أكد أنس محمد الجعوان، مستشار تنمية المهارات، أن ما يُعرف بـ"الاستقالة الصامتة" أصبح من الظواهر اللافتة في بيئات العمل الحديثة، مشددًا على أن الموظف قد يغادر مقر عمله في نهاية الدوام، لكنه في بعض الحالات يكون قد غادر نفسيًا وعاطفيًا من عمله قبل ذلك بوقت طويل. وأوضح الجعوان لـ"الرياض" أن الاستقالة الصامتة لا تعني ترك الوظيفة أو تقديم الاستقالة رسميًا، وإنما تشير إلى حالة يتراجع فيها ارتباط الموظف بعمله، فيكتفي بأداء الحد الأدنى من المهام المطلوبة، ويتوقف تدريجيًا عن المبادرة والتطوير والمشاركة، بعد أن يفقد جزءًا من حماسه وشعوره بقيمة ما يقدمه. وأشار إلى أن هذه الحالة قد تنعكس على جودة الأداء والإنتاجية والعمل الجماعي والابتكار، خصوصًا عندما تستمر فترة طويلة دون أن تلتفت المنظمة إلى أسبابها أو تحاول معالجتها. وتأتي هذه الظاهرة في وقت تكشف فيه أحدث بيانات مؤسسة "Gallup" أن 20% فقط من الموظفين حول العالم كانوا مندمجين في أعمالهم خلال عام 2025، مقابل 64% غير مندمجين و16% منخرطين بصورة سلبية. كما قدرت المؤسسة أن انخفاض الاندماج الوظيفي كلف الاقتصاد العالمي نحو 10 تريليونات دولار من الإنتاجية المفقودة. ويرى الجعوان أن السؤال الأهم لا يتمثل في تحميل الموظف وحده مسؤولية تراجع أدائه، بل في البحث عن الأسباب التي أوصلته إلى هذه المرحلة، مشددًا على أن بيئة العمل والإدارة المباشرة يمكن أن يكون لهما تأثير كبير في مستوى اندماج الموظف وشعوره بقيمة عمله. وقال إن الموظف قد لا يفقد حماسه بصورة مفاجئة، وإنما قد تتراكم لديه مجموعة من العوامل، من بينها ضعف التقدير، وغياب التواصل الفعال مع المدير، والشعور بعدم العدالة، ومحدودية فرص التطور والنمو المهني، إلى جانب الضغوط المستمرة التي لا يصاحبها دعم كافٍ. وفي المقابل، شدد الجعوان على أن مسؤولية الموظف لا تسقط، مؤكدًا أن المهنية تفرض عليه العمل على تطوير نفسه، والتعبير عن احتياجاته ومشكلاته بوضوح، والبحث عن الحلول بدل الاستسلام للإحباط وتحويله إلى نمط دائم في العمل. وأكد أن نجاح العلاقة الوظيفية مسؤولية مشتركة بين الموظف والمنظمة، إلا أن الإدارة المباشرة تظل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل تجربة الموظف داخل بيئة العمل، مشيرًا إلى أن بناء بيئة صحية يتطلب قيادة تقوم على الاحترام والإنصاف والتقدير، وتمنح الموظف مساحة للمشاركة والتطور. وبين أن بيانات «Gallup» تظهر أهمية دور الإدارة في هذا الجانب؛ إذ تشير المؤسسة إلى أن المديرين يمثلون ما لا يقل عن 70% من التباين في مستوى اندماج الفرق الوظيفية. ولفت الجعوان إلى أن خطورة "الاستقالة الصامتة" تكمن في صعوبة اكتشافها من خلال مؤشرات الحضور والانصراف وحدها، فالعمل قد يستمر ظاهريًا بصورة طبيعية، بينما يكون مستوى المبادرة والحماس والرغبة في التطوير قد تراجع. وأضاف أن المؤسسات الناجحة لا ينبغي أن تكتفي بقياس إنجاز المهام، وإنما تحتاج أيضًا إلى الاهتمام بمستوى اندماج الموظفين ورضاهم وتجربتهم داخل المنظمة، لأن الموظف الذي يشعر بالتقدير والإنصاف يكون أكثر قدرة على المبادرة والإسهام في تحقيق أهداف المنشأة. واختتم الجعوان حديثه بالتأكيد على أن "الاستقالة الصامتة" ليست مشكلة موظف فقط، كما أنها ليست مسؤولية المنظمة وحدها، وإنما قد تكون نتيجة خلل في العلاقة بين الطرفين، عندما تتراجع الثقة ويغيب التقدير ويشعر الموظف بأن جهده لا يصنع فرقًا. وشدد على أن معالجة الظاهرة تبدأ بفهم أسبابها قبل الحكم على نتائجها، وبناء بيئة يشعر فيها الموظف بالاحترام والإنصاف، مع تحمله في الوقت نفسه مسؤوليته المهنية في التطوير والمبادرة والتواصل. فالموظف لا يفقد حماسه في يوم واحد، بل قد يفقده تدريجيًا مع كل يوم لا يشعر فيه بأن جهده مقدَّر، وأن وجوده يصنع فرقًا.