البحرية الأميركية تضخ 139 مليون دولار
لتطوير صواري الغواصات وتعزيز التخفي تحت الماء

تواصل البحرية الأميركية تحديث أسطولها من الغواصات النووية عبر إدخال تقنيات استشعار وتصوير متقدمة تهدف إلى تعزيز قدرة الغواصات على مراقبة محيطها من دون التخلي عن أهم عناصر قوتها، وهو التخفي. وفي أحدث خطوات هذا المسار، منحت البحرية شركة إل 3 هاريس تكنولوجيز عقداً بقيمة 139 مليون دولار لمواصلة توريد صواري منخفضة الارتفاع لغواصات فئتي «فيرجينيا» و«كولومبيا». ويأتي العقد في وقت تتعامل فيه البحرية الأميركية مع الغواصة باعتبارها منصة تجمع بين التخفي والاستطلاع والضربات بعيدة المدى والردع النووي، فيما تتجه برامجها المستقبلية إلى دمج أجهزة الاستشعار والاتصالات والإلكترونيات في منظومات أكثر تكاملاً، تقلل الحاجة إلى اختراق هيكل الغواصة وتمنح الطاقم قدرة أكبر على مراقبة البيئة البحرية من داخل غرفة القيادة. وبحسب إعلان شركة «إل 3 هاريس» في 21 سبتمبر، فإن العقد الصادر عن قيادة الأنظمة البحرية التابعة للبحرية الأميركية يتصل بمواصلة توريد أنظمة الصواري منخفضة الارتفاع «LPM» للغواصات من فئتي «فيرجينيا» و«كولومبيا». وستعمل الشركة، بصفتها المقاول الرئيسي وجهة التصميم، على تقديم الدعم الهندسي لأنظمة الصواري من الطرازين 20 و24، بما يشمل مراحل التصميم والاختبار وصولاً إلى التسليم للأسطول. المستشعر الرقمي يمثل الصاري منخفض الارتفاع تحولاً مهماً في الطريقة التي ترى بها الغواصة العالم الخارجي. فبدلاً من المنظار التقليدي الذي يرتبط بصورة مباشرة بغرفة القيادة ويحتاج إلى اختراق هيكل الضغط، تستخدم الغواصات الحديثة صواري مزودة بأجهزة تصوير واستشعار إلكترونية يمكن رفعها فوق شراع الغواصة عند الحاجة ثم إنزالها سريعاً بعد انتهاء المهمة. وتوضح البحرية الأميركية أن غواصات «فيرجينيا» استبدلت المناظير التقليدية بصاريين بصريين يستضيفان كاميرات رقمية تعمل في نطاقي الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، ومثبتة على أذرع تلسكوبية. وأتاح هذا التصميم نقل غرفة التحكم إلى مستوى أدنى داخل الغواصة، بعيداً عن انحناء هيكل الضغط، وهو ما وفر مساحة داخلية أكبر وحسّن ترتيب غرفة القيادة ورفع مستوى الوعي بالموقف لدى قائد الغواصة. وتؤكد «إل 3 هاريس» أن أنظمة الصواري منخفضة الارتفاع التي يجري توريدها للبحرية توفر تصويراً عالي الدقة في الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، إلى جانب مجال رؤية بزاوية 360 درجة وقدرات بصرية واستشعارية محسنة. ولا تعني هذه التقنية أن الغواصة تصبح غير قابلة للرصد، لكن فلسفة التصميم تقوم على تقليل البصمة المرتبطة بعملية المراقبة، وإبقاء الغواصة في وضع أكثر ملاءمة للتخفي أثناء جمع المعلومات. وهنا تكمن أهمية الصاري الجديد. فالغواصة لا تحتاج إلى الظهور فوق سطح الماء لكي تحصل على صورة واسعة للبيئة المحيطة، بل ترفع المستشعرات لفترة محدودة، تجمع البيانات المطلوبة، ثم تعيدها إلى وضع منخفض. وتتحول بذلك عملية الرصد من إجراء بصري تقليدي إلى جزء من منظومة إلكترونية أوسع تجمع المعلومات وتعرضها للطاقم داخل الغواصة. «فيرجينيا».. منصة متعددة المهام لا ينفصل تحديث الصواري عن طبيعة المهام التي تؤديها غواصات «فيرجينيا». فالبحرية الأميركية تصنفها غواصات هجوم نووية