تواصل المملكة تعزيز منظومتها الرقمية والأمنية بالتوازي مع النمو المتسارع في الاقتصاد الرقمي واتساع استخدام التقنيات الحديثة في القطاعات الصناعية والخدمية والحيوية، في مسار يعكس أهمية الأمن السيبراني بوصفه أحد الممكنات الرئيسة لاستدامة التحول الرقمي ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني. ويأتي هذا التوجه مدفوعاً بما تشهده المملكة من توسع في المشروعات الصناعية، والاستثمارات التقنية، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب تنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الإلكترونية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وأظهرت دراسة حديثة أصدرتها شركة «بوزيتف تكنولوجيز» أن تطور البيئات الرقمية والصناعية يرفع الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في الحماية السيبرانية، خصوصاً مع تنوع أساليب التهديدات الرقمية وتطور أدواتها، بما يستدعي تعزيز الرصد المبكر والاستجابة ورفع جاهزية الأنظمة التشغيلية. وبحسب الدراسة، برز استغلال الثغرات الأمنية بوصفه إحدى الوسائل الرئيسة المستخدمة في الهجمات الرقمية، إلى جانب البرمجيات الخبيثة وأساليب الهندسة الاجتماعية، وهو ما يعزز أهمية التحديث المستمر للأنظمة، ورفع مستويات الوعي، وتعزيز إجراءات الحماية التقنية. الذكاء الاصطناعي يوسع أدوات الحماية وتوقعت الدراسة أن يشهد قطاع الأمن السيبراني توسعاً أكبر في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال المرحلة المقبلة، سواء في اكتشاف الأنماط غير الطبيعية أو تحليل البيانات والاستجابة السريعة للتهديدات. داريا لافروفا وقالت المحللة الرئيسية لدى «بوزيتف تكنولوجيز» داريا لافروفا إن تطور التقنيات يفرض الحاجة إلى رفع كفاءة أنظمة المراقبة والحماية، وتعزيز قدرة المؤسسات على التعامل مع الأنماط الجديدة من المخاطر الرقمية. وأوصى خبراء الشركة بالتركيز على الكشف المبكر عن التهديدات، وتعزيز حماية محيط الشبكات، ومراقبة قنوات وصول البرمجيات، وإجراء عمليات تدقيق أمنية واختبارات دورية تحاكي السيناريوهات الواقعية. الاقتصاد الرقمي يواصل النمو ويتزامن الاهتمام المتزايد بالأمن السيبراني مع النمو المتسارع للاقتصاد الرقمي السعودي، الذي أصبح مساهماً رئيساً في تنمية الاقتصاد غير النفطي، مدعوماً بتوسع البنية التحتية الرقمية وانتشار تقنيات الجيل الخامس والألياف الضوئية وإنترنت الأشياء. وساعد هذا التطور في بناء سوق رقمية متنامية، وتهيئة بيئة محفزة لريادة الأعمال والشركات التقنية الناشئة، من خلال الحاضنات وبرامج التمويل والتدريب وبناء القدرات الوطنية. وبلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي 15.8 في المئة خلال عام 2025، فيما وصل حجم سوق الاتصالات والتقنية إلى 199 مليار ريال. كما أسهم توسع السوق الرقمية في تعزيز الشراكات الدولية وجذب الاستثمارات التقنية، وفتح مجالات جديدة لنقل المعرفة وتوطين التقنيات، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية في قطاعات المستقبل. منظومة متكاملة للبحث والابتكار وعززت المملكة خلال السنوات الماضية البنية المؤسسية الداعمة للاقتصاد المعرفي والابتكار، من خلال عدد من الجهات والمبادرات الوطنية، من بينها الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية. كما شملت الجهود إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، ودعم أدوار الجامعات ومراكز البحث والابتكار، ومنها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية «كاكست». وجاء تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» والهيئة الوطنية للأمن السيبراني ضمن بناء منظومة وطنية تدعم التحول الرقمي وتحمي مكتسباته، بالتوازي مع إطلاق مبادرات ذات بعد دولي، من بينها مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني. الأمن السيبراني ركيزة للتحول الرقمي ومع اتساع استخدام الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، أصبح الأمن السيبراني جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، نظراً إلى دوره في حماية البيانات، وضمان استمرارية الأعمال، ورفع موثوقية الخدمات الإلكترونية. وتتولى الهيئة الوطنية للأمن السيبراني دور الجهة المختصة والمرجع الوطني في هذا المجال، من خلال حماية المصالح الحيوية والبنى التحتية الحساسة، ووضع الأطر والضوابط والمعايير المنظمة للأمن السيبراني، وتعزيز قدرات الاستجابة للحوادث. كما يسهم النموذج الوطني في تعزيز التنسيق بين الجهات وتبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات والثغرات، بما يدعم بناء منظومة أكثر تكاملاً وكفاءة. وخلال النصف الأول من عام 2026، تواصلت جهود تطوير القدرات الدفاعية السيبرانية من خلال الرصد المستمر، واكتشاف الثغرات، والاستجابة للحوادث، وتعزيز جاهزية الجهات الحكومية والخاصة. فرص اقتصادية جديدة ويمتد أثر الأمن السيبراني إلى الاقتصاد والاستثمار، إذ يرفع توسع الاقتصاد الرقمي الطلب على خدمات الحماية الرقمية، ويفتح المجال أمام الشركات السعودية الناشئة والمتوسطة لتطوير حلول في أمن الشبكات والبيانات، واختبار الاختراق، والاستجابة للحوادث، وأمن الحوسبة السحابية، وحماية أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما أسهم استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأتمتة في تطوير قدرات الرصد والكشف والاستجابة، ورفع مستوى حماية الخدمات الرقمية والقطاعات الحيوية. ويعكس هذا المسار تحول الأمن السيبراني من وظيفة تقنية مساندة إلى مكون استراتيجي في الاقتصاد الرقمي، يجمع بين الحماية والتنظيم وبناء القدرات وتوطين التقنية وتحفيز الاستثمار والابتكار. ومع استمرار التحول الرقمي، يتعزز دور الأمن السيبراني في دعم الثقة بالخدمات الرقمية، واستدامة الأعمال، وتمكين النمو الاقتصادي القائم على التقنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.