الانتخابات الفلسطينية.. وخيار التأجيل

منذ أن أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحديد يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري موعداً لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، كان مكتوباً على هذا الإعلان أن لا يرى النور، لأن متطلبات إجراء مثل هذه الانتخابات في أجواء من الحرية والنزاهة والشفافية والديمقراطية والأمن، غير متوفرة، رغم وجاهة وأهمية هذه الانتخابات على صعيد تغيير بنية السلطة الحالية التي أصيبت بالترهل والوهن طيلة عقدين من الزمن، إضافة إلى تآكل شرعيتها، وضرورة تحقيق توافق وطني يعزز الوحدة بين الفصائل الفلسطينية ويضع حداً للانقسام.لذلك جاء قرار تأجيل الانتخابات إلى 11 سبتمبر/ أيلول 2027 بمثابة أهون الخيارات في ظل حالة الانقسام التي تشهدها الساحة الفلسطينية من جهة، ثم في ظل استعصاء إجرائها بينما تواصل إسرائيل حرب الإبادة في قطاع غزة وتحتل نحو 70 في المئة من مساحته، فيما تتعرض الضفة الغربية لغزوات قوات الاحتلال والمستوطنين الذين يمارسون القتل والاعتقال وإحراق البيوت والتهجير والاستيلاء على الأرض وتوسيع الاستيطان وانتهاك المقدسات من جهة ثانية.إضافة إلى كل ذلك، فإن إسرائيل ترفض إجراء الانتخابات في مدينة القدس، كما أنها منعت لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين من دخول المدينة والقطاع، وكذلك فإن الولايات المتحدة غير متحمسة لإجراء انتخابات تشارك فيها حركة حماس، لذلك لم تضغط على الجانب الإسرائيلي لتوفير ظروف تسمح بإجرائها في مدينة القدس، وفي الضفة والقطاع.وفقاً لقرار التأجيل، فإنه يهدف إلى «إتاحة الفرصة لحوار وطني فلسطيني شامل يعزز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي، ويعالج التحديات التي تواجه العملية الانتخابية، بما يضمن مشاركة جميع أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وغزة وصون حقوقهم السيادية».لكن السؤال المطروح: هل الفترة من الآن حتى الموعد الجديد للانتخابات يمكن أن توفر الظروف المناسبة لإجرائها؟ وهل تتراجع إسرائيل عن قرارها بمنع إجراء انتخابات في القدس؟ وهل تنسحب من قطاع غزة وتتوقف عن حرب الإبادة هناك؟ وهل تسهل إجراء انتخابات في الضفة؟ وهل توافق الولايات المتحدة على مشاركة كل أطياف الشعب الفلسطيني في الانتخابات كي يكون التمثيل حراً وديمقراطياً ونزيهاً وشاملاً؟إن الانتخابات، لو جرت، فإنها سوف تجري في ظل الاحتلال والانقسام، ومن دون مشروع وطني، وستؤدي إلى مزيد من التدهور والشرذمة، في حين أن إسرائيل ليست معنية بتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية، بل تعمل على تذويبها وتآكلها لفتح الطريق أمام مخططها لتصفية القضية عبر الإبادة والتهجير والضم والاستيطان والتطهير العرقي.صحيح أن تأجيل الانتخابات تقرر نتيجة توافق معظم الفصائل الفلسطينية، بسبب فشلها في الاتفاق على صياغة مشروع إنقاذ وطني، لكن التأجيل تم أيضاً لأن القدرة على إجرائها غير متوفرة، لا سياسياً ولا أمنياً ولا لوجستياً، ما جعل السلطة الفلسطينية تعيش عاماً آخر في حالة «كوما» وتتنفس اصطناعياً.قرار إجراء الانتخابات الذي اتخذ في يوليو/ تموز الماضي تم تحت ضغوط دولية وإقليمية في ظل مطالبات بإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، لكنه لم يأخذ في الحسبان تعقيدات المشهد الفلسطيني والإقليمي الذي فرض تأجيلها إلى العام المقبل.. وربما إلى ما بعد ذلك!!