التبرع بالأعضاء في العالم العربي… ما الذي يعوق إنقاذ حياة المرضى؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

تتوسع برامج التسجيل وتُحدَّث قوانين التبرع بالأعضاء في دول عربية عدة، فيما أعاد لبنان تمويل عمليات الزرع على نفقة وزارة الصحة. لكن موافقة الأسر وجاهزية المستشفيات والثقة بمعايير الوفاة لا تزال تحدد الفارق بين تسجيل الرغبة وإنقاذ المرضى.

توسّع دول عربية خدمات التسجيل الرقمي وتحدّث تشريعاتها في مجال التبرع بالأعضاء، لكن موافقة الأسر وجاهزية المستشفيات تظلان عاملين حاسمين في تحويل رغبة المتبرع إلى فرصة حياة لمريض آخر.

في لبنان، عاد ملف التبرع بالأعضاء إلى الواجهة بإعلان تمويل عمليات الزرع على نفقة وزارة الصحة، في خطوة تبرز أهمية الجمع بين توافر الأعضاء والتغطية المالية والتنظيم الطبي.

في 30 أيلول (سبتمبر) 2026 أعلن وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين إعادة تفعيل عمليات زرع الأعضاء على نفقة الوزارة، خلال جولة تفقد خلالها ثلاثة مرضى تلقوا أعضاء من واهب واحد، وفق بيان رسمي للوزارة.

وشملت العمليات زرع قلب في مستشفى الرسول الأعظم بـ الضاحية الجنوبية لبيروت، وزرع كليتين لمريضين في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي للروم الأرثوذكس في بيروت.

وقال الوزير: "إن الإنسان، عندما يغادر الحياة، يستطيع أن يمنح الحياة لشخص آخر". وأعلن تشكيل هيئة وطنية تتولى إعداد المراسيم التطبيقية لتنظيم القطاع، مشيداً بالتعاون مع المستشفيات الخاصة في استقبال المرضى على نفقة الوزارة.

ويقول طبيب الجراحة العامة الدكتور محمد عامر لـ"النهار" "إن التبرع بالأعضاء لا يزال محدوداً في عدد من الدول العربية، على الرغم من توسع بعض برامج الزرع".

ويربط عامر ذلك بمخاوف لدى بعض الأسر تتصل بحرمة الجسد وسلامة تشخيص الوفاة والخشية من التشويه بعد الموت، إلى جانب نقص الوعي بالإجراءات الطبية. "ولا تعني هذه المخاوف وجود تحريم ديني عام، إذ أجازت مجامع فقهية وهيئات إفتاء عدة التبرع بالأعضاء من ضمن ضوابط طبية وشرعية تمنع الضرر والاتجار وتحفظ كرامة الإنسان".

ويشير عامر إلى عقبات أخرى تحول دون توسيع التبرع بالأعضاء في الدول العربية، ذلك أن تحويل الرغبة المسجلة إلى عملية زرع فعلية يتطلب أكثر من موافقة فردية. "يحتاج الأمر إلى تشخيص موثوق للوفاة، وتواصل مدروس مع الأسرة، وطواقم مدربة، ومستشفيات قادرة على رصد المتبرعين المحتملين وحفظ الأعضاء وتنسيق نقلها من ضمن وقت قصير".

وتؤكد المواد الرسمية والتوعوية الصادرة في دولة الإمارات العربية المتحدة أن تطوير المنظومة لا يقتصر على التسجيل، بل يتطلب تدريب الطواقم، ورفع الوعي بمعايير الوفاة، والإجابة بوضوح عن المخاوف الدينية والثقافية التي قد تؤثر في قرار الأسرة.

وتشير هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية لخدمات الدم وزراعة الأعضاء إلى أن عدم معرفة الأسرة برغبة المتوفى، والمخاوف الدينية والثقافية، وبعض التعقيدات الإجرائية قد تعطل التبرع. وهي عوامل تستحق الدراسة عربياً، من دون افتراض أن نسب الرفض المسجلة في بريطانيا تنطبق على مجتمعات المنطقة.

أظهر أحدث تقرير للمرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء، وهو مبادرة تدعمها منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع المنظمة الوطنية الإسبانية لزراعة الأعضاء، إجراء 173,727 عملية زرع أعضاء صلبة خلال عام 2024، بزيادة 2 في المئة عن عام 2023، إلى جانب تسجيل 47,180 متبرعاً متوفياً. واستند التقرير إلى بيانات 92 دولة تمثل نحو ثلاثة أرباع سكان العالم.

