التحايل بالزواج العرفي للحصول على المعاش بسبب الفقر.. الإفتاء تحسم الجدل

قالت دار الإفتاء المصرية، إنه لا يجوز شرعًا الاتفاق بين الزوج وزوجته على الطلاق الرسمي ثم المراجعة الشفوية أو الزواج بصورة غير رسمية للاستفادة من معاش والد الزوجة المتوفَّى؛ لأن ذلك يشتمل في الحقيقة على جُملة من المنهيات الشرعية والمحظورات القانونية.

وأوضحت "الإفتاء" حكم التحايل بالزواج العرفي من أجل الحصول على المعاش، في إجابتها عن سؤال: لي صديقة متزوجة ولديها أُسرة مكونة من زوج وأولاد، وحالتهم المادية متعسِّرة، وقد توفِّي والدها، فاتفقت هي وزوجها على الطلاق من أجل الحصول على المعاش الخاص بوالدها المتوفَّى، على أن يتزوجا بعد ذلك زواجًا عرفيًّا، وذلك من أجل الاستعانة بهذا المعاش على تحسين حالتهم المادية المتعسرة، وترجو الإفادة بالرأي الشرعي في ذلك؟، أنه يشتمل على جُملة من المنهيات الشرعية.

وأضافت أن من المعلوم أن النظام الاجتماعي المعمول به يهدف إلى توفير دخلٍ مستمرٍّ للإنسان ولذويه بعد أن ينقطع دخله لكِبَرِ سِنٍّ أو مرضٍ أو وفاة، وذلك بادخارِ جزء من ماله بصورة دورية حالَ تَكَسُّبِهِ على أن تقوم الدولة باستثماره له كي ينتفع به أو ذووه حال تقاعده أو وفاته، على أن يتقاسم مبلغ التأمين أو المعاش من أولاده بعد وفاته مَن يتوفر فيه شروط الاستحقاق، بحيث إذا اختلت هذه الشروط فيهم انتقل المعاش إلى مَن تتوافر فيهم هذه الشروط من إخوته.

وبينت أن من شروط هذا الاستحقاق: ألَّا يكون لبنتِ ذلك المتوفَّى زوجٌ مسؤولٌ عنها يقوم برعايتها؛ إذ إن المقصود بهذا المعاش مَن كان يُعيلهم المتوفى أصالة حال حياته، فيصرف لهم من تأميناته ما يحقق لهم هذه الإعالة ويسد حاجتهم، أما من هم خارج نفقته حال حياته فلا يشملهم استحقاق معاشه، كما قررته المادة (100) من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019م.

وتابعت: أي أنَّ الاستفادة من هذه التأمينات بالنسبة للبنت مشروطة بحال عدم زواجها، فإن كانت متزوجة ولها مَن يعولها وينفق عليها سَقَطَ عنها هذا الاستحقاق، فهو استحقاقٌ مشروط لها، لا حقٌّ مطلق تسعى في تحصيله كيفما كان.

واستشهدت بما ورد في حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» أخرجه البيهقي والدارقطني في "السنن"، وغيرهما.

وأردفت: فإذا اتفقت بنت المتوفَّى مع زوجها على إيقاع الطلاق بينهما بصورة رسمية من أجل تقديم ما يفيد كونها غير متزوجة للجهة المختصة بصرف المعاش الخاص بوالدها، على أن يتم الزواج مرة أخرى بصورة غير رسمية -كما ورد في السؤال-، فإن ذلك يشتمل في الحقيقة على جُملة من المنهيات الشرعية والمحظورات القانونية.

واستطردت: ومن ذلك: أولًا: أن في الاتفاق على إيقاع الطلاق دون تحقق أسبابه التي شُرِعَ لأجلها، تهاونٌ وتساهلٌ في أمر الزواج مع عظم مكانته وقدسيته، وتعارض مع حقيقته من أنه ميثاقٌ غليظٌ وعقدٌ شرعيٌّ "لا نظير له فيما يُتعبد به من العقد بعد الإيمان".

