البطريرك الحويك، والأرثوذوكس في لبنان الكبير بين الاعتراض والانخراط!

"مَن يظن انه عندما يَعبُر مِن وادي خالد في عكار إلى سهل حمص انما يجتاز إلى بلد آخر هو واهمِ ولا يَعرف في التاريخ شيئاً". هذا القول يَنسُبه الأكاديمي المؤرِّخ كمال ديب في احدى تدويناته للمطران جورج خضر، الذي هو لنا شخصية كنسية وفكرية فريدة وعلامة فارقة رائدة لم تقبل التسطيح، بل بَحثَت في كل شيء عن الدسامة الجوهرية، وفي الدسامة وجه المسيح. يَختصِر كاتب "لو حكيت مسرى الطفولة" في عيشه ومسيرته واستيلاد فكره، هذا الموقف الدفاعي المُستقيم الذي أحاول تسطيره في هذه المقالة عن الانخراط الأرثوذوكسي بلبنان الكبير والالتزام به، وضرورات تجديده في زمن اليوم، زمن المحنة والتفكك والتسطيح. فالمِحوري الذي تعلمته من جورج خضر يُختصر بكلمة "المُلتقى" ، أب منهجية البحث عن نقطة المُلتقى في حياة الأشخاص والشعوب والأوطان. منهجية السعي للتلاقي والتقارب والتضافر هذه لا تقوم على التعمية على التجاذبات والتيارات المتناقضة، بل على تخطيها لما هو أسمى. فمنهجية الإبحار من المهم إلى الأهم، هي مفصلية في حياة الوطن من أجل صنع النموذجية الهادفة. يختصر جورج خضر هذا السعي. فهو طرابلسي المَنشأ، وليد هذه المدينة الساحلية الكوزموبوليتية، المُنفتحة على كل التيارات والتجاذبات شرقاً مِن وفي الداخل السوري والعربي، وغرباً مما وراء هذا البحر المتوسطي الكبير الواسع، وهو الذي دَرَسَ اللاهوت الأرثوذوكسي في معهد القديس سيرجيوس في باريس في اربعينيات القرن الماضي وانفتح على التيارات الفكرية واللاهوتية الروسية دون أن ينسى تيارات العالم الأرثوذوكسي اليوناني. جورج خضر بحث عن تجديد مجد أنطاكية العظمى، فأسَّس حركة الشبيبة الأرثوذوكسية مع حفنة مِن المُثقفين الأرثوذوكس اللبنانيين والسوريين، وأمسى لسنوات طويلة مطران جبل لبنان، حاملاً لقب "مطران لبنان"، كما كانت التسمية قبل ولادة لبنان الكبير في 1920 وبقيت بعض الشيء بعدها، نِسبَة إلى جغرافيّة نظام المتصرفية المتمحورة على مناطق جبل لبنان دون بيروت والساحل والبقاع. قد يكون قول المطران خضر صائباً تاريخياً مِن ناحية التداخُل والترابُط التاريخي الجغرافي والمجتمعي والثقافي والديني والكنسي لمناطق ومكونات في المشرق التي، لكونها كانت جزءاً مِن مُغلَّفات أمبراطورية مُترامية الأطراف، لم تكن تَعرِف مَعنى هذه الحدود الجغرافية الدستورية الفاصِلَة بين منطقة وأخرى، والتي تم استحداثها بفعل اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية بُعَيد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية العثمانية. لكن هل يَحمُل قوله إشارة ما لاعتراض أرثوذوكسي على كيانية دولة لبنان الكبير كما نشأت في 1920 كدولة-امة دستورية، وكما تم ترسيم حدودها الجغرافية الدستورية من قِبَل الفرنسيين؟ هل بقي عالقاً في أذهان الأرثوذوكس، بين الأمس واليوم، وإلى اليوم، امتعاضاً أرثوذوكسياً على الطريقة التي تمَّ فيها توسيع حدود المتصرفية اللبنانية لتشمل بيروت ومدن الساحل والبقاع وبعض المناطق الأخرى التي ضُمَّت إلى لبنان الكبير لكونها ضرورية له من ناحية التكامل الاقتصادي والحيوي، دون مناطق أخرى ذات ثقل ديمغرافي أرثوذوكسي التي بقيت خارج الحدود الجغرافية الدستورية اللبنانية؟ المُفارقة اليوم، أن تطويب طوباوي دولة لبنان الكبير الساعي إلى قيام دولة لبنانية مركزية فيها الوحدة والتنوع والمواطنة، يطرح أيضاً أسئلة جوهرية عند بعض الموارنة. فالتطويب يتم في زمن تراجع الوعي المسيحي الوطني في لبنان حول خيار لبنان الكبير وفي زمن انفجار الخصوصيات في الشرق، وتنامي المِسيانيات الدينية السياسية الهوياتية التي تستعملها وقوداً للتقسيم. الأخطر، في لبنان، هي هذه الانفصامية اللبنانية الحالية، بحيث أن أكثرية من حضر حفل تطويب طوباوي دولة لبنان الكبير يعتبر أن خيار البطريرك كان خاطئاً ويُنادي بالفدراليات على أنواعها التي تنطلق من معادلة سلبية، أن الآخر لا يشبهنا، في حين كل جهد البطريرك الحويك كان مُنصباً بالاتجاه المُعاكس أب كيفية إدخال الأضلع المتعددة المسيحية والإسلامية لتتعايش في سفينة واحدة ضمن دولة القانون والمؤسسات. مع الأسف، نحن الشرقيين، لا نقرأ، بالأمس كما اليوم، بجدلية الثابت والمتحرك فينا وفي التحولات الاستراتيجية وكيفية استباقها لدرئها والتموضع الذكي معها. بل نتمركز دائماً في التلقي، يُباشَر فينا، ولا نُباشر إلى المُبادرة والاستباق، ولا نستنبط مجرى وأبعاد التخطيط الاستراتيجي الذي يطالنا، ولا بخريطة الأخطار الوجودية التي تستهدفنا، ولا بأسُس التوجهات العامة الجيوسياسية والقانونية والمجتمعية المتدحرجة علينا في هذا الشرق من نواحٍ عدة إقليمية وعالمية. بل نهتم بالقصة الصغيرة، ولا نقرأ بسردية القصة الكبيرة التي تتسلط علينا، وهذا ما حدث بالأمس ويحدث اليوم. فنحن الشرقيين نقرأ التاريخ بانتقائية ونحاكم بالنوايا ولا نحتكم إلى الذكاء والعلم والبحث والتوثيق، نُشَخصِن قادتنا الدينيين والمدنيين ونعتقد أن لهم، على كِبَر قامة هامتهم، قدرة تأثير لتغيير مجرى التوجهات الأساسية الجيوسياسية والدستورية التي تحكم الفترات التاريخية التي يمر بها الشرق، ونتوَهَّم أننا فاعلون فيها، في حين أننا مَفعولٌ بنا. نُرَكِّز على الشخصنة ولا نغوص في أبعاد تعقيدات الظرف والتحولات، وتناقضات حيثيات الأشخاص والمؤسسات والمجتمعات التي تحضنها. فلا بد من قراءة فريدة وجريئة لخيارات قامتين كبيرتين محببتين على قلبي وفكري، هما البطريرك الماروني الياس الحويك والبطريرك الأرثوذوكسي غريغوريوس الرابع حداد. فصيغة التعايش اللبنانية لم تأت في 1943 من عَدَم ومن عبث، بل من تجربة المتصرفية ومن شخصيات مسلمة ومسيحية، وبالأخص من بطاركة آمنت أن رغيف الخبز في شرقنا العزيز لا يُكتب عليه مسيحي أو مسلم، بل الأخ الإنسان. فكما فعل البطريرك الماروني المطوّب في لبنان عند المجاعة، كذلك فعل البطريرك غريغوريوس الرابع حداد الأرثوذوكسي، ابن عبيه، في المريمية في دمشق. كلاهما فتح أبواب الكنائس للفقراء والمحتاجين. كلاهما سخَّر أوقاف الحجر لخدمة البشر دون تمييز بين مسيحي ومسلم. فكما فعل الحويك مسخراً أوقاف الكنيسة لخدمة المحتاجين في زمن المحنة، كذلك فعل غريغوريوس الذي باع صليبه المُرصَّع الذي أهداه إياه قيصر روسيا في 1913 عندما ترأس في موسكو البطريرك الأنطاكي المئوية الثالثة لاعتلاء عائلة رومانوف لعرش موسكو، ليشتري أطناناً من الطحين. وعند رقاد البطريرك الحويك صرخ آلاف اللبنانيين "مات البطريرك القديس"، وفي جنازة البطريرك غريغوريوس سار أكثر من 50 ألف دمشقي وراء نعش هذا اللبناني، مُنادين للبطريرك "غريغوريوس حداد بطريرك النصارى وإمام المسلمين".