يزعم وائل حلّاق: بعد أن كانت السنن تشمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأعراف والعادات والتقاليد، أي الممارسات الفعليّة الحكيمة عند العرب، تحوّلت دلالة السنّة -عنده- بعد أن ضيّق عليها، حيث صارت الصدارة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بقيّة السنن، أي أنّ سنته صلى الله عليه وسلم زاحمت السنن الأخرى وقدّمت عليها، ثم انفصلت عنها. نتيجة ما زعمه حلّاق من تعليم ديني ذو أثر قصصي من القصّاص! -وهذه أوّل بوادر اختلاط «التشريع» بـ «الدين»!-. وقد برزت ملامح الدلالة الثانية للسنة في التشكل بعد 60 للهجرة، متخذة شكلين: رمزيّ وحقيقي -الحقيقي وفق معناها قبل التحوّل!-. يقول حلّاق: «عندما شرع عدد من القضاة، من بين غيرهم، في نقل أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهو ما سيعرف في المصادر المتأخرة بمصطلح «الحديث». ولا تكمن أهميّة نشاط نقل الحديث في كونه أعلن عن ميلاد اتجاه أولى اهتماماً كبيراً بسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب؛ وإنما تكمن أهميّة هذا النشاط أيضاً في أنّ «السنّة النبوية» كانت هي الوحيدة التي انفصلت عن غيرها من السنن، واتخذت لنفسها شيئاً فشيئاً مكانة مستقلة». ونتيجة هذا الاستقلال برز نموذج النبي صلى الله عليه وسلم لا من حيث هو ممثّل لسلطة دينية تدعو إلى الله فحسب، وإنما برز حضوره التشريعي أيضاً من حيث هو سلطة تشريعية! أي أنّ حلاقاً يرى انفصالا بين «الدين» و»التشريع»، وينسب الأخير إلى المجتمع، وذلك لتشكّل ذهنيّة حلّاق وفق نظام «فصل السلطات» الغربيّ-العلمانيّ. ويضرب حلّاق الشواهد على سلطة النبي صلى الله عليه وسلم الرمزيّة، مثل: سكّ عبارة «رسول الله» على النقود الأمويّة، وأيضاً ما ذكره المستشرق «بانكاي» من قتل كل من جاهر بمعارضة شريعة النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أنّ حلّاقاً يعارض هذا القول بالقتل، ويعلق مستنكراً: «لا يمكن طبعاً أن نأخذ الرواية على عواهنها؛ وذلك لأنها تقدّم الرسول صلى الله عليه وسلم على أنّه «سلطة تشريعية مكتملة الأسس»، غاضّة النظر عن الشرائع الأخرى التي كانت متداولة آنذاك. فما حاول بانكاي نقله هو تلك الصورة التي سعت مصادره الإسلامية إلى رسمها للرسول. وتبقى الحقيقة مع ذلك في أنّه في السنوات الستين من القرن الأوّل على الأقلّ، بدأت تطفو صورة نموذجية عليا للرسول». لينتج التحوّل الأوّل، وهو: انفصال السنّة النبويّة عن غيرها من السنن، وتبعاً لذلك ظهر تنام واضح لـ «سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم». وتحوّلات إبيستميّة -معرفيّة- هي: البحث وتحصيل ما احتيج إليه من معرفة أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى يُحدد الشرع! إضافة لأن السنّة كانت مكوناً مركزياً في تصور السيرة النموذجية والسلوك القويم؛ غير أنّها جُعلت الأعلى، وأنها تأويل للقرآن. وتحوّلات بيداغوجية -تعليمية/ تربويّة-، هي: الرغبة في حفظ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ومن ثم العناية ببعض المصادر، وجمعها، حتى صارت معارف لا بدّ من تبليغها للآخرين؛ من حيث هي تراث شفويّ قديم للعرب، وأصبحت مشبعة بالمعنى الديني! أمّا المحرّك الداخلي الديني لتعزيز السنّة الشفوية عند حلاق فهو: القصّاصّ، من حيث دورهم الأساسي في تكوين السنّة الشفويّة للنبي صلى الله عليه وسلم، وزاعماً أنهم كانوا مع الصحابة -رضي الله عنهم- يساهمون في بلورة أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله. «وقد اتخذت السيرة النبويّة في بعديها الحقيقي والرمزيّ من هاتين المجموعتين مصدراً لها، غير أن المعارف المتعلقة بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة الأولى كانت جزءاً من الممارسة اليوميّة ومن معارف شفوية سريعة التحوّل والتقلّب»، و»كان للقصّاص اهتمامات متنوّعة عند عرضهم للأحاديث النبويّة، وربما كان القليل منها مما ينطوي في العقد الهجري الأوّل على طبيعة تشريعية بحتة». إلا أنّ التداخل بين القصّاص والفقهاء أدى لظهور فقهاء وقصاص في آن، وأيضاً تداخل القصّ مع الفقه، فاختلط الجانب التشريعي بالجانب الديني! وهذه الدعاوى التي يزعمها حلّاق يكذبها أدنى نظر إلى تاريخ السنّة النبويّة، و»القصّاص» وعلاقتهم بالسنة النبويّة، وبمجالس العلم، وبالفقه. والتحولات لدلالة «القصّ» على مر القرون، فضلاً عن بعض الحوادث التاريخية التي تثبت إنكار الصحابة رضي الله عنهم على نوع من القصّاص والوعاظ؛ لئلا ينصرف الناس عن مجالس العلم كتاباً وسنّة.