الاستدراج والبجاحة

تشير التطورات المتلاحقة بشأن فلسطين، ولبنان، وسوريا، وإيران، وغيرها، إلى نمطٍ متكرر مضطردٍ من التفاعلات والمواقف التي تؤدي إلى نتائج تتنافى مع المنطق، والعقل، والسلوك الرشيد، يحاول هذا المقال تفكيكها، لتوضيح الوسائل المُتبعة للوصول إليها. أولًا.. تطورات المنطقة: في فلسطين: يتم الاكتفاء بالبحث عن «سبيل لا رجعة فيه لإنشاء دولة فلسطينية»، وليس عن إنشاء الدولة بالفعل دون تسويف. ويتم التطلع لأفق للتعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين في المستقبل. كل ذلك إذا تحققت شروط مستحيلة منها: توحد الفصائل الفلسطينية، ونزع سلاح المقاومة والدولة المرتقبة، وضمان ألا تشكلا تهديدًا في المستقبل، والاعتراف بشرعية إسرائيل كدولة يهودية. هذا، مع تنصيب رئيس الولايات المتحدة حاكمًا مؤقتًا لغزة للإشراف على جميع شؤونها، من خلال مجلس سلام يرأسه مدى الحياة. ثم تستمر الضربات الإسرائيلية، ويستمر منع دخول المساعدات، ويستمر التدمير، ومنع إعادة الإعمار، وحشر من تبقى من أهل غزة في ربع مساحتها. كما يستمر اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى، وللقرى والتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية بتحريض وزراء الحكومة الإسرائيلية، وحماية الجيش. وعلى الجانب العربي، يتم «إقناع» -حتى لا نقول «الضغط على»- الفصائل الفلسطينية لنبذ المقاومة ونزع السلاح، بينما ترفض إسرائيل الانسحاب وفقًا لتصريحات كبار مسؤوليها. ومع ذلك، تتمسك الدول العربية بخطة ترامب التي لم تكن تهدف إلا إلى تحرير الرهائن الإسرائيليين، وتتوسل لتنفيذها. وتمارس علاقاتها اليومية الطبيعية مع إسرائيل كأن شيئًا لم يكن. في لبنان: تتفق حكومة لبنان مع الولايات المتحدة وإسرائيل على انتقاد إيران لأنها تربط وقف إطلاق النار في إيران بوقف الحرب في لبنان. ثم تتوسط الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق إطاري بين حكومتي لبنان وإسرائيل يُلزِمُ حكومة لبنان بنزع سلاح حزب الله، حتى لا يُشكل أي تهديد على إسرائيل أو جيشها الذي يحتل مناطق شاسعة من لبنان، قبل النظر في الانسحاب، مع توكيل مهمة التحكيم فيما يمكن أن يحدث من اختلافات إلى الولايات المتحدة. ويتم الاتفاق على انسحاب إسرائيل من مناطق تجريبية ينتشر فيها الجيش اللبناني. ثم تستمر إسرائيل في الهجمات والهدم والتدمير. وأخيرًا تعلن ببجاحة أن تجربة المناطق التجريبية التي اقترحتها فشلت، ويصرح كبار المسؤولين الإسرائيليين بأن إسرائيل لا تنوي الانسحاب في المرحلة الحالية، بعد تمام استدراج الحكومة اللبنانية، وتأجيج خلافاتها مع حزب الله. هذا علمًا بأنه سبق التوصل إلى وقف إطلاق للنار في نوفمبر 2024 بوساطة أمريكية قادها ممثل الرئيس الأمريكي السابق للبنان، عاموس هوكستين، الضابط الإسرائيلي مزدوج الجنسية الذي شارك في حروب إسرائيل السابقة على لبنان، لكن إسرائيل اخترقته آلاف المرات. وتم إنشاء آلية للمراقبة والتحكيم في المخالفات برئاسة اللواء الأمريكي جفري جسپر، اكتفت بالضغط على لبنان وإنكار الخروقات الإسرائيلية أو تبريرها. وبعد فشله وتآكل مصداقيته، تم تعيينه لرئاسة قوة «الاستقرار» في غزة. في سوريا: تم ترتيب مفاوضات مباشرة بين وزير الخارجية السوري ووفد إسرائيلي، يرأسه سفيرها في واشنطن، تم خلالها الاتفاق على