نشرت وزارة الأوقاف المصرية، خطبة عيد الأضحى المبارك 1447هـ، عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
الحمد لله رب العالمين، الله أكبر ما وقف الحُجَّاج على عرفات، الله أكبر ما تداركوا أنفسهم لما فات، الله أكبر ما ارتفعت أصواتهم بالدعوات، الله أكبر ما قَبِلَ الله دعاءهم، الله أكبر ما جبر خواطرهم، الله أكبر ما عفا عن مسيئهم، الله أكبر ما شملنا بعفوه معهم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن يوم عيد الأضحى المبارك، يومٌ عظيم، حديثه متشعب الأطراف، ففيه دروس وعبر، مواقف ومواعظ، أخلاق وسلوكيات، فتاوى وأحكام، وسوف نختصر لك أهم دروسه وفوائده لترى شرف هذا اليوم الذي هو من أعظم أيام الله تعالى.
ويشهد لذلك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ وَهُوَ الَّذِى يَلِيهِ» [رواه أبو داود].
ويوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر، وهو اليوم الذي يستقر فيه الحجاج بمنى بعد أداء المناسك.
وهذا اليوم الجليل يُسمى بيوم الحج الأكبر، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو واقف بين الجمرات في حجة الوداع: «هذا يومُ الحجِّ الأكبرُ» [رواه البخاري]، وما ذاك إلا لأن معظمَ أعمال الحج، وأهم أركانه ومناسكه، تجتمع في هذا اليوم المبارك، ففيه يرمي الحجاج جمرة العقبة الكبرى، وفيه ينحرون هديهم تقربًا إلى الله تعالى، وفيه يحلقون رؤوسهم أو يقصِّرون، وفيه يطوفون طواف الإفاضة بالبيت العتيق، ويسعون بين الصفا والمروة، فاجتماع هذه العبادات الجليلة في يوم واحد هو ما أعطاه هذه المكانة العظيمة، وجعله يوم الحج الأكبر.
وهذا اليوم هو عيدنا أهل الإسلام، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ». [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
لقد أفاض حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في بيان هذه الأسرار في «إحياء علوم الدين» وإليك خلاصتها:
- الإحرام: خلع الدنيا كما يُخلع الثوب، ودخول في حضرة الله، وهو يشبه لباس الكفن وفيه إشارة للزهد والموت عن الشهوات.
- الخروج من الوطن: يمثل الهجرة إلى الله، وترك ما يشغل عن لقائه، وتذكير بالرحيل من الدنيا والقدوم على الله.
- الطواف: دوران حول مركز التوحيد، على مثال طواف الملائكة حول العرش؛ فالقلب يجب أن يطوف مع الجسد، متذكّرًا عظمة الله.
- السعي بين الصفا والمروة: تذكير بسعي السيدة هاجر في طلب الماء، وتمثيل للسعي بين الرجاء والخوف، وكذلك السعي بين كفتي الميزان يوم الحساب، وفيه كذلك درس على اليقين والثقة بالله رغم قسوة الابتلاء.
- الوقوف بعرفة: لُبُّ الحج، وهو يرمز إلى الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، والدعاء فيه تجلٍّ لذل العبودية، ويُطلب فيه العتق من النار والتوبة النصوح.
- رمي الجمرات: إشارة إلى رجم الشيطان ومحاربة وساوس النفس، وهو إعلان عداوة بينك وبين إبليس.
- الهَدْي/ الذبح: تمثيل للفداء، كما فدى الله سيدنا إسماعيل بذبح عظيم، وفيه درس على التضحية والخضوع الكامل لأمر الله.
- الحلق أو التقصير: رمز لتجديد الحياة والتطهر، كأن الحاج يولد من جديد بعد تطهيره.
من المعاني الكبرى للحج- الحج رحلة إلى الله بالجسد والروح.
- تدريب على الزهد والإخلاص والتجرد من علائق الدنيا.
- يظهر فيه معنى المساواة بين الناس، فالجميع أمام الله سواسية في الرداء الأبيض.
- العودة نقيًّا من الذنوب كاليوم الذي ولدته أمه.
- تحقق المعرفة بالله، والخضوع التام له، والتوبة النصوح.
- العودة إلى الدنيا لكن بقلب مرتبط بالآخرة.
منحة تولدت من محنةيذكرنا عيد الأضحى بسبب مشروعيته وهو أن سيدنا إبراهيم الخليل أمره الله تعالى أن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، أمره الله تعالى أن يذبح ولده الوحيد الذي بُشِّر به على الكِبَر، قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي: العمل، وبلغ مبلغ التكليف، وصار محبوبًا لأبيه {قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى} فكان جواب الولد لا يقل عن تسليم الوالد {قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: ١٠٢].
فجاء عيد الأضحى ليذكرنا بالاستسلام المطلق لأمر الله تعالى، وأن الله يكافئ العبد إذا أطاعه؛ فعَنْ سيدنا أَبِيّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَا تَهَاوَنَ بِهِ عَبْدٌ، فَأَخَذَ مِنْ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ". [الزهد والرقائق لابن المبارك].
ومن هنا نتعلم أن "في كل محنة منحة"، فلما رأى الله تعالى تسليم الوالد والولد فدى الله تعالى ولده، وبشره يإسحاق من بعد ذلك.
فكن له مُسَلِّمًا كي تسلما ... وأتبع سبيل الناسكين العُلَمَا
إِلَهي فَجُدْ واصْفَحْ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا ... فَأَنْتَ الذِي تُولِي الجَمَيلَ وَتُكْرِمُ
وَأَنْتَ الذِي قَرَّبْتَ قَومًا فَوَافَقُــــــــــــوا ... وَوَفَّقْتَهُم حَتَّى أَنَابُوا وَسَلَّمُوا
وَقُلْتَ اسْتَقَامُــــــــــــــــــــوا مِنَّةً وَتَكَرُّمًا ... فَأَنْتَ الذِي قَوَّمْتَهُم فَتَقَوَّمُوا
لَهُمْ في الدُّجَى أُنْسٌ بِذِكْرِكَ دَائِمًــــا ... فَهُمْ في اللَّيَالِي سَاجِدُونَ وَقُوَّمُ
نَظَرْتَ إِلَيْهِم نَظْرَةً بِتَعَطُـــــــفٍ ... فَعَاشُـــــوا بِهَا وَالنَّاسُ سَكْرَى وَنُوَّمُ
لَكَ الحَمْدُ عَامِلْنــــــا بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... وَسَامِحْ وَسَلِّمْنَا فَأَنْتَ المُسَلِّمُ
يوم الفرح والبهجة والتوسعة على النفس والأهل والناس كافةإن شريعة الإسلام حنيفية سمحة، وسطية معتدلة، توازن بين حاجة الروح والجسد، تروح عن النفس حتى تقبل على الطاعات بجد ونشاط، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسع على نفسه في العيدين والجمعة، ويخصهما بمزيد من الاهتمام، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ» [رواه ابن خزيمة في صحيحه].
ولا يغفل حق أهله في الترويح عنهم، وإشباع حاجتهم النفسية من المباحات، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: "جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ" [رواه مسلم].