البقصمي تكتب سرديـة الفقد والنجاة في «تفاحة في هودج»
تقدم الكاتبة والفنانة التشكيلية الكويتية ثريا البقصمي في روايتها «تفاحة في هودج» عملًا سرديًا ينهض على الذاكرة والفقد والاقتلاع، مستعيدة حكايات نسائية عبرت طرقًا قاسية من الخوف والعبودية وتبدل الأسماء، قبل أن تبحث عن خلاصها الإنساني وسط عالم يمتحن قدرة الإنسان على البقاء. ومنذُ العتبة الأولى للرواية، تضع البقصمي قارئها أمام صورة رمزية مكثفة تفاحة حملتها ريح الأناضول المشبعة برائحة البارود إلى دوحة نخيل في البصرة ثم دحرجها القدر لتستقر في جوف هودج لتتحول التفاحة إلى علامة على البراءة الأولى وعلى الحكاية التي طال صمتها قبل أن تجد طريقها إلى البوح. تدور الرواية حول شخصيات نسائية تحمل ذاكرة مثقلة بالوجع وفي مقدمتها سيتا التي تستعيد طفولتها في قرية صغيرة في حضن الأناضول، حيث عاشت مع أختها التوءم ميرال في كنف أسرة تملك المزرعة والماشية. غير أن ذلك العالم الآمن يتشظى حين تُخطف الأختان، لتبدأ رحلة الفقد والانفصال، ويتحول غياب الأخت إلى جرح مفتوح لا يغادر الذاكرة. ولا تقف البقصمي عند حكاية سيتا وحدها، بل توسع فضاء الرواية عبر حكايات أخرى، من بينها حكاية نسانيت … مريان، التي تفرض عليها الحياة اسمًا جديدًا وكذلك… سلطان الحبشي. ومن خلال هذه الشخصية تلامس الرواية قسوة تبدل الأسماء ومحو الهوية الأولى حين يصبح الاسم جزءاً من القهر لا علامة على الذات. كما تحضر مرجانة في خط سردي آخر، إذ تنتقل من حضن أمها إلى بيت جديد بعد أن تُباع، لكنها تجد شيئًا من الطمأنينة في علاقتها بفاطمة قبل أن تتغير أحوالها تدريجيًا وتنمو قدراتها فيقرر سيدها نقلها للعمل في متجر الأقمشة. ومن خلال مرجانة ترصد الرواية تحولات المصير داخل فضاء اجتماعي غير متكافئ، حيث تتداخل القسوة مع فرص النجاة المحدودة. وتستعيد الرواية لحظات الخلاص عبر فصل «تفاحة الأمريكاني»، حين تصل الشخصية إلى المستشفى الأمريكي، المعروف محليًا باسم «الأمريكاني»، ليغدو المكان طوق نجاة يعيد إليها شيئًا من كرامتها وإنسانيتها، ويفتح أمامها بابًا للخروج من دائرة القهر إلى مساحة أرحب من الأمان. وتحضر البقصمي في هذا العمل بلغتها البصرية الواضحة، وهي الكاتبة التي تجمع بين الأدب والفن التشكيلي لذلك تبدو الرواية مشغولة بالصورة بقدر اشتغالها بالحكاية. فالمشهد عندها لا يُروى بالكلمات وحدها، بل يتشكل عبر اللون والرمز والإيقاع الداخلي للشخصيات، بما يمنح النص كثافة فنية وإنسانية في آن واحد. وتُعد البقصمي من الأسماء الخليجية البارزة التي جمعت بين القصة والرواية والشعر والفن التشكيلي، ومن إصداراتها: «العرق الأسود»، «السدرة»، «امرأة مكهربة»، «خواتم النسيان»، «سمكة تقود دراجة»، و«سيدة الكرتون». وبذلك تأتي «تفاحة في هودج» رواية عن الذاكرة حين تتحول إلى شهادة، وعن النساء اللواتي عبرن القهر بالصمت ثم بالحكي. وهي، في جوهرها، حكاية عن الإنسان حين يُنتزع من جذوره بما تبقى من اسمه وذاكرته وحقه في النجاة.