واستندت لما جاء في "مغني المحتاج" للإمام الخطيب الشربيني (4/ 201، ط. دار الكتب العلمية)، وما كان ذلك شأنه لا يجوز أن يُستهان به، ولا تفكُّ عقدته دون حاجة حقيقية أو سبب من الأسباب الشرعية المعتبرة؛ كأن تستحيل الحياة الزوجية بين طرفيه، بعد بذل الوسع واستفراغ الجهد في الحفاظ عليها بأساليب الإصلاح الممكنة؛ ومن ثَمَّ فلا يُقبل اتخاذ الطلاق حيلة ووسيلة للكسب المادي، مع التقرير بأنه أبغض الحلال.

وواصلت: أي: لا ينبغي إيقاعه إلا في أضيق الأحوال؛ فعَنِ ابْنِ عُمَر رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي في "السنن" والطبراني في "المعجم الكبير".

ودللت عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، قَدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ» أخرجه ابن ماجه في "السنن" والبيهقي في "السنن الكبرى".

ووأفادت بأنه قد أُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» أخرجه النسائي في "السنن". وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "الطلاق عن وطر" خرَّجه الإمام البخاري في "الصحيح" مُعَلَّقًا.

واستدلت بما قال الإمام أبو العباس القرطبي في "المفهم" (4/ 225، ط. دار ابن كثير): [و(الطلاق أبغض الحلال إلى الله)... لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعًا، وإنما شُرع الطلاق تخلُّصًا من الضرر اللاحق بالزوج؛ ولذلك كُرِهَ الطلاق من غير سبب] اهـ.

وألمحت لما قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (10/ 61-62، ط. دار إحياء التراث العربي): [الطلاق أربعة أقسام... وأما المكروه: فأن يكون الحال بينهما مستقيمًا فيُطلق بلا سببٍ، وعليه يحمل حديث: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ»] اهـ.

وأكملت: ثانيًا: قصد التحايل لأخذ مالٍ من غير وجه حقٍّ، وقد حذَّر الشرع الشريف أشد التحذير من أن يفعل الإنسان فعلًا ظاهره الحل والصلاح وحقيقته الحرمة والاعتداء، وبيَّن أن محل المؤاخذة والمحاسبة على ما أضمر من حقيقة فعله لا على ما ظهر منه، وأنَّ لكلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فعُلِمَ من ذلك أن الحيل إلى المحرمات باطلة ومحرمة مثلها، و"ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق"؛ كما قال الإمام محمد بن الحسن الشَّيْباني فيما نقله عنه الإمام بدر الدين العَيْنِي في "عمدة القاري" (24/ 108، ط. دار إحياء التراث العربي).

واستشهدت بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن فلانًا باع خمرًا، فقال: "قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا»" أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح". وقال الإمام الخَطَّابي في "أعلام الحديث" (2/ 1100-1101، ط. جامعة أم القرى): [قوله: «فَجَمَلوها»، معناه: أذابوها.. وفيه: إبطال الحِيَل والوَسائل التي يُتَوَصَّل بها إلى المَحظور من طريق التأويل، وإنما ضُرِب المَثَل بصَنيع اليهود في الشحوم واجتمالهم؛ ليُعلم أنَّ الشيء إذا حُرِّم عَيْنه حُرِّم ثمنه] اهـ.

نوهت بأنه قد نص العلماء على حرمة اتخاذ الزوجين مشروعية الطلاق أو الخلع حيلةً للوصول بها إلى غير مقصوده، ونصوا على أن ذلك من التلاعب بحدود الله تعالى والاستهانة بآياته.

وذكرت ما قال العلامة ابن بَطَّة العُكْبَرِي [ت387هـ] في "إبطال الحيل" (ص: 39، ط. المكتب الإسلامي) عن أسباب الطلاق بين الزوجين: [ولا يجوز أن يُصرف ولا يُستعمل إلا عند الأسباب التي ذكرها الله عزَّ وجلَّ، وهي وقوع النِّفَار والبغض والشقاق ومعصية الله تبارك وتعالى، لا للحيلة والمخالفة والخديعة والمماكرة، والعدول به إلى غير جهته، ووضعه في غير موضعه الذي أراد الله له وفسح به عند الحاجة إليه.