ليست الأخطار التي تنزل بالأمم سواءً في صورتها، وإن اشتركت في سوء عاقبتها؛ فمنها خطرٌ يجيء صريحًا مكشوف الوجه، فتراه العيون قبل أن تبلغ آثاره القلوب، وتعرف الأمة جهته، فتتهيأ له بما أودع الله فيها من أسباب المدافعة. ومنها خطرٌ أخفى مسلكًا وأبعد غورًا؛ لا يهدم سورًا في أول أمره، ولا يعبر حدًّا، ولا يرفع سلاحًا، ولكنه يدخل من منافذ الفكر، ويتسلل في ثياب المعاني، ويستعير من الدين ألفاظه، ومن الدعوة اسمها، ومن الإصلاح شعاره، ومن الغيرة على المسلمين حرارتها؛ حتى إذا استقر في العقل صار تصورًا، وإذا استولى على القلب صار ولاءً، وإذا تمكن من النفس صار طاعةً وموقفًا وعملًا.
ومن هذا الباب خطر التحزّب حين يجاوز حدود التعاون المشروع إلى العصبية التنظيمية والولاء الخاص؛ فإنه لا يبدأ غالبًا بإعلان مفارقة جماعة المسلمين، وإنما يبدأ بتكوين جماعة داخل الجماعة، وميزان داخل الميزان، ومرجعية بشرية خاصة تزاحم المرجعية الشرعية؛ حتى يكون للإنسان في جماعة المسلمين جماعةٌ أخص، وفي طاعته طاعةٌ أخرى، وفي ولائه ولاءٌ تنظيمي يزاحم ما أوجبه الله عليه من لزوم الجماعة والسمع والطاعة لولي الأمر في المعروف. وهنا يبدأ الداء من موضع قد لا يشعر به صاحبه؛ لأن التحزّب، قبل أن يكون تنظيمًا ظاهرًا، انحرافٌ في ميزان الاتباع. فالأصل الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون الكتاب والسنة حاكمين على الرجال والجماعات والمناهج، وأن يُفهم الدين على ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وألا يُنصب دون رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصٌ أو جماعةٌ أو مدرسةٌ يُعقد على قولها الولاء والبراء، ويُمتحن الناس بالقرب منها والبعد عنها. فإذا أُنشئت في مقابل هذا الأصل طريقةٌ محدثة في الدعوة والتغيير، لها رجالها الذين يدور عليهم الاتباع، ومراحلها التي لا تُعرف إلا لأهلها، وأسرارها التي تستتر بها، وبيعتها أو عهدها أو التزامها الخاص، وقيادتها التي تطلب الطاعة، ومواقفها التي يُراد للأتباع أن يلتزموها؛ فقد خرج الأمر من مجرد التعاون على البر إلى بناء عصبية لها سلطانها في النفوس.
وليس كل اجتماع تحزّبًا، ولا كل تنظيم إداري عصبية؛ فإن التعاون على الخير مشروع، وتنظيم الأعمال النافعة من وسائل المصالح، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). وإنما التحزّب المذموم أن يتحول الاجتماع من وسيلة إلى هوية، ومن تعاون إلى عصبية، ومن ترتيب للعمل إلى ولاء، ومن تنسيق للمهمة إلى طاعة خاصة، ومن خدمة للدين إلى ادعاء تمثيله، ومن وسيلة بشرية يجوز نقدها وتركها إلى جماعة يُمتحن الناس بها، ويوزن الحق بالقرب منها والبعد عنها. وهذا التحول جناية على أصل الاتباع قبل أن يكون خللًا في صورة العمل؛ فإذا صار للتنظيم في نفس صاحبه حقٌّ لم يمنحه الله له، وبدأ يزن الرجال بقربهم منه وبعدهم عنه، ويغفر لأتباعه ما لا يغفره لمخالفيه، ويؤول خطأ جماعته ويضخم خطأ خصومها، ويطلب الدليل بعد الموقف لا قبله؛ فقد خرج من التعاون إلى التحزّب، ومن طلب الحق إلى التعصب للاسم.
