الانتخابات الأميركية وتناقضات إعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية

لفهم التحولات السياسية الكبرى لا يكفي أن نصف نتائج الانتخابات، أو أن نحصي المقاعد التي انتقلت من حزب إلى آخر، أو أن نكتفي بتفسير تصويت الناخبين من خلال مواقفهم المعلنة في لحظة انتخابية محددة. فالظواهر السياسية لا تنشأ في فراغ، ولا يمكن فهمها بمعزل عن الشروط المادية والتاريخية التي تنتجها، وعن العلاقات والتناقضات التي تتحرك ضمنها. وما يبدو في الظاهر حدثاً منفصلاً قد يكون تعبيراً سياسياً عن مسار اجتماعي واقتصادي أوسع، تتداخل فيه عوامل متعددة، وتتفاعل عبر وسائط لا يجوز تجاوزها أو اختزالها.

من هنا تبرز أهمية اعتماد المنهج المادي الديالكتيكي في قراءة الانتخابات الأميركية. فهذا المنهج لا يتعامل مع الاقتصاد والسياسة والمجتمع والعلاقات الدولية باعتبارها مجالات مستقلة، ولا يفترض في المقابل أن أحدها يفسر الآخر بصورة آلية ومباشرة. إنه ينطلق من وحدة الواقع وتعدد مستوياته، ويدرس الحركة والتطور والتناقضات التي تحكمها، وكيف تنتقل هذه التناقضات من مستوى إلى آخر، وكيف تتخذ أشكالاً سياسية وأيديولوجية ومؤسساتية مختلفة.

فالاقتصاد لا يتحرك خارج السياسة، لكن السياسة ليست مجرد انعكاس ميكانيكي للاقتصاد. والعلاقات الدولية ليست مجالاً منفصلاً عن التناقضات الداخلية للدول، لكنها لا تختزل فيها أيضاً. كما أن الوعي الاجتماعي لا يمكن استنتاجه مباشرة من نتائج الاستطلاعات أو من السلوك الانتخابي، بل ينبغي فهمه في علاقته بالتجربة اليومية للناس، وبالمؤسسات التي تنتج الأفكار وتعيد إنتاجها، وبالصراعات التي تفتح المجال أمام وعي جديد أو تعيد توجيه السخط نحو مسارات رجعية.

ولا يعني هذا المنهج جمع كل الوقائع في تفسير واحد، أو افتراض علاقة سببية مباشرة بينها. بل يعني التمييز بين التناقضات الرئيسية والثانوية، وبين الشروط البنيوية والعوامل المباشرة، وتحديد الوسائط التي تجعل التناقض الاقتصادي يتحول إلى اعتراض سياسي، أو تجعل أزمة خارجية تنعكس على الحياة اليومية، أو تجعل موقفاً أخلاقياً من حرب ما يتطور إلى مساءلة سياسية لدور الدولة ومصالحها.

إن التحليل الديالكتيكي لا يبحث عن تفسير جاهز يفرضه على الوقائع، بل ينطلق من الواقع الملموس للكشف عن بنيته وحركته وتناقضاته. ومن هذا المنطلق، تتيح نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، التي جرت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مدخلاً لقراءة تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية المباشرة، لتتناول أزمة الرأسمالية الأميركية، والتحولات في بنية التمثيل السياسي، وتراجع الإجماع التقليدي حول إسرائيل، والتكاليف المتزايدة للسياسة الخارجية الأميركية، ضمن سياق إعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية.

أولاً: نتائج الانتخابات وحدود التغيير داخل النظام السياسي

أفضت الانتخابات النصفية إلى هزيمة واضحة للحزب الجمهوري، إذ تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس والشيوخ، في تحول سياسي كبير يشكل ضربة لإدارة دونالد ترامب في منتصف ولايته الثانية. وبحسب النتائج التي كانت قد أُعلنت حتى صباح الرابع من تشرين الثاني، تقدم الديمقراطيون في مجلس النواب، كما ضمنوا السيطرة على مجلس الشيوخ، مع استمرار فرز عدد من الدوائر وإعلان النتائج النهائية لبعضها. وشملت مكاسبهم ولايات ومناطق كانت تُعد تقليدياً معاقل جمهورية، بما فيها تكساس وكانساس وساوث كارولاينا. وقد عكست هذه النتائج تراجعاً في قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ ببعض الشرائح الانتخابية التي استفادوا من تأييدها في انتخابات 2024، ولا سيما قطاعات من الشباب والناخبين اللاتينيين.