متعددة المهام، قادرة على تنفيذ عمليات ضد الغواصات والسفن السطحية، وتنفيذ ضربات بصواريخ «توماهوك»، ودعم القوات الخاصة، والاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات، إضافة إلى مهام الألغام والعمليات الساحلية والمياه العميقة. وتشير بيانات البحرية المحدثة في نوفمبر 2025 إلى أن 24 غواصة من فئة «فيرجينيا» كانت قد دخلت الخدمة، مع استمرار بناء غواصات جديدة من الفئة، فيما تمتد عملية الإنتاج إلى الكتل المستقبلية، ومنها «بلوك 6» و«بلوك 7». وتبلغ إزاحة الغواصة نحو 7800 طن وهي في حالة الغمر، ويصل طولها إلى 377 قدماً، وتعمل بمفاعل نووي واحد ونظام دفع بمحور واحد. وتكمن أهمية هذه القدرات في أن الغواصة الهجومية لا تعمل بوصفها منصة إطلاق صواريخ فحسب، بل كأداة استطلاع طويلة البقاء قادرة على الاقتراب من مناطق العمليات وجمع المعلومات بصورة خفية، قبل أن تستخدم أسلحتها أو تنقل البيانات إلى منظومات أخرى. وقد عززت البحرية هذه القدرة في النسخ الأحدث من «فيرجينيا» من خلال «وحدة الحمولة فيرجينيا»، التي تسمح للغواصات من الكتل الحديثة بحمل عدد أكبر من صواريخ «توماهوك» والحمولات المستقبلية. وتوضح البحرية أن وحدات الحمولة في الغواصات من «بلوك 5» تضيف أربعة أنابيب كبيرة، ويمكن لكل منها حمل سبعة صواريخ «توماهوك»، بما يزيد القدرة الصاروخية للغواصة بـ28 صاروخاً في هذه الوحدات. «كولومبيا».. الردع النووي في جيل جديد أما غواصات «كولومبيا»، فتحتل موقعاً مختلفاً داخل الاستراتيجية الأميركية، لأنها تمثل الجيل المقبل من غواصات الصواريخ الباليستية النووية التي ستخلف غواصات «أوهايو». وتقول البحرية الأميركية إن برنامج «كولومبيا» يمثل أولوية قصوى في منظومة الاستحواذ البحري، وإن الغواصات الجديدة ستوفر الجزء الأكثر قدرة على البقاء من عناصر الثالوث النووي الأميركي. ويتكون البرنامج من 12 غواصة على الأقل لتحل محل القوة الحالية المكونة من غواصات «أوهايو» التي بدأت تقترب من نهاية أعمارها التشغيلية. وقد أقيمت مراسم وضع عارضة أول غواصة من الفئة، «يو إس إس ديستريكت أوف كولومبيا»، في 4 يونيو 2022. وأكدت قيادة الأنظمة البحرية الأميركية أن الغواصة الأولى جزء من برنامج يضم 12 غواصة لتحل محل غواصات «أوهايو» الأربع عشرة، التي يبدأ خروجها التدريجي من الخدمة اعتباراً من 2027. وتختلف «كولومبيا» عن «فيرجينيا» في الوظيفة الأساسية. فالأولى مخصصة للردع النووي الاستراتيجي، بينما الثانية غواصة هجوم متعددة المهام. لكن إدخال التكنولوجيا ذاتها، ومنها الصواري منخفضة الارتفاع، يعكس اتجاهاً أميركياً نحو توحيد البنية التقنية والاستفادة من التطورات في مجال الاستشعار والتصوير والاتصالات عبر أجيال مختلفة من الغواصات. وتشير البحرية إلى أن غواصات «كولومبيا» ستعمل بمفاعل نووي مصمم للعمل طوال عمر السفينة، وهو ما يقلل الحاجة إلى إعادة التزويد بالوقود خلال دورة الخدمة ويحد من فترة الصيانة الرئيسية في منتصف العمر التشغيلي. كما أن الغواصة مصممة للاستمرار في أداء دورها ضمن الردع النووي البحري حتى عقود متقدمة من القرن الحالي. استثمار في «العين» قبل السلاح أهمية عقد الـ139 مليون دولار تتجاوز قيمة الصفقة نفسها. فالبحرية الأميركية تستثمر في الغواصة باعتبارها منظومة متكاملة، وليس هيكلاً يحمل الأسلحة فقط. ويصبح