البابا تواضروس يفتح ملف الهوية المصرية: «هويتنا هي جذورنا».. من قانون بناء الكنائس إلى مسجد وكنيسة العاصمة وتهنئة الرئيس في عيد الميلاد

لم تعد دراسة التراث القبطي مجرد بحث في صفحات من الماضي، بل أصبحت أحد المداخل لفهم جانب أصيل من تكوين الشخصية المصرية وقراءة جذور الهوية التي تشكلت عبر آلاف السنين.

ومن هذا المنطلق يأتي المؤتمر العلمي الدولي الرابع لمعهد الدراسات القبطية، الذي اختار هذا العام «الدراسات القبطية وتعميق الوعي بالهوية القبطية.. واقع معاصر ورؤية مستقبلية» عنوانًا له، ليبحث موقع الحضارة القبطية داخل المشهد الأوسع للحضارة المصرية.

وفي هذا السياق، شهدت الكاتدرائية المرقسية بالأنبا رويس، اليوم الخميس، انطلاق فعاليات المؤتمر بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والشخصيات العامة، بينما حملت كلمة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، عددًا من الرسائل حول علاقة الهوية القبطية بالهوية الوطنية، وأهمية العودة إلى الجذور، والمحطات التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة للحفاظ على مكوناتها الحضارية.

أكد قداسة البابا تواضروس الثاني، أن مفهوم الهوية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالجذور، قائلًا: «هويتنا هي جذورنا، كلما عدنا إلى الجذور كلما تمتعنا بعظمة هذه الجذور، وكلما أدركنا قوتنا».

وأوضح قداسته أن مصر من أقدم دول العالم، وتمتلك «كتابًا ضخمًا» هو كتاب الحضارة المصرية، يضم صفحات فرعونية وقبطية وإفريقية وإسلامية وعربية وغيرها، مؤكدًا أنه لا يوجد انفصال بين هذه المراحل الحضارية، وإنما تداخلت جميعها عبر آلاف السنين وأسهمت في تشكيل الهوية المصرية.

وشدد البابا تواضروس على أن الهوية القبطية جزء من الهوية الوطنية المصرية، وأنها تعبر عن وطن قوي يمتلك جذورًا عميقة، مشيرًا إلى أن العودة إلى هذه الجذور تكشف قوة مصر ومكانتها الحضارية.

ولفت إلى أن الحضارة القبطية تمثل جزءًا من «كتاب الحضارة المصرية»، وهو ما يسعى المؤتمر إلى دراسته من خلال مجموعة من المحاور، من بينها الفن والعمارة واللغة والمخطوطات والموسيقى والتاريخ.

واستعرض قداسة البابا عددًا من الحقائق المرتبطة بجذور الكنيسة المصرية، مؤكدًا أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي حارسة التقليد القبطي المصري.

وأشار إلى ما ورد في سفر إشعياء: «يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تخمها»، موضحًا أن المذبح موجود في دير السيدة العذراء المحرق بأسيوط، بينما يرتبط العمود بالقديس مارمرقس الذي جاء إلى مصر وكرز فيها.

وتحدث البابا عن مجيء العائلة المقدسة إلى مصر في بداية القرن الأول الميلادي، مؤكدًا أن مصر صارت ملجأً للسيد المسيح، وأن العائلة المقدسة مكثت بها ثلاث سنوات وستة أشهر وجالت في عدد من مناطقها.

كما أشار إلى كرازة القديس مارمرقس في مصر واستشهاده بالإسكندرية عام 68 ميلادية، مؤكدًا أن الكنيسة المصرية تمتلك جذورًا ممتدة تبدأ بالنبوة في العهد القديم، ثم زيارة العائلة المقدسة، وصولًا إلى كرازة مارمرقس واستشهاده.

وفي حديثه عن العصر الحديث، أشار قداسة البابا إلى أن مصر واجهت منذ عام 2013 محاولات لتغيير هويتها من خلال التشويه والتزوير والنسيان والتجاهل، إلا أن الهوية المصرية ظلت عصية على التغيير.

وأكد أن السنوات الأخيرة شهدت خطوات أسهمت في إصلاح الهوية القبطية وصيانتها، مستعرضًا عددًا من المحطات التي اعتبرها علامات مهمة في هذا المسار.