لكن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في انتقال الأغلبية البرلمانية من حزب إلى آخر، بل في الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها. فقد أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أن كلفة المعيشة والتضخم والأسعار كانت في مقدمة اهتمامات الناخبين، وأن النظرة السلبية إلى الوضع الاقتصادي أسهمت في معاقبة الحزب الحاكم. كما أشارت تقارير رويترز إلى أن ما يقارب تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا كلفة المعيشة عاملاً مهماً في تصويتهم. ولم يكن هذا القلق محصوراً في فئة اجتماعية أو انتماء حزبي واحد، بل امتد إلى شرائح واسعة من المجتمع الأميركي.

ومع ذلك، فإن تفسير النتيجة باعتبارها مجرد تصويت عقابي ضد ترامب لا يكفي. فالتصويت العقابي هو الشكل السياسي المباشر الذي اتخذته حالة أعمق من الاستياء الاجتماعي. والسؤال الأهم هو: ما الذي جعل قطاعات من الناخبين ترى في الإدارة الجمهورية عنواناً للمسؤولية عن تدهور أوضاعها المعيشية؟ وما الذي جعل الحزب الديمقراطي يبدو، في هذه اللحظة، بديلاً انتخابياً أكثر قدرة على استيعاب هذا السخط؟

إن الإجابة تقتضي الانتقال من سطح المنافسة الحزبية إلى بنية الاقتصاد السياسي الأميركي، وإلى طبيعة الدور الذي يؤديه الحزبان في إدارة النظام الرأسمالي.

ثانياً: أزمة الرأسمالية وتناقضات إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية

لا ينبغي النظر إلى الأزمة الاقتصادية الأميركية بوصفها مجرد ارتفاع في الأسعار أو خلل مؤقت في إدارة الاقتصاد. فهذه المظاهر ترتبط بتناقضات أعمق في بنية الرأسمالية المعاصرة، وفي مقدمتها تركيز الثروة والسلطة الاقتصادية، واتساع نفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى، وتزايد قدرة رأس المال على التأثير في القرار السياسي، وإعادة توجيه موارد الدولة وأولوياتها بما يخدم شروط التراكم والربحية.

لقد أصبحت الفجوة بين ما ينتجه المجتمع من ثروة وبين ما تحصل عليه غالبية العاملين من شروط معيشية لائقة أحد أبرز تعبيرات هذا التناقض. فارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم والطاقة والغذاء يضع شرائح واسعة أمام ضغوط متزايدة، حتى عندما تستمر المؤشرات الاقتصادية الكلية في تسجيل معدلات نمو أو تبقى الأسواق المالية في حالة انتعاش. فازدهار المؤشرات المالية لا يعني بالضرورة تحسناً في حياة الطبقات العاملة والشرائح الوسطى، كما أن ارتفاع قيمة الأصول لا يترجم تلقائياً إلى تحسن في القدرة الشرائية أو في الأمن الاجتماعي.

هنا يظهر التناقض بين الثروة الاجتماعية المنتجة وبين شروط إعادة إنتاج الحياة اليومية. فالمجتمع الذي يمتلك إمكانات إنتاجية وتكنولوجية هائلة، ويحتل موقعاً مركزياً في الاقتصاد العالمي، يعجز عن ضمان السكن والرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية بمستوى يتناسب مع هذه الإمكانات. وليس هذا العجز مجرد نتيجة لسوء إدارة أو نقص في الموارد، بل يرتبط أيضاً بكيفية توزيع الثروة، وبالخيارات السياسية التي تحدد أولويات الإنفاق العام، وبالعلاقة بين الدولة ومراكز القوة الاقتصادية.

ومن الخطأ، في هذا السياق، اختزال مسؤولية هذه السياسات في الحزب الجمهوري وحده. فالحزبان يتحركان ضمن البنية الرأسمالية نفسها، ويشاركان، بدرجات وصيغ مختلفة، في إدارة الدولة التي تحمي الملكية الرأسمالية وتضمن شروط استمرار التراكم. لكن هذا لا يعني أنهما متطابقان، أو أن الفوارق بينهما شكلية لا تستحق الاهتمام.

