المستفيدين في تقييم الخدمات. كما تعكس نتيجة مؤشر الشمولية الرقمية اهتمام المنظومة بتمكين مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن، من الوصول إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها باستقلالية.وفي هذا الاتجاه، ارتفعت نسبة الخدمات الإلكترونية لوزارة العدل إلى 91.04% في 2025، فيما بلغت نسبة رضا المستفيدين عن الخدمات العدلية 94.83%. وأوضح تقرير برنامج التحول الوطني أن التسارع في التحول الرقمي وأتمتة الخدمات في القطاع العدلي أسهم في رفع موثوقية المنظومة القضائية وسهولة الوصول إلى خدماتها.المدن والقطاعاتوامتدت آثار التحول الرقمي إلى قطاعات ومجالات متعددة، ولم تعد محصورة في الخدمات الحكومية المباشرة. فقد سجلت 8 مدن سعودية حضورًا في مؤشر IMD للمدن الذكية 2026، وحققت مكة المكرمة المركز الثالث عربيًا والـ50 عالميًا، بما يعكس تسارع التطور وكفاءة الخدمات وارتفاع جودة الحياة.كما شهد الاقتصاد الرقمي توسعًا في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والتقنية، إذ حققت المملكة المرتبة الأولى عالميًا في نمو منظومة الشركات التقنية الناشئة وفق تقرير StartupBlink لعام 2025، إلى جانب تقدمها في مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني، وفي مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة على المستوى الإقليمي.كما حققت المملكة المركز الأول عالميًا في مؤشر الجاهزية الرقمية لعام 2025، والمركز الأول عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية لعام 2025، فيما جاءت في المركز الأول إقليميًا في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2024، وكذلك في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025.من أداة إلى صناعةويتصل التحول الحكومي بمنظومة تقنية أوسع، باتت تشمل الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة، والاتصالات، والأمن السيبراني، والابتكار. وتشير المادة الواردة ضمن ملف رؤية السعودية 2030 إلى أن المملكة تصدرت المرتبة الأولى عالميًا في الأمن والخصوصية والتشفير وتمكين المرأة في الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026، في حين حققت المرتبة الأولى عالميًا في الجاهزية الرقمية وفق مؤشر الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2025.ويعزز ذلك صورة التحول بوصفه منظومة واسعة تبدأ من البنية التحتية والخدمات الحكومية، وتمتد إلى البيانات والابتكار والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال، مع حضور متزايد للكفاءات الوطنية في بناء الحلول والمنصات والتقنيات.دولة رقميةتكشف مسيرة التحول الرقمي عن انتقال واضح من مرحلة إتاحة الخدمات إلكترونيًا إلى بناء منظومة حكومية رقمية أكثر تكاملًا؛ فإصدار سياسة الحكومة الرقمية، وإطلاق مؤشرات النضج والقياس، وتطوير منظومة البيانات والحوكمة، وتوسيع المنصات، ودمج الخدمات، وتقييم تجربة المستخدم، جميعها تمثل حلقات متتابعة في مسار واحد.وتبرز هذه المسيرة أحد التحولات التي انتقلت من بناء الممكنات إلى قياس النتائج وتعظيم الأثر؛ فمن البنية التحتية إلى المنصات، ومن الخدمات إلى البيانات، ومن الرقمنة إلى الحوكمة، باتت التقنية حاضرة في تفاصيل العمل الحكومي وفي طريقة وصول المستفيد إلى الخدمة وتقييمها.ومع استمرار تطوير مؤشرات التحول الرقمي ونضج التجربة الرقمية، تتجه المنظومة إلى مرحلة يكون فيها نجاح الحكومة الرقمية مرتبطًا بدرجة أكبر بما تحققه من سهولة وكفاءة وتكامل وجودة وأثر ملموس، وبقدرتها على تحويل التقنية والبيانات إلى خدمات أكثر نضجًا واستجابة لاحتياجات المستفيد.وهكذا، لا تختصر رحلة التحول الرقمي في عدد المنصات أو الخدمات التي انتقلت إلى البيئة الإلكترونية؛ بل في التحول الذي طرأ على شكل الخدمة نفسها، وعلى طريقة إدارتها وقياسها وتطويرها، وصولًا إلى نموذج حكومي رقمي أكثر تكاملًا، يضع المستفيد والبيانات والكفاءة في قلب عملية التطوير.تحول رقمي وحكومة إلكترونية2016: انطلاق برنامج التحول الوطني34 هدفًا إستراتيجيًا يعمل البرنامج على تحقيقها.%35 من أهداف رؤية السعودية 2030 يسند تحقيقها إلى البرنامج.313 مبادرة يعمل البرنامج على تنفيذها.78 مؤشرًا إستراتيجيًا لقياس مدى تقدم البرنامج.%45 - %88.30: ارتفاع نسبة قياس التحول الرقمي الحكومي بين 2019 و2025.%77.26 - %86.71: ارتفاع مؤشر نضج التجربة الرقمية بين 2022 و2025.%87.06 مؤشر نضج التجربة الرقمية في 2026 بمستوى «متقدم».59 منصة رقمية شملها تقييم مؤشر نضج التجربة الرقمية في 2026.805.500 مشارك في استبيان «قيّم تجربتك الرقمية» خلال 2026.%76.98 نتيجة المؤشر الفرعي للشمولية الرقمية في 2026.240 جهة حكومية شملتها دورة قياس التحول الرقمي في 2025.95 معيارًا شملت الجوانب التقنية والتنظيمية والتكاملية والتشغيلية في دورة 2025.26 جهة حكومية وصلت إلى مرحلة الإبداع في نتائج مؤشر قياس التحول الرقمي لعام 2025.9.2 مليارات ريال قيمة الوفورات الناتجة عن المبادرات الحكومية الرقمية في 2025.%85.4 تغطية شبكات النطاق العريض اللا سلكية في المناطق النائية خلال 2025.%71 تغطية خدمة الألياف الضوئية إلى المنازل في جميع مناطق المملكة.%99 نسبة انتشار الإنترنت في المملكة في 2025.650 نموذجًا للأعمال الرقمية الأولية في 2025.36 إلى 6: تقدم ترتيب المملكة في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية من 2016 إلى 2024.8 مدن سعودية سجلت حضورًا في مؤشر IMD للمدن الذكية 2026.60 جهة حكومية اكتمل دمج خدماتها في تطبيق «توكلنا».