الانهيار الذي كان يمكن تجنبه: القطاع اللبناني الذي لم يُبنَ يوماً (3 من 3)

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

كل ما سبق في الجزئين السابقين من هذه المقالة، من تشريح الحلقة المفرغة إلى القضية المركزية التي تُظهر كيف كان يمكن لقطاع خارجي منتج أن يكسرها من جذورها، يقود إلى سؤال لا يمكن لهذه المقالة أن تكتمل من دون الإجابة عنه. أي نموذج تنموي بديل، بالضبط، يُفترض أن يحل محل النموذج الذي انهار؟ فالإجابة لا يمكن أن تكون العودة إلى الافتراض القديم نفسه الذي أثبتت هذه المقالة فشله. أن يُترك القطاع الخاص وقوى السوق وحدها لتكتشف الفرص التصديرية وتبنيها من تلقاء نفسها. فهذا الافتراض، كما أوضحنا، لم يكن مجرد تفصيل تقني أُغفل سهواً، بل كان الخطأ البنيوي الذي أبقى رأس المال اللبناني حبيس المصارف والعقارات عقوداً كاملة، لأن حوافز السوق وحدها، من دون توجيه، تكافئ الريع السريع لا الاستثمار الإنتاجي بطيء العائد.

النموذج البديل الذي نقترحه مختلف جوهرياً عن كل من طرفي المعادلة القديمة. لا دولة ريعية تدير الاقتصاد عبر الودائع والدين والمحاصصة كما كانت الحال. ولا سوق متروكة لحالها بافتراض أنها ستصحح مسارها تلقائياً، بل شراكة مقصودة بين قطاع خاص يبقى المحرك الفعلي للإنتاج والابتكار والمنافسة الدولية، ودولة تمارس دوراً مختلفاً تماماً عن دورها السابق. لا دولة موزّعة للريع، بل دولة تخطط وتوجّه وتتدخل تحديداً حين يفشل السوق، لا حين ينجح. فبناء قطاع مصدر تنافسي يواجه بطبيعته إخفاقات سوقية لا يستطيع القطاع الخاص وحده تجاوزها.

معرفة السوق الدقيقة على مستوى كل سلعة وسوق تتطلب استثماراً بحثياً لا يجد فيه أي مستثمر منفرد حافزاً كافياً لتحمّل كلفته وحده، بينما تستفيد منه الصناعة بأكملها إن توفّر. والبنية التحتية، من كهرباء مستقرة إلى موانئ وطرقات، استثمار ضخم لا يمكن لمصنع واحد أن يبنيه لنفسه. والمُصدّر الأول في قطاع جديد يتحمل مخاطرة اكتشاف السوق نيابة عن كل من يأتي بعده، من دون أن يُعوَّض عن هذه المخاطرة الإضافية. هذه إخفاقات سوقية معروفة في أدبيات الاقتصاد التنموي. وهي بالتحديد ما يبرر دوراً حكومياً نشطاً، لا بديلاً عن السوق بل مكمّلاً له عند نقاط فشله المحددة، تماماً كما نجحت نماذج تنموية مشابهة في تحويل اقتصادات ريعية أو منهارة إلى قواعد مصدرة تنافسية خلال عقد إلى عقدين.لكن هذا التحول لن يحدث في فراغ سياسي. ولفهم لماذا، لا بد من طرح سؤال لم تُجب عنه هذه المقالة بعد. إذا كان قطاع خارجي منتج قادراً على تجنيب لبنان انهياراً بهذا الحجم، فلماذا لم يُبنَ أصلاً عبر عقود وحكومات متعاقبة؟ الإجابة ليست خطأً تقنياً متكرراً، بل نمطاً يخدم مصلحة محددة. فالنموذج الريعي لم يكن يوماً بلا مستفيدين. القطاع المصرفي الذي راكم أرباحاً من فارق الفائدة بين المودعين والخزينة العامة، وشبكات النفوذ الطائفي التي توزّع الفرص عبر الولاء لا الكفاءة، وكبار الملاك العقاريين المرتبطين بدورة التدفقات الخارجية، جميعهم وجدوا في اقتصاد الريع أرضاً خصبة لإدامة نفوذهم، لأن توزيع الريع، بخلاف بناء قطاع خارجي تنافسي، لا يتطلب كفاءة إنتاجية حقيقية، بل فقط القدرة على التحكم بمن يصل إلى الفرصة ومن لا يصل إليها. وهذا التفاوت في القدرة على التنظيم، قلة منظمة ومستفيدة من الريع في مواجهة مستفيدين محتملين من التصدير مشتتين وغير منظمين بعد، هو ما يفسر لماذا نجا النموذج الأضعف اقتصادياً عقوداً كاملة، لا عجزاً فنياً أو غياب خبرة.