فبين الحزبين اختلافات فعلية في السياسات الضريبية والاجتماعية، وفي تنظيم سوق العمل، وفي دور الدولة في تقديم الخدمات العامة، وفي قضايا الهجرة والحقوق المدنية، وفي شكل التحالفات الانتخابية التي يستندان إليها. وقد تكون لهذه الاختلافات آثار ملموسة في حياة فئات واسعة من السكان. غير أن الاعتراف بها لا ينبغي أن يقود إلى اعتبار الحزب الديمقراطي ممثلاً تلقائياً لمصالح الطبقات العاملة، أو إلى التعامل مع انتصاره الانتخابي باعتباره تغييراً في طبيعة الدولة والاقتصاد السياسي الأميركي.

إن الحزبين، رغم تناقضاتهما وتنافسهما، يعملان داخل الإطار التاريخي للرأسمالية الأميركية. وتتمثل المسألة في فهم كيفية إدارة كل منهما للتناقضات الاجتماعية، والشرائح التي يمنحها الأولوية، والحدود التي لا يتجاوزها في مواجهة مصالح رأس المال الكبير. فالتغيير في إدارة السلطة لا يعني بالضرورة تغييراً في البنية التي تنتج الأزمات، وقد يكون أحد أشكال إعادة تنظيمها واحتواء آثارها.

ثالثاً: التمثيل العربي والإسلامي بين التحول الاجتماعي وحدود المؤسسة السياسية

من النتائج اللافتة لهذه الانتخابات اتساع حضور مرشحين من أصول عربية وإسلامية في مواقع سياسية مختلفة. فقد انتُخب عبد الإله السيد، وهو أميركي من أصل مصري، عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذا المجلس. كما فاز الطبيب آدم حمّاوي بمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي، إلى جانب إعادة انتخاب رشيدة طليب وإلهان عمر، وفوز مرشحين آخرين في مؤسسات تشريعية محلية وعلى مستوى الولايات.

وتكتسب هذه النتائج أهمية سياسية واجتماعية واضحة، خصوصاً أنها جاءت في مناخ شهد حملات تحريض ضد بعض المرشحين على خلفية أصولهم أو ديانتهم أو مواقفهم من القضية الفلسطينية. وهي تعكس، من جهة، اتساع مشاركة قطاعات من الأميركيين العرب والمسلمين في الحياة السياسية، ومن جهة أخرى، تراجع قدرة الخطاب العنصري على منع هذه المشاركة أو احتكار تعريف الانتماء الوطني الأميركي.

لكن القراءة المادية لهذه الظاهرة تقتضي تجاوز الاحتفاء بالتمثيل الهوياتي في حد ذاته. فوجود سياسيين من أصول عربية أو إسلامية في المؤسسات لا يعني تلقائياً أن مصالح الطبقات العاملة أو الفئات المتضررة قد أصبحت ممثلة فيها. كما أن الأصل القومي أو الديني لا يحدد وحده الموقع الطبقي أو البرنامج السياسي أو طبيعة التحالفات التي يستند إليها المرشح.

من الخطأ اختزال مسؤولية هذه السياسات في الحزب الجمهوري وحده

السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط كم عدد المرشحين العرب والمسلمين الذين فازوا، بل ما البرامج التي حملوها؟ وما القوى الاجتماعية التي دعمتهم؟ وما المصالح التي يعبرون عنها؟ وما حدود قدرتهم على التأثير في السياسات العامة، ولا سيما في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية؟

إن انتخاب مرشح يتبنى مواقف تقدمية في الرعاية الصحية، أو السكن، أو حقوق العمال، أو وقف الدعم العسكري لإسرائيل يمثل تطوراً سياسياً يستحق الاهتمام. لكن القيمة الفعلية لهذا التطور تتحدد بقدرته على الانتقال من التمثيل الرمزي إلى التأثير في موازين القوى والسياسات، وبمدى ارتباطه بحركة اجتماعية أوسع تتجاوز حدود الجماعة الانتخابية التي أوصلته إلى موقعه.