وأوضح البابا أن الدولة قامت عام 2013 بترميم وإصلاح الكنائس والمباني الخدمية التي تعرضت للحريق، معتبرًا ذلك عملًا مهمًا في التاريخ.

كما أشار إلى إصدار قانون بناء الكنائس عام 2016، معتبرًا أن القانون يمثل إحدى خطوات إصلاح وصيانة الهوية المصرية

وتطرق البابا إلى إنشاء مسجد وكنيسة في العاصمة الجديدة باعتبارهما بداية روحية للمشروع، وافتتاحهما بحضور رئيس الجمهورية، معتبرًا أن هذه الخطوة أسهمت في تقديم صورة مصر أمام العالم.

كما أشار إلى تهنئة الرئيس للمصريين في احتفالات الكنيسة القبطية بعيد الميلاد المجيد من الكاتدرائية، معتبرًا إياها رسالة مهمة وتأكيدًا على المساواة.

وقال قداسته إن قانون بناء الكنائس، وإنشاء المسجد والكاتدرائية في العاصمة الجديدة، وتهنئة الرئيس من الكاتدرائية، كلها أمور تساهم في إصلاح وصيانة والحفاظ على الهوية المصرية.

وأكد البابا تواضروس أن مصر تمتلك أقدم الأديرة والكنائس في العالم، معتبرًا أنها تمثل جذورًا أصيلة للمصريين، مشيرًا إلى استمرار الحركة الرهبانية في مصر.

وأوضح أن الرهبنة لا تقتصر على الصلاة، بل تمتد إلى خدمة الوطن واستصلاح الأراضي الصحراوية وزراعتها، بما يساهم في الإنتاج وتحقيق الخير للمجتمع.

ومن جانبه، أكد حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، أن انعقاد المؤتمر يتزامن مع احتفالات مصر بانتصار أكتوبر 1973، معتبرًا أن الانتصار كان أحد تجليات الهوية الوطنية المصرية.

وأشار إلى أن المؤتمر يأتي بعد نحو أسبوعين من انعقاد مؤتمر حول الهوية الوطنية المصرية في مكتبة الإسكندرية، مؤكدًا أن مناقشة الهوية القبطية تأتي باعتبارها جزءًا أساسيًا من الهوية المصرية.

وأوضح النمنم أنه سبق أن طالب منذ نحو 20 عامًا بإنشاء مركز للدراسات القبطية داخل إحدى الجامعات المصرية، مؤكدًا أن الهوية القبطية جزء رئيسي من الهوية الوطنية، ومن ثم ينبغي أن تُدرس داخل الجامعات ولا تظل داخل الكنيسة فقط.

واستعاد وزير الثقافة الأسبق مقولة البابا تواضروس: «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن»، مشيرًا إلى أنها قيلت خلال فترة صعبة شهدت حرق عدد من الكنائس والهجوم على المقر البابوي، مؤكدًا أن الوطن يجب أن يأتي أولًا.

وشهدت فعاليات الافتتاح عرض معرض «لمحات من الفن والعمارة القبطية»، الذي ضم أيقونات قبطية وأعمالًا من الفن الهندي المسيحي، إلى جانب نماذج للعمارة القبطية، بينها التصميم البيئي والكنائس ومراكز الاستشفاء والعمارة السكنية.

كما شهد الافتتاح كلمات للأستاذ الدكتور ماجد رسمي عبد الملك، عميد المعهد، والأستاذ إيهاب عاطف، مقرر المؤتمر، والأستاذ الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إلى جانب حضور عدد من رؤساء وأساتذة الجامعات والباحثين والشخصيات العامة.

واختتم قداسة البابا كلمته بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالهوية والحضارة القبطية باعتبارهما جزءًا من الهوية والحضارة المصرية، داعيًا إلى «العودة للجذور» و«التمتع بالجذور».

وفي نهاية الحفل، جرى تكريم عدد من الرموز الذين قدموا إسهامات في خدمة معهد الدراسات القبطية، فيما اختتم البابا كلمته متمنيًا أن تظل مصر دائمًا في عزة ونصرة، بالتزامن مع احتفالات أكتوبر المجيدة.