توفير ضمانات أمنية لإسرائيل بما فيها إنشاء آلية للمتابعة تحت إشراف الولايات المتحدة، وبدء التفاوض على معاهدة سلام لتنظر إسرائيل في الانسحاب من الأراضي السورية الإضافية التي احتلتها بعد سقوط بشار الأسد، بعد أن ألغت منفردةً اتفاقية فض الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية التي تم التوصل إليها بوساطة أمريكية عام 1974. ثم تقوم إسرائيل بانتظام بالتوغل أكثر وقصف أي مكان في سوريا وقتما تشاء. رغم ذلك، يتم ترتيب اجتماع بين وزير خارجية سوريا، ورئيس المخابرات الإسرائيلي بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على مطار أبو الظهور شمال سوريا. ويستضيف الأردن -الدولة المسؤولة عن حماية الحرم القدسي الشريف- الاجتماع رغم الاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى. وتتلوه مباشرةً زيارة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لجبل الشيخ، حيث يؤكد أن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب. وتجدر التذكرة أن كاتس هذا كان قد تولى وزارة الخارجية لفترة قصيرة بعد الطوفان. وفي أول اجتماع له مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل نهاية عام 2023، اقترح إنشاء جزر صناعية قبالة غزة لطرد الفلسطينيين إليها، وسط ذهول الأوروبيين. في إيران: تم البدء بقصف منشآتها النووية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتدميرها بقنابل تقليدية تقترب قوتها من قوة التفجيرات النووية التي أُلْقيت على اليابان في أثناء الحرب العالمية. ثم يتم شن الحرب عليها مجددًا، لتغيير النظام، وإعادة تدمير البرنامج النووي الذي سبق تدميره. ثم تحشد الولايات المتحدة حلفاءها المقربين في المنطقة للتوسط لجر إيران إلى مائدة المفاوضات، ليتم الاتفاق على وقفٍ لإطلاق النار بشروط منطقية تتضمن: وقف الحروب الأخرى في المنطقة، ورفع العقوبات عن إيران، وفتح طرق الملاحة الدولية، وعدم امتلاك إيران لسلاح نووي. ثم تنتهك الولايات المتحدة المذكرة، وتحاول إفراغها من مضمونها، ثم تتراجع عن الاتفاق منفردة، ويتهم رئيسها إيران بالمراوغة وعدم الوفاء بالالتزامات، ويزعم أنها تلهث من أجل التوصل إلى اتفاق، في تطبيق عملي للمثل الشعبي المعروف بشأن من يتعامل مع جهة سيئة السمعة تحاول أن تلهيه، وتتهمه بأن ما فيها فيه. ثانيًا.. السلوك الأمريكي الإسرائيلي لتغيير المنطقة: نستشف مما سبق نمطًا مضطردًا من السلوك المُنَسَّقِ بين إسرائيل والولايات المتحدة من أجل هدم الشرق الأوسط «القديم»، وترسيخ وضع جديد تحتفظ فيه إسرائيل رسميًا بالهيمنة على المنطقة باستخدام القوة العسكرية المدعومة بضغوط أمريكية لتُمارِسَ «الحقَّ» في ضرب من تشاء، حين تشاء، أين تشاء، وتطبيق سياسة العزل، ثم النزع، ثم الرزع، التي يطلق عليها بنيامين نتنياهو، ومن ورائه ترامب: «السلام من خلال القوة»، والتي تعني عمليًا: الهيمنة بالقوة. الاستدراج: يتمثل النمط الذي تعكسه كل تلك التطورات في استدراج الطرف المُسْتَهْدف لمفاوضات مُباشرة مع إسرائيل بضمانات أمريكية مبهمة، ثم الضغط عليه بالتنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، للقبول بعموميات -من المعروف سلفًا أنها لن تُنفذ- بشأن مطالبه الشرعية التي يقرها القانون الدولي وقرارات المنظمات الدولية المتراكمة على مر السنين، ولإجباره