فالتمثيل السياسي يمكن أن يكون مدخلاً لتوسيع المشاركة وفتح المجال أمام مطالب كانت مهمشة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى آلية لاحتواء الاعتراض وإدماجه في مؤسسات لا تتغير قواعد عملها الأساسية. وهذا التناقض لا يُحسم بمجرد هوية الممثل، بل بالممارسة السياسية والبرنامج والتحالفات الاجتماعية التي يختارها.

رابعاً: غزة وتصدع الإجماع التقليدي حول إسرائيل

من التحولات التي تستحق التوقف عندها التغير المتواصل في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل، ولا سيما بين الأجيال الشابة. فقد أظهرت استطلاعات مركز بيو للأبحاث خلال عام 2026 تراجعاً واضحاً في النظرة الإيجابية إلى إسرائيل والحكومة الإسرائيلية. ففي استطلاع أُجري في آذار/مارس، بلغت نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل 60 في المئة، مقابل 37 في المئة يحملون نظرة إيجابية. كما أظهر استطلاع آخر أُجري في أيار/مايو أن نسبة من يحملون نظرة سلبية إلى الحكومة الإسرائيلية بلغت 62 في المئة.

وتبدو الفجوة أكثر وضوحاً بين الفئات العمرية الشابة. ففي الفئة بين 18 و29 عاماً، بلغت النظرة الإيجابية إلى الشعب الفلسطيني 58 في المئة، مقابل 32 في المئة إلى الشعب الإسرائيلي، فيما لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية 18 في المئة. وهذه الأرقام لا تعني أن المجتمع الأميركي انتقل بمجمله إلى موقف مناهض للصهيونية أو للإمبريالية، لكنها تشير إلى تصدع ملموس في الإجماع التقليدي الذي أحاط بإسرائيل، وإلى تراجع قدرتها على الاحتفاظ بالصورة السياسية والأخلاقية التي تمتعت بها في قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن حرب الإبادة والتدمير الواسع في غزة، وما رافقها من مشاهد قتل المدنيين والأطفال وتدمير المستشفيات والمدارس والمساكن، وعن الدور الذي أدته وسائل الاتصال والمنصات الرقمية في نقل الوقائع وتجاوز احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للرواية. كما لا يمكن تجاهل أثر الاحتجاجات الطلابية والجامعية، والحركات التضامنية، والنقاشات التي أثارتها مشاركة الولايات المتحدة في تمويل وتسليح الحرب.

لقد وضعت هذه الوقائع قطاعات من المجتمع الأميركي أمام تناقض يصعب تجاهله: كيف يمكن لدولة تعلن التزامها بحقوق الإنسان والديمقراطية أن تواصل تقديم الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لدولة تمارس هذا المستوى من التدمير والعنف؟ وكيف يمكن تبرير تخصيص مليارات الدولارات للمساعدات العسكرية في الوقت الذي تواجه فيه قطاعات واسعة من الأميركيين صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية والسكن والتعليم؟

هنا يتجاوز الاعتراض حدود الموقف الأخلاقي من الحرب، ليلامس سؤال الأولويات الاجتماعية والإنفاق العام، والعلاقة بين الدولة ومصالح جماعات الضغط ومؤسسات الصناعات العسكرية. فالأموال التي تُخصص للدعم العسكري ليست مجرد أرقام في الموازنة، بل تعبير عن اختيارات سياسية تحدد أين تُنفق موارد المجتمع، وأي المصالح تحظى بالحماية والأولوية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مستويات مختلفة من الوعي. فالتعاطف مع ضحايا غزة، ورفض المجازر، والاعتراض على الدعم الأميركي لإسرائيل، لا تتحول تلقائياً إلى وعي مناهض للإمبريالية. فقد يعارض المرء سياسات الحكومة الإسرائيلية من منطلق إنساني أو قانوني، من دون أن يربطها ببنية المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، أو بدور إسرائيل في منظومة الهيمنة الإقليمية، أو بموقع الصناعات العسكرية ومؤسسات الضغط في صنع القرار الأميركي.

إن أهمية التحول الراهن تكمن في أنه يفتح المجال أمام هذا الربط، لكنه لا يضمن حدوثه. فالمهمة السياسية والفكرية هي الانتقال من إدانة الممارسة إلى فهم البنية التي تجعلها ممكنة ومستمرة، ومن الاعتراض على حكومة أو حرب بعينها إلى مساءلة المصالح التي تحكم السياسة الأميركية في المنطقة.