المستشعر جزءاً من القوة القتالية عندما تكون القدرة على اكتشاف البيئة البحرية وتفسيرها واتخاذ القرار أسرع من قدرة الخصم على اكتشاف الغواصة. وهذا يفسر الاتجاه نحو أنظمة التصوير الرقمي والأشعة تحت الحمراء والاتصالات المتقدمة. فالغواصة الحديثة تحتاج إلى معرفة ما يحدث حولها مع الحفاظ على أقل قدر ممكن من البصمة التي يمكن أن تكشف موقعها. وكانت قيادة الأنظمة البحرية الأميركية قد أدرجت أنظمة الصواري منخفضة الارتفاع من الطرازين 20 و24 ضمن خطط الاستحواذ الخاصة بغواصات «فيرجينيا بلوك 6» و«كولومبيا بلوك 2»، ما يوضح أن الصفقة الجديدة ليست مشروعاً منفصلاً، بل جزء من مسار تحديث مخطط له منذ سنوات. وتكشف هذه الخطط أن تطوير الغواصة الأميركية يجري على أكثر من مستوى في وقت واحد: الهيكل والدفع، وأنظمة السونار، وإدارة القتال، والحرب الإلكترونية، والاتصالات، والتصوير، والحمولات والأسلحة. وفي فبراير 2026، أعلنت «إل 3 هاريس» أيضاً حصولها على عقد إنتاج كامل لأنظمة اتصالات لصالح غواصات «فيرجينيا» و«كولومبيا»، يشمل 26 مجموعة من الأنظمة للسفن، مع استمرار الإنتاج حتى 2033 وفق الإعلان. وذكرت الشركة أن هذه الأنظمة تستهدف تحسين الوعي بالموقف والاتصالات داخل الغواصات. وفي يوليو 2026، أعلنت الشركة حصولها على عقد آخر لتوفير أنظمة مراقبة البطاريات لبرامج الغواصات نفسها، بما يسمح بتقييم حالة البطاريات بصورة آنية ومساعدة القادة على تحسين استخدام المنظومات الكهربائية أثناء المهمات. وتكشف هذه العقود المتتابعة عن صورة أوسع: الولايات المتحدة لا تحدث جزءاً واحداً من الغواصة، بل تبني طبقات متتالية من القدرات الإلكترونية التي تعمل معاً داخل منصة واحدة. من الغواصة إلى الصاروخ في التوقيت نفسه تقريباً، توسع «إل 3 هاريس» تعاونها مع البحرية الأميركية في مجال مختلف يتعلق بإنتاج مكونات الصواريخ. فقد أعلنت الشركة في 21 سبتمبر توقيع اتفاقية متعددة السنوات مع مركز الحرب الجوية البحرية في «تشاينا ليك» بولاية كاليفورنيا لتصنيع مكونات صاروخية حيوية، في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص تستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للذخائر. وتشمل الاتفاقية مكونات لصاروخ «توماهوك» الجوال الذي تنتجه شركة «رايثيون» التابعة لمجموعة «آر تي إكس». وقالت الشركة إنها تدعم إنتاج «توماهوك» منذ أكثر من 30 عاماً، وتشمل مكوناتها المعزز الصاروخي «إم كيه 135» الذي يعمل بالوقود الصلب، والرأس الحربي المتشظي. ويعطي هذا الجانب من الصفقة بعداً آخر لعملية التحديث. فالمطلوب ليس فقط تطوير منصات إطلاق أكثر تقدماً، وإنما ضمان استمرار تدفق الذخائر والمكونات الأساسية إليها. وتولي وزارة الدفاع الأميركية أهمية كبيرة لقدرة «توماهوك» على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى. ووفق وثائق الميزانية الأميركية، فإن الصاروخ يمكن إطلاقه من القطع السطحية والغواصات التابعة للبحرية، ويوفر قدرة على الضربات العميقة ضد أهداف ثابتة ومتحركة، مع أنظمة ملاحة وتوجيه وقدرات لإعادة التوجيه أثناء الطيران. ومن هذا التقرير، تتقاطع الصفقتان بصورة واضحة. الأولى تحسن قدرة الغواصة على الرؤية والاستشعار من دون التخلي عن التخفي، والثانية تدعم قاعدة تصنيع الأسلحة التي يمكن أن تحملها بعض غواصات الهجوم.