لكن كان أيضاً لهذه الهامات الكبيرة، خيارات سياسية يجب أن نقرأ فيما لها وما عليها، بجرأة وبدون انتقائية. فهل كان للبطريرك الحويك، بالرغم من قامته الوطنية والكنسية الكبيرة وعلاقاته الدولية والفرنسية، القدرة الكافية ليقوم بدور مُحرّك ومُوَجِّه للسياسية الفرنسية للوصول إلى النتيجة التي قضم بعدم ضم وادي النصارى للبنان الكبير وتغيير الخرائط الفرنسية؟ لا توجد على حد علمي وثائق ومراسلات تشير إلى ذلك أو لقدرة لبنانية مُنهكة بعد الاحتلال العثماني والمجاعة ومآسي الحرب العالمية الأولى، لفرض هكذا مطالب. لا بل العكس، كل شيء يشير إلى أن السياسة الفرنسية التي كانت مرسومة منذ المتصرفية، هي التي هندست ديمغرافية معينة للبنان الكبير. وهذا المسعى بدأ منذ تدخل المندوب الروسي القيصري في مفاوضات إنشاء نظام المتصرفية بعد أحداث 1860، عندما استطاع بالرغم من المعارضة الفرنسية، أن يُدخل الكورة، ذات الثقل العددي الأرثوذوكسي، في عداد القائمقاميات الست التي كوَّنت نظام المتصرفية اللبناني المضمون دولياً، ما جعل الأرثوذوكس على تماس مباشر مع القرار المركزي اللبناني منذ 1861. السياسة الفرنسية كانت تقضي بدعم المكون الماروني التي هي على علاقة تاريخية معه منذ الملك لويس التاسع وأرادت تثبيت هذه العلاقة من خلال هندسة ديمغرافية تجعل الموارنة المكوِّن المُتقدِّم وليس الأوحد، في دولة لبنان الكبير كدولة أمة تعددية إسلامية مسيحية، والاقتصاص بنفس الوقت، من الأرثوذوكس، بسبب مواقفهم. فالبطريرك الأرثوذوكسي الأنطاكي المميز على أصعدة عدة، غريغوريوس الرابع حداد، اللبناني ابن عبيه، كان أيضاً عالماً ببعض من كل هذه التحولات والتجاذبات وتعقيداتها. فالتوجه الاستراتيجي الأول للبطريرك يكمن في أنه كان أقرب، بسبب تعقيدات العلاقة مع الكرسي الأرثوذوكسي المسكوني في إسطنبول، إلى تأثيرات روسيا القيصرية التي استطاعت في 1860، تحصيل موقع متقدم للأرثوذوكس على طاولة حكم وقرار المتصرفية. لكن جاءت الثورة البولشيفية لتضعف القربى الروسية مع البطريركية الأرثوذوكسية الأنطاكية. أما التوجه الاستراتيجي الثاني، فكان قربه من الأمير فيصل ابن الشريف حسين، ودعمه قيام الدولة العربية بقيادة الأمير كما يتبين من وثائق لجنة استقصاء كينغ كرين، حيث أعلن أيضاً أفضليته، إذا كان لا بد من الانتداب، أن يكون بريطانياً وليس فرنسياً. فجاء سقوط المملكة العربية السورية بعد معركة ميسلون، لينهي التوجهات العربية للبطريركية. هل لعبت كل هذه التوجهات الأرثوذوكسية دوراً في الموقف الفرنسي القاضي بترسيم حدود لبنان الكبير وبعدم ضم وادي النصارى السوري إليه؟ هل كانت الخيارات الأرثوذوكسية، بالرغم من مَبدئيتها والقيم التي تحركها، غير مدروسة وبالتالي غير رابحة؟ قد لا يكون عجب بذلك كون أن عيش الأرثوذوكس المشرقيين تاريخياً كان في ظل "الإمبراطوريات" ذات الوَساعة الجغرافية، البيزنطية ثم العثمانية ومن ثم الروسية القيصرية، جعل البعض منهم حينها غير قارئ للتوجه العام التدريجي الذي كان في مجاري السياسية الدولية، القانوني والجيوسياسي، نحو الدسترة ونحو تغليب أسُس منظومة "الدولة الأمة" الويستفالية المُحددة بجغرافيات جديدة يتم رسمها وتثبيتها دستورياً، على منظومة «الدولة الإمبراطورية" المترامية الأطراف التي لا حدود دستورية لها. فهل التموضع الأرثوذوكسي كان ممكن أن يكون مختلفاً لو تمت القراءة الأرثوذوكسية الاستراتيجية بدقة لكل هذه التحولات والهندسات الدستورية والديمغرافية التي ستطالهم من ضمن دول جديدة، بدأت بوادرها منذ فترة منتصف القرن التاسع عشر، مع بدايات ضعف السلطنة العثمانية، وصعود الضغط الفرنسي والبريطاني عليها مع الامتيازات والتنظيمات القانونية الإصلاحية للسلطنة؟قد يكون هناك مشروعية ما لهكذا بحث تاريخي لمعرفة أكثر للنوايا والسياسات ومن أجل تنقية بنَّاءة للذاكرة التاريخية. لكن لا بد من عدم التمادي في التشكيك بانتماء الأرثوذوكس للبنان الكبير وبانخراطهم به بالرغم من التنوع السياسي الأرثوذوكسي، ومساهماتهم الجمة في ديناميكية تدعيمه وبناء الدولة اللبنانية، دولة القانون والمواطنة منذ أكثر من مئة عام. الأهم اليوم، في زمن الأخطار الوجودية في لبنان، وبالأخص في سوريا، هو الدعوة لبصيرة وطنية أرثوذوكسية مُتجددة تضع الأمور في نطاقها الأوسع والأشمل، لأنه في جدلية المهم والأهم، يجب دائماً الإبحار مِن المُهِمّ إلى الأهَمّ من أجل تثبيت الوحدة الوطنية الديمقراطية اللبنانية لتكون من جديد نموذجاً في المشرق. فأرثوذوكس لبنان مؤمنون بمشروعية سردية لبنان التاريخية، وبمحورية الميثاق، وبضرورة ترجمته في الأطر الدستورية والقانونية للدولة الأمة، دولة لبنان الكبير. ويؤمنوا أيضاً أن إنشاء دولة القانون، دولة الوحدة والتنوع التي تجمع كل أضلعه، هي التجربة الوحيدة التي يمكن أن تكون نموذجية لمجتمعات الشرق. أين الأرثوذوكس في لبنان اليوم من القراءة الاستراتيجية في زمن التفكك الذي يُهدِّد الجميع في الشرق بأخطار وجودية؟ كما في الأمس، المطلوب اليوم من كل القيادات الدينية والمدنية، والأرثوذوكس في طليعتها، أن تقرأ جيداً التحولات الجيوسياسية والمجتمعية الجارية اليوم التي تؤثر في إحداثيات الواقع والمستقبل وأن تقرأ الأخطار الوجودية في لبنان، وبالأخص في سوريا. فزمن البطريرك الحويك، كان زمن إدخال الشرق بجيوسياسية وجغرافية سايكس بيكو وزمن تغليب كيانات دستورية مركزية جديدة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المتهاوية. هل نعي اليوم، أن دولاب التاريخ يُهدِّد بالعودة إلى الوراء، وأننا في زمن الخروج من جيوسياسية سايكس بيكو والدولة المركزية؟ يشهد على ذلك، كل مسلسلات ضرب سردية الوحدة والتنوع، وعمليات تفكيك الدولة المركزية من خلال تفجير كل الخصوصيات، ومخططات تغيير هوية الأرض من خلال سلاح الديمغرافيا. هل نعي انه زمن عودة وصراع النيو أمبراطوريات الميسيانية الطابع، اليهودية، السنية والشيعية، ما يفتح خرائط الشرق على كل الاحتمالات؟ ألم تربط إيران مدعومة من المحور التحالفي السني الجديد، باكستان تركيا السعودية وقطر، ورقة وقف إطلاق النار في لبنان مع مفاوضاتها مع واشنطن؟ ألم تفرمل تركيا النيو عثمانية عملية واشنطن للدفع بسوريا الشرع للتدخل في لبنان، وتحاول أن تجد حلاً لوضع لبنان معتبرة أن أمن لبنان وسوريا من أمن تركيا القومي؟ ألم تُدرِج وزارة الخارجية الإسرائيلية جنوب لبنان كأرض إسرائيلية في رسم تم توزيعه؟ من اين الانطلاق؟ قد يكون من المفيد العودة للتأمل الكنسي والسياسي ببعض كلمات المطران خضر، الذي يذكرنا أن في الكنائسيات الأرثوذوكسية "القومية لا تدخل في الكنيسة"، وهو الذي نفى في أطروحته اللاهوتية المعنونة "فكرة شعب الله في العهد القديم"، أب ربط بين ارض وشعب، والإيمان، وهو يُميِّز في مواقفه وكتاباته بين اليهود والصهيونية. "فلم تكن الأرض مطوّبة في تلك الأيّام لشعب معيّن. وهذا كلّه تغيّر في المسيح، لم يبقَ مع مجيء المخلّص من وعود أرضية أو سياسيّة لأحد من الناس، أو لشعب ما. المسيح نفسه هو ميراثنا، وهو الملك والملكوت. كل شيء بعده بات له معنى روحي. القومية لا تدخل في الكنيسة". كلماته في "لبنانيات" قد تختصر الثوابت وتشكل خطة طريق للوعي المطلوب اليوم حين يقول: "ويرفعني على الصليب أن هذا اللبنان هكذا. بلد جميل، وشعبه على شيء من الفطنة والحيوية، وأمور أخرى، لكنه بحاجة إلى رعاية. مُنع من الاكتمال والنضج. كان يقتضي التعامل معه بوصفه طفلاً. أبوه الشرعي، الموارنة، كان عليه أن يحضنه ويرعاه من حبّه المسيح وكنيسته. الآخرون، الأرثوذوكسيون والمسلمون، الذين ارتضوا فيه ودخلوه أفواجاً بعدما بات كبيراً ثم عندما صار جمهورية الوفاق الوطني، كان عليهم أن يحموه ويسهموا في نضجه. الخوف دبَّ في الجميع. الثقة لم تعد متبادلة، فحضرت الأشباح وطارت العصافير. هذا البلد الذي يمثّل نموذج العروبة البيضاء صار ساحة لعجز العرب. صار صندوق بريد مفخخاً وطريقاً في اتجاه سير واحد: التدخل الأجنبي. هذه الواحة المتنوّعة، مرآة السماء، لا شك تُسهم إسرائيل في تكسيرها، تريد لها قطعاً متناثرة ترى أحاديتها في كلّ منها على حدة "أكثر من أب يوم مضى لا بد من تجديد التمييز الأرثوذوكسي الاستراتيجي في زمن المحنة، للخروج من التلقي إلى الاستباق والمبادرة. على الأرثوذوكس الخروج من حالة الانكفاء ليبحثوا مجدداً عن البوصلة الوطنية التي تعيد الزنبرك إلى دورهم الريادي والنموذجي في لبنان، دور الطائفة الجسر، طائفة الصلة والوصل والتواصل بين المكونات اللبنانية، الطائفة النموذجية التي كانت تعمل، ويجب أن تعمل من جديد، عكس التيار السائد، لبناء نموذجية أخلاقية وطنية خالية من الفساد، تبني دولة القانون والمواطنة، وتدعم مناهج العلمانية الإيجابية في الدولة، فلا يتدحرَجَ فيها الدين إلى التديُّن والى مزيد من الطائفية والمذهبية السياسية، بل دولة تساوي الجميع بالحقوق والموجبات، وتفصل الدين عن الدولة دون فصله عن المجتمع.