ومن هنا تكتسب نتائج المرشحين الذين أعلنوا مواقف نقدية من الحرب على غزة أو من الدعم العسكري لإسرائيل أهمية خاصة. لكنها لا تكفي وحدها للقول إن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل دخلت مرحلة تحول حاسم. فالمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وشبكات النفوذ والضغط، والتحالفات الاستراتيجية، ما زالت تشكل عناصر قوية في استمرار هذه العلاقة. وما نشهده هو تصدع في الإجماع السياسي والاجتماعي حولها، وليس انهياراً تلقائياً للمرتكزات التي تقوم عليها.

خامساً: إيران وكلفة إعادة إنتاج الهيمنة الأميركية

لا يمكن قراءة الانتخابات الأميركية بمعزل عن المواجهة مع إيران والحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، وما ترتب عليها من تكاليف سياسية واقتصادية واستراتيجية. فهذه المواجهة ليست حدثاً خارجياً منفصلاً عن التناقضات الداخلية الأميركية، بل جزء من الصراع على موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وعلى قدرتها على فرض شروطها في منطقة تحتل أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي ومواردها وممراتها التجارية والطاقوية.

وقد أظهرت التطورات أن استخدام القوة العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي تُعلن لتبريرها. فالحرب تفرض تكاليف اقتصادية، وتؤثر في أسواق الطاقة والتجارة، وتضع الإدارة الأميركية أمام أسئلة تتعلق بمدى استعداد المجتمع لتحمل أعباء مواجهة طويلة، وبالعلاقة بين الالتزامات الخارجية والحاجات الداخلية.

وتشير التقديرات والتحليلات التي ظهرت بالتزامن مع الانتخابات إلى أن الحرب على إيران ساهمت في زيادة الضغوط على أسعار الطاقة وكلفة المعيشة. كما أشار تحليل لمعهد تشاتام هاوس إلى أن ٦٨ في المئة من الأميركيين الذين شملهم استطلاع ذُكر في النقاش الانتخابي اعتبروا أن الحرب زادت كلفة المعيشة، فيما رأى 81 في المئة أن الرسوم الجمركية أدت إلى زيادة مماثلة. وهذه الأرقام لا تثبت وحدها أن الحرب حسمت اتجاه التصويت، لكنها توضح كيف يمكن لقرار في السياسة الخارجية أن ينتقل أثره إلى الحياة اليومية للناخبين، عبر أسعار الوقود والطاقة والسلع، ومن ثم يتحول إلى عامل في الصراع السياسي الداخلي.

وهنا تظهر إحدى أهم العلاقات الديالكتيكية بين الداخل والخارج: فالسياسة الإمبريالية ليست نشاطاً خارجياً منفصلاً عن المجتمع الذي تمارس باسمه، بل ترتبط بتوزيع الموارد، وبأولويات الإنفاق، وبمصالح قطاعات اقتصادية وعسكرية، وبالتكاليف التي يتحملها السكان. وفي المقابل، لا يمكن فهم السياسة الخارجية الأميركية من خلال ردود الفعل الانتخابية وحدها، لأنها تتصل باستراتيجيات الدولة وموقعها في النظام الرأسمالي العالمي، وبالتنافس مع القوى الدولية والإقليمية.

ومن هذا المنظور، فإن صمود إيران في مواجهة الضغوط والعمليات العسكرية، وقدرتها على إبقاء المواجهة مفتوحة ورفع كلفتها، يضعان حدوداً أمام قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض إرادتهما بلا أثمان. ولا يعني ذلك أن موازين القوى قد انقلبت بصورة نهائية، أو أن نتائج المواجهة حُسمت، بل إن استخدام القوة العسكرية يكشف عن تناقض متزايد بين الطموح إلى فرض الهيمنة وبين القدرة الفعلية على تحمل تكاليفها وتحقيق أهدافها.

كما أن تحميل الحرب وحدها مسؤولية التراجع الانتخابي الجمهوري سيكون تبسيطاً للوقائع. فالعامل الاقتصادي ظل في صدارة اهتمامات الناخبين، والحرب تفاعلت مع هذا العامل من خلال آثارها على الأسعار والطاقة والثقة بإدارة ترامب. وقد أشار ترامب نفسه إلى أن الحرب مع إيران كانت جزءاً من أسباب خسارة الجمهوريين، لكن ذلك لا يلغي ضرورة دراسة بقية العوامل، ولا يحول التصريح السياسي إلى تفسير علمي مكتمل للنتيجة.

