البنتاغون يُقلّص جنرالاته… من يقود حروب أميركا الجديدة؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

البنتاغون يخفض 20% من مناصب الجنرالات والأدميرالات، ضمن إعادة هيكلة تراهن على الذكاء الاصطناعي وتثير أسئلة عن الخبرة وكفاءة القيادة العسكرية.

يدخل البنتاغون مرحلة جديدة من إعادة تشكيل هرم القيادة العسكرية. فقرار خفض 20% من المناصب المخصصة للجنرالات والأدميرالات تضعه الإدارة الأميركية في إطار تقليص البيروقراطية وتعزيز الكفاءة، فيما تثير الخطوة تساؤلات عن حدود الخفض الذي يستطيع الجيش الأميركي تحمّله من دون خسارة خبرات قيادية يصعب تعويضها سريعاً.

وأعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر، خفض المناصب المخصصة للجنرالات والأدميرالات بنسبة 20%، واصفاً الخطوة بأنها جزء من "المساءلة" داخل القوات المسلحة. ولا يعني القرار بالضرورة خروج العدد نفسه من كبار الضباط، إذ يمكن إلغاء بعض المناصب أو إسنادها إلى ضباط برتب أدنى.

وترفع الخطة الجديدة نسبة الخفض العام للمناصب العليا من 10% إلى 20%، على أن تُنجز بحلول مطلع كانون الثاني 2027. وكان هيغسيث قد وجّه في أيار/مايو 2025 بخفض 20% من مناصب الضباط ذوي الأربع نجوم في الخدمة الفعلية، والنسبة نفسها من الضباط الجنرالات في الحرس الوطني، إلى جانب خفض أوسع للمناصب العليا.

وجاء الإعلان بعد عام على خطاب مماثل وجّهه هيغسيث إلى كبار الضباط، انتقد فيه تضخم المؤسسة العسكرية وتركيزها على ما يصفه بأفكار "اليقظة" اليسارية، داعياً إلى إعادة توجيه الجيش نحو الجهوزية والقدرة على خوض الحروب.

وخلال جلسة تثبيته في كانون الثاني/يناير 2025، قال هيغسيث إن البيروقراطية داخل وزارة الدفاع أصبحت متضخمة وتحتاج إلى تقليص. وأضاف آنذاك أن مهمته تتمثل في تحديد المجالات التي يمكن الحد من الهدر فيها وتوجيه الموارد نحو تعزيز القدرات القتالية.

ولا تنفصل إعادة الهيكلة عن تحول أوسع في طريقة استعداد البنتاغون لحروب المستقبل. فقد أعلن هيغسيث خطة لإنشاء "قيادة الحرب الذاتية"، بقيادة ضابط من فئة أربع نجوم، بهدف تسريع تطوير المسيّرات والروبوتات والأنظمة الذاتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإدخالها إلى القوات المسلحة.

وستكون هذه أول قيادة قتالية أميركية جديدة منذ إنشاء القيادة الفضائية عام 2019، في مؤشر إلى الأهمية التي يمنحها البنتاغون للأنظمة الذاتية والمسيّرات والذكاء الاصطناعي إلى جانب منصات السلاح التقليدية.

وتوازياً، أطلق هيغسيث "Project Meridian"، بقيادة مشتركة للميلياردير الأميركي إيلون ماسك، ومؤسس شركة "أندوريل" بالمر لوكي، ورئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش، لدراسة مستقبل الحرب وتحديد الأسلحة والتكنولوجيات التي قد تحتاج إليها القوات الأميركية في العقود المقبلة. ومن المقرر أن يقدم الفريق خلاصاته خلال 120 يوماً.

ويقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة لـ"النهار" إن "هذا التقليص يعكس توجهاً نحو جيش أميركي أقل بيروقراطية وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إذ تسمح أنظمة القيادة والسيطرة الحديثة بتحليل المعلومات وتنسيق العمليات وتحديد الأهداف بسرعة وكفاءة وبتكلفة أقل، ما يقلل الحاجة إلى تعدد المستويات القيادية البشرية".

ويرى أن خفض أعداد المناصب العليا لا يعني بالضرورة تراجع الكفاءة العملياتية، وقد يساهم في تسريع اتخاذ القرار وتعزيز مرونة القوات، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والمسيّرات والحرب السيبرانية، مع بقاء القيادة البشرية ضرورية للقرارات الاستراتيجية والحساسة.

من جهته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور جيفري كرم لـ"النهار" أن التخفيضات "تعكس جهداً أوسع نطاقاً يهدف إلى تبسيط الهيكل القيادي للبنتاغون، والحد من التوسع البيروقراطي، وتركيز الموارد بشكل أقرب إلى الأولويات العملياتية".

إلا أن النتيجة، وفق كرم، ستتوقف على طريقة التنفيذ. فإلغاء المناصب العليا الزائدة فعلياً قد يحسّن عملية صنع القرار، فيما يحمل التقليص المفرط للقدرات القيادية مخاطر على التنسيق والذاكرة المؤسسية والرقابة الاستراتيجية.

أفراد من القوات المسلحة يستمعون إلى هيغسيث وهو يلقي الخطاب في قاعدة مشاة البحرية بكوانتيكو في فيرجينيا. (30 ايلول/ا ف ب)

ويضع أستاذ العلاقات الدولية البروفسور حسين الديك القرار ضمن "تغيير أوسع في فلسفة إدارة الجيش والقوات المسلحة الأميركية"، يتجاوز خفض حجم القيادة أو الإنفاق العسكري.

ويقول لـ"النهار" إن أحد أهداف الخطوة يتمثل في تقليل البيروقراطية وتعدد مستويات القيادة، بما يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر مباشرة، إلى جانب مواءمة حجم القيادة مع حجم القوات واحتياجاتها.

كما يربط الديك التغيير بالتركيز المتزايد على الجهوزية العملياتية والتكنولوجيا والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع إنشاء قيادة جديدة للإشراف على إدخال القدرات الذاتية والروبوتية إلى القوات المسلحة.

وعن تأثير الخفض على كفاءة الجيش، يرى أن النتيجة تعتمد بدرجة كبيرة على كيفية التنفيذ. فقد يؤدي تقليص المستويات القيادية إلى تسريع القرار ومنح القادة الميدانيين صلاحيات أوسع، إضافة إلى تحويل موارد من المقار والهيكليات الإدارية إلى التدريب والتجهيز وتعزيز الجهوزية.

في المقابل، يحذّر الديك من خسارة جزء من الخبرة المتراكمة، لأن "الجنرال أو الأدميرال لا يمثل مجرد طبقة إدارية، وإنما يحمل سنوات طوال من الخبرة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة العمليات المشتركة والتحالفات العسكرية".

ويشير إلى مخاوف أثيرت داخل الكونغرس من أن يؤدي تقليص القيادات العليا بوتيرة سريعة إلى خسارة خبرات يصعب استعادتها وإضعاف الاستمرارية داخل المؤسسة العسكرية.

وهكذا، لا تتوقف آثار قرار هيغسيث على عدد النجوم التي ستختفي من الهيكل العسكري، بقدر ما ترتبط بالمناصب التي ستُلغى فعلياً وتلك التي ستُخفض رتبها. فإذا أصاب التقليص طبقات إدارية متكررة، قد يصبح القرار أسرع والهيكل أخف. أما إذا امتد إلى مواقع محورية في التخطيط والعمليات المشتركة وإدارة التحالفات، فستصبح كلفة خسارة الخبرة جزءاً أساسياً من الاختبار الذي يواجهه الجيش الأميركي.