يصعبُ علينا ملاحقة جهود وزارة الثقافة، فقد امتدت جهودٌ عظيمة لولادة كبيرة خرجت من رحم هيئة التراث، حيث أطلقت الهيئة عدد من مراكز الزوار في مختلف مناطق المملكة،وهي بهذا العمل الثقافي تتجاوز مفهوم استدعاء المكان، لتقدّم تجربة تفاعلية فريدة من نوعها،تطرح من خلال ذلك العمل التقني المميز لجوانب فكرية ومعرفية وحضارية في سياق ثقافي تفاعلي متطور مرتبط بالتقنية الحديثة، وهذا التوجه من شأنه أن يحقق انسجاما بين كل العناصر التي تعرض داخل مراكز الزوار، لأنها تأتي بشكل متوالي وفي مركز واحد دون عناء الانتقال وتَكَبُدْ عناء الارتحال إلى المواقع المختلفة والمتباعدة جغرافيا،سواء كانت المواقع تتعلق بالآثار أو التاريخ وكذا الموروث الثقافي الممتد عبر عصور طويلة ومتلاحقة، وهذه النقلة النوعية تضع الزائر في متواليات حضارة الجزيرة العربية،وبالتالي تعزز دعم المهتمين بالتراث وتمضي بِهم في رحلة ممتدة عبر قاعات متعددة داخل مراكز مزودة بشاشات لمس كبيرة وتعمل عبر رسيفرات ذات سِعةٍ كبيرة وبإصدارات حديثة تحتوي على معلومات ثرية عن مناطق المملكة،وتوفر للزائر تجربة غنية تسمح للمستخدم بالتفاعل مع المحتوى بشكل مباشر وسلس، ومعزز باللغتين العربية والانجليزية،إلى جانب أن هناك قاعات تعرِض بعض الصور الجغرافية للمواقع الأثرية، وكذا القطع الأثرية مع فريق مختص يقوم باستقبال الضيوف والتعريف بالمركز ومحتوياته ومن تلك القاعات قاعة الانغماس التي تدمجك بصريا وذهنيا في بث ثلاثي الأبعاد تجعلك تنتقل من قاعة عادية إلى واقع الجغرافيا الخارجية بصوت مسرحي يشدك ليصل المعنى إلى أقصاك،والجميل أن مركز زوار قرية ذي عين يستهويك بملامحه الجمالية حيث صمم بواجهات حجرية مستوحاة من القرية الأثرية التابعة لمحافظة المخواة بمنطقة الباحة، مما منح المركز طابعا معماريا متلائم مع البيئة المحيطة،وحسب تجربة لي قمت بها مؤخرا في المركز منحتني فرصة العيش لتجربة ثرية، فالمركز مزود بمحتوى فني دقيق،مع دقة متناهية في التصوير الذي قارب من واقع حقيقة المثمنات الثقافية والجغرافية، وصوت منساب بين الهمس والضجيج حسب حالة العرض والمواقع الجغرافية ومساراتها التاريخية، لأن تلك القاعات رصدت بوعي البيئات المختلفة بالمنطقة،وتُحدِث بالغ الأثر في الزائر بما تضيفه من معارف عن المنطقة،حتى غدا المكان مستحقا للزيارة بموقعه الأصلي للوقوف على أبعادة وتضاعيف ثناياه،نظرا لما يحتويه من جوانب تاريخية تستحق أن نعيشها على أرض الواقع، وعلى الصعيد الشخصي كم كنت ممتنا لتلك الجهود التي تقدم إيضاحات تفصيلية عن سياقات تاريخية وثقافية، مع شرح وافٍ يضعك ضمن دائرة الجغرافيا والتاريخ ويخرج الزائر بتراكم معرفي عن مواقع متعددة ومختلفة في منطقة الباحة لاسيما أن مركز ذي عين جاء على أكناف الجبل الذي تقع عليه القرية التراثية بمداها الفارع الذي تشعر بأنها تجاور القمر،الأمر الذي ساهم في دمج ملامح المركز مع تفاصيل القرية وزاد من حيويته،ليتداخل مع المحيط ليمتلئ المشهد البصري بتدفق الجمال،وعلى ذات المنوال نجد ذلك في بقية مراكز الزوار في اغلب مناطق المملكة بمحتواها الثري أن هذا التوجه الثقافي والحضاري لم يكن بمحض الصدفة أو التلقائية المطلقة بشكلها العفوي الخارج عن التخطيط والتنظيم، بل أن هناك إسهاما لتدخّل العقل البشري والتخطيط المسبق لاستشراف أفق المستقبل،وتوافق ذلك مع راهن المرحلة ومع مستهدفات رؤية الوطن، وهذه المنظومة من المراكز هي في واقعها تعيد جذوة الحياة الثقافية والحضارية ووهج قوتها على مستوى المملكة والخليج،مما يتيح جوهر المعنى للثقافة العربية، ولتكون لنا المساحة الأكبر لتنوع الاقتصاد واتساع دائرة المال وشغل الوظائف المختلفة، إلى جانب ما ستحدثه من تعزيز للهوية الوطنية واستقلال لشخصية متوثبة تثق في تراثها وحجم مقدراتها، لنفاجئ العالم من جديد بهذه القفزات العملاقة، ونعكس من خلالها مدى قدرة وعينا وحجم أفكارنا التي احتوت الثقافة والتاريخ ومساحة الجغرافيا،لتساهم تلك المراكز بالوعي الحضاري والفكر الثقافي الذي يلتقي بأصالته مع إرث الإنسانية.