وفي صورة منفصلة، قدّرت منظمة الصحة العالمية، استناداً إلى بيانات عام 2022، أن عمليات زرع الأعضاء المنفذة سنوياً لا تلبي سوى 10 في المئة أو أقل من الاحتياجات العالمية.

في الإمارات، أعلن وزير الصحة ووقاية المجتمع أحمد علي الصايغ، في 12 آب (أغسطس) 2026، أن عدد المسجلين للتبرع ضمن برنامج "حياة" تجاوز 39 ألفاً، وأن البرنامج ساهم في إجراء أكثر من 1,195 عملية زرع منذ إطلاقه.

وتعكس الأرقام اتساع التسجيل والثقة بالمنظومة، لكنها لا تعني أن المسجلين جميعاً أصبحوا متبرعين فعليين. كما أن عدد عمليات الزرع حصيلة تراكمية، وقد يشمل عمليات تمت بأعضاء من متبرعين أحياء ومتوفين.

وفي تونس، نُقِلت في 17 أيار (مايو) 2026 عن بثينة زناد، المسؤولة في المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء، تقديرات تفيد بوجود أكثر من 1,500 مريض على قوائم انتظار زرع الكلى، في مقابل نحو 16 ألف شخص مسجل للتبرع.

ولا تصلح هذه الأرقام لترتيب الدول العربية أو إجراء مقارنة مباشرة بينها، فبعضها يقيس المسجلين للتبرع، وبعضها يحصي عمليات الزرع التراكمية، فيما يقيس بعضها الآخر المرضى الموجودين على قوائم الانتظار. كذلك تختلف السنوات والفئات المشمولة وطرق جمع البيانات بين دولة وأخرى.

غرفة مخصصة لاستقبال المرضى في أحد المستشفيات (أ ف ب)

تختلف التفاصيل القانونية بين الدول. في المملكة العربية السعودية، ينظم نظام التبرع بالأعضاء البشرية الصادر في عام 2021 التبرع من الأحياء وبعد الوفاة، وتوثيق الموافقة، وحق المتبرع الحي في العدول، وضوابط موافقة الأقارب في الحالات التي يحددها النظام. كذلك يحظر الاتجار بالأعضاء وينظم قوائم الانتظار ويحمي حقوق المتبرعين والمتلقين.

ويتيح المركز السعودي لزراعة الأعضاء تسجيل الرغبة في التبرع إلكترونياً عبر قنوات رسمية، من بينها خدمة التبرع بالأعضاء المتاحة عبر تطبيق "توكلنا".

وفي الإمارات، ينظم المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2023، المعدل بالمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2025، التبرع بالأعضاء والأنسجة وزراعتها، مع حظر بيعها أو الحصول على مقابل مالي عنها. وصدرت مراسيمه التنفيذية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 61 لسنة 2026.

أما في مصر، فينظم القطاع القانون رقم 5 لسنة 2010، المعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2017. ويشترط نقل العضو من شخص متوفى وجود وصية موثقة وفق الإجراءات القانونية، إلى جانب ثبوت الوفاة في صورة يقينية بقرار جماعي من لجنة طبية ثلاثية مستقلة عن فريق الزرع ورعاية المتلقي.

يقول عامر، طبيب الجراحات العامة، "إن زيادة الاستجابة للتبرع تقتضي شرح معايير تشخيص الوفاة وآليات الموافقة، وتشجيع الأفراد على مناقشة قرارهم مع أسرهم، وتسهيل التسجيل والعدول عنه، وتدريب الطواقم على التعامل مع عائلات المتوفين. ويضاف إلى ذلك ضمان توزيع الأعضاء بشفافية وفق الحاجة والأولوية الطبية".

وفي 31 آب 2026، أكد وزير الصحة الأردني إبراهيم البدور لوكالة "بترا" أن إضافة خدمة تسجيل الرغبة في التبرع إلى تطبيق "سند" ستتبعها صياغة بروتوكول وطني ينظم الجوانب الطبية والقانونية والشرعية، بما فيها التعامل مع حالات الوفاة الدماغية.

وشدد البدور على الاستفادة من الإمكانات الطبية القائمة، ورفع كفاءة الكوادر، وتحديد أدوار الجهات المعنية، وتعزيز دور الإعلام. فالتسجيل الرقمي يعبّر عن الرغبة، لكنه يحتاج إلى منظومة طبية وقانونية قادرة على تحويل هذه الرغبة إلى عملية زرع فعلية.

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.