على الالتزام بخطواتٍ مُحددة بشأن مطالب إسرائيل غير الشرعية التي تتلخص في التنازل عن حق مقاومة الاحتلال، وعن أوراق القوة التي يمتلكها: من سلاح، أو أراضٍ، أو ممرات دولية، مع وضع معايير صارمة للتحقق من الوفاء بهذه الالتزامات، قبل تنفيذ العموميات المطلوبة من إسرائيل، مما يسمح لها بالتسويف والتنصل إلى ما لا نهاية. تم ذلك مع السلطة الفلسطينية، خلال عمليتي مدريد وأوسلو. ثم مع «حماس» وفصائل المقاومة بعد الطوفان. وتم اتباع نفس الأسلوب مع لبنان عقب دفع الغرب لانتخاب قائد الجيش السابق رئيسًا للجمهورية على خلاف المبادئ الغربية بشأن عدم تدخل الجيش في السياسية. ثم إزاحة نواف سلام من رئاسة محكمة العدل الدولية وتوليته رئاسة وزراء لبنان. وإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة في لبنان بقرار مجلس الأمن 2790. ثم استدراج الحكومة اللبنانية لمفاوضات الاتفاق الإطاري. وتم نفس الأمر مع سوريا بعد مساعدة القوات المتمردة بقيادة أحمد الشرع على إزاحة نظام بشار الأسد المتهاوي. ثم تحويل الشرع من قائد ميداني إلى رئيس، ومطالبته بتسديد المقابل بالتغاضي عن التوغلات الإسرائيلية، وتدخلاتها لتشجيع الدروز على التمرد، ثم استدراج النظام السوري الجديد لمفاوضات مباشرة عبثية مع إسرائيل بوساطة أمريكية، يستمر في أثنائها، وعلى الرغم منها، العدوان والتوسع الإسرائيلي. كما تم ذلك مع إيران ثلاث مرات: باستدراجها للمفاوضات النووية عام 2012، ثم إلغاء الاتفاق بعد بضع سنوات. واستدراجها لمفاوضات أخرى بعد عودة ترامب للحكم في مطلع 2025، ثم قصف منشآتها النووية بعد عملية تمويه بين ترامب ونتنياهو ليبدو أنهما مختلفان. واستدراجها لمفاوضات ثالثة قبل شن الحرب عليها في نهاية فبراير 2026. ثم استدراجها لمرة رابعة للاتفاق على مذكرة التفاهم في أثناء الحرب، قبل أن تنسحب منها الولايات المتحدة. في جميع الحالات، يتم الاستدراج بمساعدة وسطاء إقليميين لهم مصلحة في حفظ استقرار الإقليم مثل مصر، والسعودية، وعُمان، وقطر، وتركيا، وباكستان. لكنهم في نفس الوقت يرتبطون بعلاقات عضوية مع الولايات المتحدة ورئيسها، تجعلهم لا يرفضون طلبات التدخل لتهدئة الأمور، وإقناع الطرف الآخر بالعودة للتفاوض، وتقديم التنازلات. كما تجعلهم لا يستطيعون انتقاد الولايات المتحدة لتواطئها مع إسرائيل. ويكتفون بالثناء على جهود رئيسها لتحقيق السلام، ودعوته للضغط على إسرائيل، دون اتخاذ إجراءات عملية ضد الأخيرة. البجاحة: عندما تنتج المواقف العربية غير المنطقية النتائج المتوقعة أمريكيًا وإسرائيليًا، بشأن فلسطين، ولبنان، وسوريا، على النحو السالف بيانه، تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل مواقف تتسم بالبجاحة بعد تمام الاستدراج. إذ تتمسكان بضرورة التزام الأطراف العربية بما تم الاتفاق عليه من تنازلات وتأجيل للحقوق الثابتة بالقانون الدولي للنظر فيما يمكن لإسرائيل تقديمه. تم ذلك مؤخرًا بعد مقابلة كوشنر الإيجابية مع وفد «حماس» في مصر، قبل أن ينقلب موقفه في اليوم التالي بعد زيارة إسرائيل، ويصرح لقناة فوكس بأنه يعطي الفرصة لـ«حماس» لتنفيذ التزاماتها، لكنه لا يثق بها بسبب ما ارتكبته من فظائع. وكذلك تهديده بأن عدم تنفيذ التزامات «حماس» سيمنح إسرائيل شرعية التصرف في غزة كيف تشاء. كأنها لا تقوم بذلك، وكأن لها حق الدفاع