يخترق صوت صفارة قطار «فيا ريل» هواء الصباح النقي، وهو صوت حاد وواضح يعلن الانتقال بين عالمين. في الخلف تقع مدينة مونتريال، وهي ساحة ترفيهية نابضة بالحياة والأنوار وثنائية اللغة، حيث تضم أقبية حجرية تاريخية استوديوهات وسائط متعددة عالية التقنية. وفي الأمام تقع مدينة كيبك، المعقل المحصن الوحيد المتبقي في أمريكا الشمالية شمال المكسيك، حيث تحرس الجدران الحجرية التي يعود تاريخها إلى قرون مضت أسراراً ترجع إلى أوائل القرن السابع عشر.يشبه السفر عبر شرق كندا الدخول إلى معرض حي للصمود البشري، وصراع الحضارات، والرومانسية المعمارية. وسواء كانت الأرض مكسوة باللون الأخضر الزمردي في شهر يوليو الرطب أو مغطاة بالثلج الهادئ في شهر يناير، فإن الممر الذي يربط بين مونتريال وكيبك يمنح المسافرين هدية نادرة: فرصة السير عبر خمسمئة عام من التاريخ في خمسة أيام فقط، ودون الحاجة إلى استئجار سيارة.**media[8125215]**هذه رحلة مصممة للروح الشغوفة باستكشاف التاريخ، وهي عبارة عن تقرير يومي مفصل من قلب الأحياء الحجرية التاريخية في كندا الفرنسية.حجارة وروح مونتريال القديمةتبدأ الرحلة من حيث يختفي العالم الحديث في الذاكرة. بمجرد السير على الأحجار المستديرة المصقولة لشارع «سان بول»، وهو أقدم شارع في مونتريال، يكون التحول الحسي فورياً. تختلط رائحة الكرواسان الطازج من المخابز المحلية بالرائحة الرطبة لنهر سانت لورانس القريب.أما الجوهرة التي لا جدال حولها في هذا الحي التاريخي فهي كنيسة نوتردام. حيث ترتفع من الخارج أبراجها التوأم المصممة على طراز الإحياء القوطية بشكل درامي في السماء، لتشرف على ساحة «بلاس دارم». لكن لا شيء يهيئ المسافر لما سيراه في الداخل؛ إذ إن الدخول من الأبواب الخشبية الثقيلة يشبه الخطو داخل صندوق مجوهرات متلألئ من الياقوت الأزرق.ويمثل الصحن بحراً عميقاً من اللون الأزرق والذهب والأحمر، تضيئه آلاف المنحوتات الخشبية المعقدة ونوافذ الزجاج الملون التي تروي قصة تأسيس المدينة، بدلاً من المشاهد الكتابية التقليدية.**media[8125216]**وفي فترة بعد الظهر، ينتقل مسار الرحلة نحو الماء. تؤدي ساحة «بلاس جاك كارتييه»، وهي ساحة مائلة تمتلئ بفناني الشوارع في الصيف وحفر النار المتوهجة في الشتاء، مباشرة إلى ميناء مونتريال القديم. كان هذا الميناء يوماً المحرك الاقتصادي لأمة شابة تتاجر في الفراء والأخشاب، وقد تحول الآن إلى متنزه ترفيهي واسع.ولفهم جغرافية مونتريال، يجب على الزائر أن يصعد إلى الأعلى. توفر عجلة «لا غراند رو دو مونتريال»، وهي عجلة مشاهدة ضخمة تدور بنعومة على ضفة النهر، مقصورات مكيفة تحمي الزوار من رطوبة الصيف أو صقيع الشتاء. ومن على ارتفاع ستين متراً في الهواء، يوضح المنظر البانورامي هوية المدينة: مدينة جزيرية تحدها المياه، ويرسيها التاريخ، ويتوجها الجبل.ومع حلول الغسق، تتحول الأقبية الحجرية في مونتريال القديمة؛ حيث يتدفق رواد المطاعم إلى المقاهي التاريخية، وينساب الضوء الدافئ من النوافذ المتعددة على الشوارع المظلمة. وفوق طبق من بط فرنسا الكلاسيكي أو طبق من البوتين الفاخر، ينتهي اليوم الأول بإدراك أن التاريخ في هذه المدينة ليس معروضاً خلف الزجاج، بل هو شيء يُعاش ويُؤكل ويُحتفل به في كل ليلة.من أعلى القمم إلى الإيقاعات الحضريةإذا كان اليوم الأول استكشافاً لأساسيات مونتريال، فإن اليوم الثاني هو يوم الصعود. الصباح مخصص لمتنزه «ماونت رويال»، وهو الرئة الخضراء الواسعة التي تمنح المدينة اسمها. صمم هذا الصرح «فريدريك لو أولمستيد»، المصمم المعماري الرائد الذي أبدع تصميم متنزه سنترال بارك في نيويورك، ليبدو برياً تماماً، ويمثل مهرباً متعمداً من صخب المدينة بالأسفل.