ما حدث، ويحدث في الضفة الغربية والمسجد الأقصى وشرقي القدس المحتلة، وفي قطاع غزة، مؤخراً، يقطع الشك باليقين أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بات يسير في اتجاه معاكس تماماً، للجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومعها المحاولات الجارية للتهدئة، وخفض التصعيد الناجم عن التوتر الإقليمي.لا يتعلق الأمر بالتوصيف القانوني للاستيطان، فهو غير شرعي أصلاً، من الألف إلى الياء، وينتهك كل المواثيق والقوانين الدولية، وإنما يتعلق الأمر بكونه قد تحوّل إلى تهديد وجودي لحقوق الفلسطينيين، في أرضهم ووطنهم، ويشكّل عائقاً أمام تحقيق السلام في المنطقة برمتها.لن نعود إلى السردية التاريخية للاستيطان، وإنما نكتفي بالتأشير إلى السنوات الأخيرة، حين تسلل اليمين المتطرف إلى مركز السلطة، وصناعة القرار، فتضاعف الاستيطان أضعافاً مضاعفة، وبدأ نشر الميليشيات المسلحة في أرجاء الضفة الغربية المحتلة. ومع حصول رعاة الاستيطان على التمويل، والتشريعات اللازمة، والأوامر العسكرية لمصادرة الأرض، تسارعت الوتيرة، وأصبحت الضفة الغربية في قبضة الاستيطان، فعلاّ لا قولاّ، أي أن عملية الضم أصبحت أمراً واقعاً من دون الحاجة للإعلان عن ذلك. مكمن الخطورة في أن الأدوات الاستيطانية تجاوزت أيّ قرارات تنظيمية، أو أيّ انضباط متخيّل إلى مزاحمة الفلسطينيين على أرضهم، والسيطرة عليها بالقوة، بل اقتحمت قلب الأحياء الفلسطينية، ودخلت إلى منازلهم وممتلكاتهم، ومارست الإحراق، والقتل، والتدمير، إذ لم يعُد هناك قيود على قتل الفلسطينيين.ما حدث مؤخراً في شمال الضفة، عندما هاجم المستوطنون قرية صغيرة في جنوب نابلس، وقتلوا أربعة من سكانها، هم أفراد من عائلة واحدة هبّوا للدفاع عن منازلهم وعائلاتهم، لا بد أن يقرع ناقوس الخطر، لأنه مثال يتكرر يومياً تقريباً، ولو أنه ما كان ليحظى بأي اهتمام لولا مقتل إسرائيليين في الحادث. وبغضّ النظر عن الرواية الإسرائيلية، ومحاولات استغلال الحادثة لأغراض انتخابية، فإن الخشية تزداد من اندلاع مواجهة مفتوحة بين الفلسطينيين والمستوطنين، ربما تطال ارتداداتها المنطقة برمّتها. وما حدث في داخل المسجد الأقصى، قبل أيام، من اقتحام آلاف المستوطنين، يتقدمهم وزراء متطرفون، ينذر بما هو أخطر في قادم الأيام، لجهة تغيير الواقع القائم، القانوني والتاريخي، للحرم القدسي، ومساعي السيطرة عليه. وما حدث أيضاً قبل أيام، على حدود قطاع غزة حيث تظاهر الآلاف للمطالبة باحتلال القطاع بالكامل، وإعادة الاستيطان، ليس معزولاً عما يجري في الضفة الغربية والقدس، والهدف واحد بطبيعة الحال، وهو تضييق الخناق على الفلسطينيين، وتهجيرهم من أرضهم ووطنهم.على هذه الخلفية، تبرز قضية الاستيطان واحدةً من أبرز القضايا التي تهدّد الأمن والاستقرار، والجهود المبذولة لتحقيق السلام، وإذا كانت إسرائيل معنية حقاً بالسلام والاستقرار في المنطقة، فعليها أن تكبح جماح المستوطنين، وأن تخضعهم للقوانين والمساءلة، قبل الحديث عن التسويات وعلاقات التعاون والازدهار، وعليها أن تدرك أن السلام والاستيطان لا يلتقيان، وأن تعمل على منع الانفجار في الضفة الغربية حتى لا تجر المنطقة إلى تداعيات لا تُحمد عقباها.