عن النفس في الأراضي التي تحتلها. بعد ذلك يُبلِغ نيقولا ملادينوف، ممثل مجلس السلام في غزة، مجلس الأمن أن إسرائيل ليست طرفًا، وبالتالي ليس عليها أي التزامات بشأن خارطة الطريق التي كان قد اتفق عليها مع «حماس» على أساس التزامات متبادلة بين الطرفين. نفس المنطق يُتَّبَعُ مع لبنان، حيث تتمسك الولايات المتحدة بتنفيذ لبنان لالتزاماته وفقًا للاتفاق الإطاري. وتدافع عن حق إسرائيل في قصف أي تهديد محتمل. وتبلغ البجاحة والاستخفاف المدى بتوقيف القوات الإسرائيلية لعدد من سكان قري جنوب لبنان بغير ذنب سوى تواجدهم في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ، لتتوسط الولايات المتحدة لدى إسرائيل لتسليمهم للسلطات اللبنانية مع المطالبة بجثث ليهود مدفونين في لبنان من عشرات السنين، فيما أُطْْلِقَ عليه بادرة حسن نية، ليست في الواقع إلا حيلةً لإعادة استدراج لبنان للمفاوضات العبثية، بعد أن أبدت ترددًا في الاستمرار فيها بينما تُصَعِّدُ إسرائيل توغُّلَها وقصفها دون هوادة. والأمر نفسه مع سوريا التي تتوسع فيها الهجمات الإسرائيلية وتكتفي الولايات المتحدة بالتصريح بأنها لم تكن تعلم. ثم يؤكد المسؤولون الإسرائيليون أنهم أخطروا الولايات المتحدة، فتتغير التصريحات الأمريكية للإفادة بأنها لم توافق على الهجمات. تم اتباع نفس السياسة مع إيران، لكنها أخفقت حتى الآن في تحقيق أهدافها لعدم استجابة إيران للمطالب الأمريكية. لا يفوتني الإشارة كذلك إلى نموذج أخير تم من خلاله استدراج السعودية لمفاوضات بشأن إنشاء برنامج نووي سلمي، مع التوصل لاتفاق لا يتم الإعلان عنه، وتسريب أخبار عن أنه يتيح للسعودية إمكانية تصنيع الوقود محليًا، رغم أن التسريبات نفسها تشير إلى شروط عبثية للقبول ببناء منشأة للتخصيب بعد سنوات من إتمام دراسة تنتهي إلى جدوى ذلك، وهو ما ليس واردًا على الإطلاق. ثم تبدأ البجاحة بالتغطية الإعلامية لتلك التسريبات، ما يدفع إسرائيل للاحتجاج وطلب الحصول على مقابل من الولايات المتحدة. وتبلغ البجاحة مداها بعد توقيع الاتفاق، بإعلان الرئيس الأمريكي بأن إقراره في الكونجرس ومن ثم تنفيذه يتوقف على انضمام السعودية للاتفاقات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل. وهو ما يُذكرنا بمبادرة السعودية بالدخول في مشاركة استثمارية مع جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى، تمثلت في تقديم ملياري دولار لكوشنر لاستثمارها. ثم إدلاء الأخير في أثناء الإبادة على غزة بتصريحات غاية في البجاحة تفيد أنه استثمر هذه الأموال في إسرائيل للتقريب بين السعودية وإسرائيل. ثالثًا.. الخلاصة: الاختلاف الوحيد بين مختلف الحالات، أن الأطراف العربية انقادت للمساعي الأمريكية، واعتمدت على رئيسها لتحقيق وعود يعرفون أنه لن يفي بها. بينما تتمسك إيران بمقاومة العدوان، رغم التفاوت الشاسع في القدرات، ما أخّر تحقيق الأهداف الأمريكية الإسرائيلية، حتى الآن. يوضح ما سبق نتائج المواقف غير المنطقية: فالشرق الأوسط «القديم» لا يتغير، بل يزداد وقاحة. والانقياد للاستدراج يؤدي إلى تجريد الضحية مما تملك من أوراق، ومن ثم خسارتها لحقوقها الطبيعية. بينما التمسك بالمقاومة إن لم يمنع تلك النتيجة، فهو يؤخر حدوثها، ويمنع المغتصب من الاستمتاع بها.The post الاستدراج والبجاحة first appeared on Mada Masr.