إن المسألة الأساسية هي أن قدرة الولايات المتحدة على إعادة إنتاج هيمنتها لا تتحدد فقط بما تمتلكه من تفوق عسكري ومالي وتكنولوجي، بل أيضاً بقدرتها على إدارة التناقضات الناشئة عن استخدام هذه القوة، وعلى تأمين القبول الداخلي والدولي بتكاليفها. وكلما اتسعت الفجوة بين الأهداف الاستراتيجية والنتائج الفعلية، ازدادت صعوبة تحويل التفوق المادي إلى قدرة مستقرة على التحكم.

سادساً: وحدة التناقضات وتعدد مستويات الصراع

تكشف الانتخابات الأميركية عن تفاعل مجموعة من التناقضات التي لا يجوز التعامل معها باعتبارها أسباباً منفصلة أو متساوية الأهمية. فالأزمة المعيشية ترتبط ببنية توزيع الثروة وبالعلاقة بين الدولة ورأس المال. والتراجع في شعبية إسرائيل يرتبط بحرب غزة وبانكشاف التناقض بين الخطاب الأميركي المعلن والممارسة الفعلية، كما يرتبط بتحولات في الوعي لدى قطاعات من الشباب. أما الحرب على إيران فتتصل باستراتيجية الهيمنة الأميركية، لكنها تؤثر في الداخل من خلال تكاليفها الاقتصادية والسياسية.

هذه المستويات لا تتطابق، ولا يمكن اختزالها في معادلة واحدة. لكنها تتفاعل ضمن بنية تاريخية مشتركة، هي بنية الرأسمالية الأميركية وموقعها في النظام الإمبريالي العالمي. فالأزمة الداخلية لا تفسر السياسة الخارجية وحدها، والسياسة الخارجية لا تفسر كل مظاهر السخط الاجتماعي، لكنهما تتقاطعان من خلال الدولة ومؤسساتها وميزان القوى الطبقي والاختيارات الاقتصادية والاستراتيجية.

ومن الضروري هنا الانتباه إلى أن الأزمات لا تنتج بالضرورة وعياً تقدمياً. فقد يؤدي تدهور الأوضاع المعيشية إلى توسيع التضامن الاجتماعي والمطالبة بإعادة توزيع الثروة وتعزيز الخدمات العامة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تصاعد النزعات القومية والعنصرية، وتحميل المهاجرين أو الأقليات مسؤولية الأزمات، أو البحث عن حلول سلطوية تتوهم استعادة القوة الوطنية عبر الإقصاء والقمع.

إن السخط الاجتماعي مادة قابلة لأن تتخذ اتجاهات سياسية متناقضة. وما يحدد اتجاهها ليس حجم الأزمة وحده، بل الصراع على تفسيرها، والقوى التي تنجح في تنظيم المتضررين، والبرامج التي تقدمها، وقدرتها على ربط المطالب اليومية بالبنية التي تنتجها. لذلك لا يكفي أن تتراجع شعبية حزب حاكم لكي نعتبر أن البديل التقدمي قد أصبح قائماً، ولا يكفي أن يزداد الاعتراض على حرب أو سياسة خارجية لكي يتحول إلى مشروع مناهض للإمبريالية.

ومن هنا أيضاً ينبغي النظر إلى انتصار الديمقراطيين بحذر تحليلي. فهو يعبر عن أزمة في إدارة ترامب وعن رفض قطاعات واسعة من الناخبين لسياساته، لكنه لا يثبت أن الحزب الديمقراطي يمتلك مشروعاً لتجاوز التناقضات البنيوية للرأسمالية الأميركية. وقد يسعى هذا الحزب إلى إعادة ترميم الثقة بالمؤسسات، وإلى تخفيف بعض مظاهر الأزمة، وإلى تعديل بعض السياسات الخارجية، من دون المساس بالأسس الاقتصادية والاستراتيجية التي تحكم دور الولايات المتحدة في العالم.