وهنا ينشأ في القلب ميزانان: ميزان الوحي وميزان الحزب؛ ثم لا يزال ميزان الحزب يزاحم ميزان الوحي حتى يضعفه أو يطغى عليه. فإذا بالرجل لا يسأل: ماذا قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ وما الذي كان عليه السلف؟ وإنما يسأل أولًا: ما موقف الجماعة؟ ثم يطلب من النصوص ما يسنده. ولا يزن الرجال بالحق، بل يزن الحق برجال التنظيم. وهذه من أقبح جنايات الحزبية على الدين؛ لأنها تقلب وظيفة الدليل: كان الدليل قائدًا فأصبح تابعًا، وكان الوحي حكمًا فأصبح شاهدًا يُستدعى بعد صدور الموقف، وكان الرجال يُعرضون على الحق، فإذا الحق يُعرض على الرجال. ولا فساد في باب الدعوة أخطر من أن يصبح التنظيم واسطةً منهجية بين المسلم والكتاب والسنة، أو أن تصبح القيادة الحزبية عدسةً لا يرى أتباعها الدين والواقع إلا من خلالها. وقد عرف السلف الاختلاف، ولكنهم لم يجعلوا كل اختلاف صناعةً للفرق، ولا الرأي عقدَ ولاء، ولا الاجتهاد جدارًا نفسيًا بين المسلمين. اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في مسائل كثيرة، وبقي الأصل الذي يجمعهم أعظم من المسائل التي اختلفوا فيها؛ فلم يجعلوا من كل مسألة راية، ومن الراية جماعة، ومن الجماعة ميزانًا للموالاة والمعاداة. فالاختلاف شيء، والتحزّب للاختلاف شيء آخر؛ والاجتهاد شيء، والعصبية للاجتهاد شيء آخر. قد يخالفك الرجل ويبقى أخاك، أما الحزبية فتبني في القلب جدارًا قبل أن تبني في العقل حجة، وتحول المخالف من صاحب قول يُنظر في دليله إلى خصم تُحدد منزلته بموقفه من الجماعة. ومن هنا كان نصب الأشخاص والجماعات موازين عامة للحق من أبواب العصبية المذمومة؛ فلا أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون قوله أصلًا لا يُراجع، ولا طريقته ميزانًا عامًا يُمتحن الناس بها. الوحي متبوع، والرجال تبعٌ له؛ وكل أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ من قوله ويترك. فإذا صارت الجماعة عند أتباعها فوق النقد، وصار قائدها في نفوسهم معيارًا للحق، وصار الانفصال عنها عندهم قريبًا من الانفصال عن الدين، فقد جاوز التنظيم حد الوسيلة البشرية، وأخذ لنفسه من سلطان الشرع ما ليس له. وهذا من أشد أبواب الفتنة خفاءً؛ لأن العبد قد يغضب لحزبه وهو يحسب أنه يغضب لله، وينتصر لرجاله وهو يظن أنه ينتصر للسنة، ويدافع عن موقف تنظيمي ثم يكسوه ثوب العقيدة والدعوة.
ومن هنا كانت الحزبية جنايةً على الدين قبل أن تكون خطرًا على أمن البلاد؛ لأنها تختزل الإسلام في مشروع بشر، وتربط المقدس بالاجتهاد التنظيمي، وتجعل نقد الجماعة في نفوس بعض أتباعها قريبًا من نقد الدين نفسه.
والإسلام أجل من أن تحتويه جماعة، وأوسع من أن يختصره تنظيم، وأبقى من أن يُعلَّق مصيره بمصير مشروع حركي أو سياسي.
قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ). فالدين أكبر من التنظيم، والأمة أوسع من الحزب، والكتاب والسنة أغنى من مناهج الجماعات، ومن جعل الإسلام في وعي أتباعه تابعًا لمصير جماعته فقد ضيّق ما وسعه الله، وربط الباقي بالفاني، والمعصوم باجتهاد الرجال. ويشتد الخطر حين تتجاوز الحزبية الميل الفكري إلى الطاعة التنظيمية والبيعة الخاصة؛ لأن المسألة حينئذ لا تعود مجرد رأي، بل تصبح سلطةً في النفس.