شاب يرتدي قناعًا واقيًا يمر أمام جدارية كتب عليها تعبنا، طرابلس، لبنان. 28 أبريل 2020. (أ ف ب)

وهذا بالتحديد ما يجعل تحديد "حرّاس النموذج الجديد" ضرورة استراتيجية لا مجرد تفصيل تكميلي. فالنموذج البديل يحتاج، مثل أي مشروع سياسي يواجه مقاومة منظمة، إلى تحالف مصالح مضاد قادر فعلياً على موازنة نفوذ المستفيدين من النموذج القديم، لا أن يُترك رهينة حسن نية سياسية غير مضمونة. وهذا التحالف موجود فعلياً في لبنان اليوم، وإن كان مشتتاً وغير منظم بعد. صغار ومتوسطو المنتجين والمصدّرين الذين يواجهون اليوم كلفة تمويل وبنية تحتية تحرمانهم من المنافسة الدولية رغم امتلاكهم منتجات قادرة على المنافسة. وشباب يشكلون الشريحة الأكثر تضرراً من غياب فرص العمل الحقيقية، والأكثر استعداداً تاريخياً، كما بينا سابقا لتهديد السلم الأهلي، للانخراط في بدائل مدمّرة حين ينعدم الأفق المشروع. ومناطق ومحافظات بأكملها، كالجنوب والبقاع وعكار، لم تستفد يوماً من الريع المصرفي والعقاري المتمركز في بيروت وضواحيها، وتملك بالمقابل قواعد زراعية وإنتاجية يمكن أن تكون نواة حقيقية لتنويع صادرات إقليمية عادلة. ومغتربون لبنانيون لم يعودوا يثقون بإيداع مدخراتهم في مصارف منهارة، لكنهم قد يجدون في الاستثمار المباشر بمشاريع إنتاجية قناة بديلة تحافظ على ارتباطهم الاقتصادي بلبنان من دون تكرار مخاطر النموذج القديم. وحركة مطلبية ما بعد 17 تشرين لا تزال، رغم تراجع زخمها، تحمل رفضاً واضحاً وواعياً للنظام الريعي الطائفي القائم، وتمثل قاعدة سياسية محتملة لأي مشروع بديل يُطرح بوضوح كافٍ.

الفارق بين هذا التحالف المحتمل وتحالف المستفيدين من النموذج القديم هو نفسه الفارق الذي حدده التحليل السابق. تحالف مشتت اليوم مقابل تحالف منظم تاريخياً. وهذا يعني أن نجاح النموذج التنموي الجديد لا يتوقف على صحته الاقتصادية وحدها. وهي صحة أثبتته هذه المقالة بالتفصيل. بل على قدرة أنصاره على تنظيم أنفسهم سياسياً بالقدر نفسه من الفعالية التي نظّم بها أنصار النموذج القديم أنفسهم عبر عقود. فبناء قطاع خارجي منتج ليس مشروعاً اقتصادياً يُترك لتقنيي السياسات وحدهم، بل مشروع سياسي بقدر ما هو اقتصادي، يحتاج إلى من يحمله ويدافع عنه في مواجهة من يملك كل الحوافز للحفاظ على الوضع القائم، مهما كانت كلفته الوطنية.