التجاهل – محمد سعد  القحطاني

لا يردان على رسالتك، ولا يلتفتان إلى حضورك، ولا يذكران نجاحك.

لكن أحدهما يتجاهلك لأنه لا يحتمل أن يراك، والآخر لأنه لا يريد أن يؤذيك.

أحدهما يراقبك في صمت، والآخر ابتعد حفاظًا على ما كان بينكما.

أحدهما يريد أن يشعرك بأنك لا تعني شيئًا، والآخر يخشى أن يقول في غضبه شيئًا لا يستطيع إصلاحه.

فنحن نرى السلوك، ولا نرى دائمًا الدافع الذي صنعه. ولهذا قد نفسر صمت الأصيل كراهية، وصمت المجروح تكبرًا، وصمت الحكيم ضعفًا، بينما نبحث للحاسد أو المتلاعب عن أعذار لا يستحقها.

الكلام يملك فرصة أن يوضح مقصده، أما الصمت فيترك المهمة لمن يحاول فهمه.

ولهذا يصبح التجاهل مساحة واسعة للتأويل. قد يراه إنسان إهانة، ويراه آخر عقوبة، ويحسبه ثالث نهايةً للعلاقة، بينما لم يكن عند صاحبه سوى تعب أو انشغال أو رغبة مؤقتة في الابتعاد.

والمشكلة أننا لا نفسر تجاهل الآخرين من أفعالهم وحدها، بل من مخاوفنا أيضًا.

من يخشى الفقد قد يرى التأخر في الرد بداية رحيل.

ومن ضعفت ثقته بنفسه قد يرى عدم الالتفات حكمًا على قيمته.

ومن تعرض للخيانة قد يقرأ كل صمت بوصفه أمرًا يُدبّر خلفه.

وهكذا لا يعود التجاهل فعلًا قام به الآخر فقط؛ بل يصبح قصةً نكمل نحن أجزاءها الناقصة، وقد نضع فيها من جراحنا أكثر مما وضع صاحبها من القصد.

فالصمت، مثل الكلام، قد يكون خلقًا، وقد يكون سلاحًا.

يعرف ما حققت، ويتابع ما تنشر، ويلتقط ما تغير في حياتك، لكنه حين يأتي وقت الاعتراف يتصرف كأن شيئًا لم يحدث.

هنا لا يكون التجاهل غيابًا للانتباه، بل امتناعًا عن الاعتراف.

فالحاسد لا تؤلمه النعمة لأنها سيئة، وإنما لأنها جاءت إليك. وقد لا يريد الشيء نفسه، لكنه يتألم لأن حصولك عليه يضعه أمام مقارنة لا يريدها. ولذلك يحاول أن يصغر ما حققته حتى يصغر شعوره بالنقص أمامه.

وقد يمدح الفكرة، لكنه يتجنب نسبتها إليك.

وقد يحتفي بإنجاز أقل من إنجازك، ثم يمر أمامك بصمت كامل.

والحسد لا يظهر دائمًا في الهجوم؛ فقد يأتي في صورة برود محسوب، أو تقليل مستمر، أو صمت في الموضع الذي ينتظر فيه الإنسان كلمة إنصاف.

فإذا عجز الحاسد عن إيقاف نجاحك، حاول أن يمنعك على الأقل من سماع الاعتراف به.

لكن هل يفقد الإنجاز قيمته لأن حاسدًا لم يصفق له؟

الشمس لا تصبح أقل ضوءًا لأن أحدهم أغلق نافذته.

لا يحتاج الكاره إلى أن تنجح كي يرفضك؛ فقد يرفض نجاحك وفشلك، وكلامك وصمتك، وقربك وابتعادك. فهو لا ينظر إلى الموقف ثم يصدر حكمه، بل يحمل الحكم أولًا، ثم يفسر كل موقف بما يؤيده.

هو لا يبحث عن حقيقة جديدة، بل عن دليل جديد يخدم موقفًا قديمًا.

ولهذا قد يكون تجاهله محاولةً لمحوك؛ كأن عدم ذكر اسمك يلغي عملك، وعدم الرد عليك يسقط رأيك، وعدم الالتفات إليك ينفي حضورك.

فمن لا يعنيه أمرك يمضي، أما من يتعمد أن يريك أنه يمضي، فقد يكون ما يزال واقفًا عندك.

أما الأصيل، فقد يتجاهل الخطأ ولا يتجاهل قيمة الإنسان.

ويمتلك من أسرارك ما يستطيع أن يؤلمك به، لكنه يعرف أن الخصومة لا تمنحه حق خيانة الأمانة.

قد يصمت لأنه يدرك أن بعض الردود، وإن كانت مستحقة، تهدم من العلاقة أكثر مما تصلح من الموقف.

لا يدخل كل خلاف ليخرج منه منتصرًا، ولا يحول لحظة غضب إلى معرض لما عرفه عنك في سنوات القرب. وقد يبتعد دون أن يشوهك، ويختلف معك دون أن ينكر فضلك، وتنتهي علاقته بك دون أن يعيد كتابة تاريخها كله بلون النهاية.

لكن الأصيل غالبًا لا يبتعد من المرة الأولى. يتجاوز، ويلتمس العذر، ويمنح الفرص، ويحاول أن يحفظ العلاقة دون أن يعلن في كل مرة ما قدمه من أجلها. فإذا وصل إلى الصمت، ظن الطرف الآخر أن قراره مفاجئ، مع أن المفاجئ لم يكن الرحيل؛ بل إن أحدًا لم ينتبه إلى الطريق الطويل الذي سبقه.

نخسرهم في كل مرة سامحونا فيها، ثم كررنا ما جعلهم يحتاجون إلى المسامحة.

يقول ما يستطيع قوله بوضوح، ويمنح الحوار فرصته، ثم يصمت عندما يكتشف أن الكلام لم يعد طريقًا إلى الفهم، بل مادةً لجولة جديدة من الجدل.

هناك نقاش يريد الوصول إلى الحقيقة، ونقاش آخر يريد أن ينتصر صاحبه ولو ضاعت الحقيقة.

والصادق يستطيع البقاء في الأول، لكنه يتعب من الثاني.

قد يشرح موقفه مرة، ثم يعيده بطريقة أخرى، لكنه لا يستطيع أن يقضي حياته وهو يثبت نيته لشخص قرر مسبقًا ألّا يصدقه. ولا يرى معنى في الإجابة عن السؤال نفسه كلما تغيرت صياغته، ما دام السائل لا يريد جوابًا، بل يريد اعترافًا يوافق حكمه.

حينئذ لا يكون التجاهل نقصًا في الصراحة، بل نتيجةً لها.

لقد قال الصادق ما عنده، ووصل إلى النقطة التي لا يضيف الكلام بعدها معنى، وإنما يستهلك كرامة المتحدث ووقت المستمع.

فليست كل الأحاديث تستمر لأن فيها ما يستحق أن يقال.

بعضها يستمر لأن أحد الطرفين يرفض أن يسمع ما قيل.