ترتبط زراعة البن في منطقة جازان بإرث ثقافي وزراعي متوارث، أسهمت البيئة الجبلية في استمراره عبر أجيال من المزارعين، لتصبح أشجار البن جزءًا من المشهد الطبيعي والاجتماعي في المحافظات الجبلية، ومكونًا يرتبط بحياة السكان وثقافة القهوة والضيافة في المملكة. وتعود زراعة البن في جنوب المملكة إلى أكثر من 300 عام، فيما تتركز زراعته في عدد من المناطق الجبلية، وتبرز جازان باعتبارها إحدى أهم مناطق إنتاج البن السعودي، حيث تنتشر مزارعه على المدرجات الزراعية في محافظاتها الجبلية، وفي مقدمتها محافظة الداير. وأسهمت طبيعة المنطقة وخبرات المزارعين المتوارثة في المحافظة على زراعة البن، إذ تمر الثمار بعدد من المراحل تبدأ بالعناية بالأشجار ومتابعة نموها، ثم قطف الثمار بعد نضجها، وصولًا إلى التجفيف والتجهيز، في دورة زراعية ارتبطت بحياة المزارعين في جبال جازان، وانتقلت خبراتها وممارساتها بين الأجيال. "ثقافة تتوارثها الأجيال" ولا تقتصر أهمية البن السعودي على قيمته الزراعية، إذ يرتبط بالقهوة السعودية وما تمثله من قيم الكرم والضيافة، التي تعد من الممارسات الاجتماعية الراسخة في المجتمع السعودي، فيما تتنوع طرق إعداد القهوة وتقديمها بين مناطق المملكة، بما يعكس تنوع الموروث الثقافي المحلي. ويمثل البن بالنسبة للمجتمعات الزراعية في المناطق الجبلية أكثر من محصول موسمي، إذ ارتبط بالأرض والعمل الزراعي وما تراكم حوله من خبرات وعادات، وأسهم استمرار زراعته في المحافظة على جانب من الموروث المحلي، في الوقت الذي انتقلت فيه القهوة من المنتج الزراعي إلى عنصر حاضر في المجالس والمناسبات الاجتماعية. كما أسهم الاهتمام بالبن في حضور المحصول ضمن المهرجانات والفعاليات المحلية، ومن بينها مهرجان البن في محافظة الداير الذي انطلق عام 2013م، وأصبح مساحة تجمع المزارعين والمنتجين والمهتمين بالمحصول، إلى جانب ما يتضمنه من برامج ثقافية وفنون أدائية وأسواق لعرض المنتجات، بما يعزز حضور البن بوصفه منتجًا يرتبط بالهوية المحلية للمنطقة. "إنتاج يتجاوز 642 طنًا" وإلى جانب قيمته الثقافية والتراثية، يمثل البن موردًا اقتصاديًا للمزارعين في المناطق الجبلية، مع تنامي الاهتمام بتطوير زراعته وتحسين جودة المحصول ورفع كفاءة الإنتاج، بما يعزز الاستفادة الاقتصادية من أحد أبرز المنتجات الزراعية المرتبطة بجبال جنوب المملكة. وبحسب بيانات نشرتها وزارة البيئة والمياه والزراعة في فبراير 2026م، تضم منطقة جازان أكثر من 966 ألف شجرة بن مثمرة، بإنتاج سنوي يتجاوز 642 طنًا من البن الصافي، لتتصدر مناطق المملكة في عدد الأشجار المثمرة وحجم الإنتاج. وعلى مستوى المملكة، يتجاوز عدد أشجار البن المثمرة 1.3 مليون شجرة، بإنتاج سنوي يزيد على 870 طنًا من البن الصافي، فيما تتواصل الجهود لتحسين جودة المحصول ورفع كفاءة الإنتاج ونقل التقنيات الحديثة إلى المزارعين، بما يسهم في استدامة زراعة البن وتنمية إنتاجه. ويجمع البن السعودي في جازان بين قيمة ثقافية متوارثة ومورد زراعي واقتصادي متنامٍ؛ فمن المدرجات الجبلية وعمليات الحصاد والتجفيف، إلى إعداد القهوة وتقديمها في المجالس، تستمر رحلة البن بوصفها جزءًا من علاقة الإنسان بالمكان، وموروثًا حافظت عليه أجيال من المزارعين، فيما تتسع اليوم فرص تنميته واستدامة إنتاجه.