وهذا لا يعني التقليل من أهمية الصراع داخل المؤسسات، أو من إمكان تحقيق مكاسب اجتماعية وسياسية من خلاله. بل يعني إدراك أن هذه المكاسب تظل محدودة ما لم ترتبط بحركة اجتماعية منظمة قادرة على فرض تغيير في موازين القوى، وعلى تحويل المطالب الجزئية إلى برنامج سياسي واقتصادي أوسع.

سابعاً: الانتخابات ساحة للصراع وليست بديلاً عن تغييره

إن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية لا تعلن نهاية أزمة الرأسمالية، ولا تعني انهيار الهيمنة الأميركية، كما لا تشكل في ذاتها انتصاراً لمشروع سياسي بديل. لكنها تكشف عن تصدعات في آليات إدارة النظام، وعن صعوبات متزايدة في إعادة إنتاج القبول بسياساته، وعن اتساع الفجوة بين مصالح قطاعات واسعة من السكان وبين الأولويات التي تفرضها مراكز القوة الاقتصادية والسياسية.

لقد عاقب الناخبون الحزب الحاكم بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، ورفض قطاعات منهم الحرب وتكاليفها، وأظهرت النتائج تقدماً لمرشحين من أصول عربية وإسلامية، بينهم من اتخذ مواقف نقدية من الدعم الأميركي لإسرائيل. كما كشفت استطلاعات الرأي عن تغير ملموس في النظرة إلى إسرائيل، ولا سيما بين الأجيال الشابة. لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تشكل حتى الآن اتجاهاً سياسياً موحداً، ولا يمكن افتراض أنها تتجه تلقائياً نحو مساءلة النظام الرأسمالي أو البنية الإمبريالية.

إن الرهان لا ينبغي أن يكون على انتقال السلطة من الجمهوريين إلى الديمقراطيين باعتباره حلاً للأزمة، بل على ما يمكن أن تتيحه التناقضات التي كشفت عنها الانتخابات من فرص لتوسيع الصراع الاجتماعي والسياسي. فالمسألة ليست فقط من يحكم، بل لمصلحة من تُدار الدولة، ومن يتحمل تكاليف السياسات الاقتصادية والعسكرية، ومن يملك القدرة على تحديد الأولويات العامة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ربط المطالب الاجتماعية المباشرة، كالسكن والصحة والتعليم والأجور والحماية الاجتماعية، بالنقد السياسي لبنية توزيع الثروة ونفوذ رأس المال، وربط الاعتراض على تمويل الحروب والدعم العسكري لإسرائيل بمساءلة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية. كما تبرز ضرورة تجاوز التمثيل الهوياتي إلى بناء تحالفات اجتماعية وسياسية على أساس المصالح المشتركة للطبقات والفئات المتضررة، من دون إنكار التمييز العنصري أو القومي أو الديني الذي تتعرض له بعض هذه الفئات.

فالانتخابات تتيح قياساً جزئياً لموازين القوى في لحظة محددة، لكنها لا تختزل الصراع الاجتماعي، ولا تحدد وحدها اتجاه التطور التاريخي. وقد تكون نتائجها فرصة لتوسيع المجال أمام مطالب اجتماعية وسياسية جديدة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى وسيلة لإعادة امتصاص السخط وإعادة ترميم النظام، إذا لم تتوافر قوى منظمة قادرة على دفع التغيير إلى ما يتجاوز حدود التنافس بين الحزبين.

إن ما يطفو على سطح الحياة السياسية لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى البنية التي أنتجته، لكن فهم البنية نفسه يظل ناقصاً إذا لم ندرس الأشكال السياسية والأيديولوجية التي تتجلى فيها تناقضاتها، والصراعات التي يمكن أن تعيد تشكيلها. فالأزمة لا تنتج وحدها البديل، والتناقض لا يتحول تلقائياً إلى وعي، والاعتراض لا يصبح قوة تغيير لمجرد اتساعه. ما يحسم اتجاه التطور هو الصراع الاجتماعي والسياسي، والقدرة على تنظيم المصالح المتضررة وتحويلها إلى مشروع يتجاوز إدارة الأزمة إلى مساءلة الأسس التي تنتجها. ومن دون ذلك، قد تتغير الوجوه والأحزاب والأغلبيات البرلمانية، فيما تبقى البنية التي