يبرز مفهوم الاستحواذ على الخطاب (Discursive Capture) بوصفه أحد تجليّات الصراع الرمزي المعاصر؛ حيث يُعاد تشكيل المعنى عبر التحكم في شروط إنتاجه، والسيطرة على شرعيته. وإذا ما نظرنا إلى الخطاب بوصفه فضاءَ صراعٍ تتنازع فيه القوى على امتلاك حق القول وتحديد أفق التأويل، فإنّ هذه الكيفيّة تَدفَع نحو تحوّل بعض الأصوات إلى مرجعيات مهيمنة. بينما تُدفَع أصوات أخرى إلى الهامش أو تُدمج داخل الإطار المهيمن ذاته. حيث إنّ الاستحواذ على الخطاب لا يتحقّق فقط عبر الإقصاء المباشر، بل عبر إعادة تنظيم المعقول؛ وذلك بضبط ما يُعَدُّ بديهيًا أو ممكنَ التفكير. وهنا تتبدّى السردية بوصفها الأداة الأنجع، إذ تمنح الوقائع نسقًا يربطها ويمنحها معنى.. غير أنّ هذا النسق ذاته قابل لأن يُضخَّم حتى ليبتلع ما سواه. ولذا فإنّ امتلاكَ أدوات التسمية والتصنيف والتأطير يمنح الفاعلَ قدرةً على إعادة تشكيل الواقع دلاليًا. فتُصبح التسمية فعل إنشاء يُحدِّد ما هو الممكن وما هو غير الممكن. فيستدعي ذلك تضخيم السردية التي تُمنح فيها واقعةٌ جزئيةٌ وزنًا تفسيريًا يتجاوز حدودها، فيتجلّى ابتداءً عبر تحويلها إلى إطار تفسيري كلِّي يُقصي البدائل ويُغرق الفضاء العام. فلا تترك فراغًا رمزيًّا إلا وتملأه، ولا تترك سؤالاً مُلحًّا إلا وتصوغَ إجابته مسبقًا؛ فيتحقق الاستحواذ عبر إعادة ترتيب الأولويات الإدراكية للمتلقي. وهذا التضخيم لا يتأسّس إلا وفق ثلاثة أفعال متلازمة تتمثّل في الانتقاء القائم على اختيار عناصر بعينها من الواقع وتقديمها بوصفها مُمثِّلة له. والتكثيف الذي يُعيد عرض هذه العناصر بآليات تكرارية ورمزية تمنحها حضورًا مفرطًا. وأخيرًا التعميم الذي ينقل الدلالة من الخاص إلى العام، بحيث تُستنتج أحكام كليَّة من حالات جزئية. ومن جهة أخرى يعمل التأطير (Framing) بوصفه تقنية تنظيمية للمعنى على تقديم الوقائع ضمن سياق يُحدِّد دلالتها قبل أن تُفهم. وعندما يقترن التأطير بتضخيم السردية، فإنّه يتحوّل إلى أداة للهيمنة الرمزية، إذ يُنتج ما يُمكن تسميته بالأفق المغلق للتأويل. فالمتلقي لا يواجه تعدُّدًا في المعاني، بل شبكة مُحكمة تُعيد توجيه فهمه نحو نتيجة محدَّدة سلفًا. فيغدو كلُّ اعتراض هامشي خروجًا عن المعقول. على أنّه لا يمكن فهم تضخيم السردية بمعزلٍ عن الاقتصاد الرمزي الذي يُحدِّد ما يُستثمَر فيه من معانٍ وما يُهمَل. فالخطابات لا تتساوى في قدرتها على الانتشار، بل تخضع لمنطق تداولي تحكمه مؤسسات ووسائط ورؤوس أموال رمزية. وعليه، فإنّ السردية التي تحظى بدعم هذا الاقتصاد تكتسب قابليةً أكبر للتَّضخُّم، وذلك بسبب قدرتها على احتلال الفضاء العمومي. وهنا يلتقي تضخيم السردية بمفهوم فرط الواقع (Hyperreality) حيث يُنتج تضخيم السردية حالةً يصبح فيها الخطاب المهيمن هو الواقع، فيملأ كل فراغ إدراكي، ويتحوّل الخطاب المستحوذ بتعبير رولان بارت إلى «أسطورة» تقلب التاريخ إلى طبيعة، فيبدو ما هو منحاز ثقافيًّا وكأنه مُعطىً أنطولوجي لا بديل عنه. لكن التضخيم ليس مجرَّد تكرار كمي، بل هو أيضًا تبديد لطاقة السؤال. فيغدو ترديدًا بلا فهم بالموجود، فمن منظور هايدغر يتحوّل الخطاب العام إلى ثرثرة كونية بحيث لا يُفكّر أحد في ما يُقال فعلاً، وإنّما يُعيد الجميع إنتاج ذات السردية، فتُجهَض كلُّ محاولة للسؤال قبل أن تبدأ. إذ إنّ الاستحواذ لا يكتفي بالقبض على اللغة، بل يمتد إلى القبض على الوجود ذاته. وبظنّي ومن محاولة موضوعية، فإنّ الاستحواذ يُفضي إلى إفقار المعنى وإغلاق الخطاب ولذا فإنّ مقاومته لا تتحقَّق بمجرد تقديم سردية مضادة، إذ قد تقع هذه الأخيرة في الفخ ذاته عبر تضخيمٍ مقابل. و إنّما عبر ممارسة ما يُمكن تسميته «التفريغ الخطابي» (Discursive Deflation) الذي يتطلّب إعادة فتح مساحات للإصغاء والتساؤل، وفتح أفق التأويل عبر تفكيك آليات التأطير وكشف افتراضاتها الضمنيّة. بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للتعدُّد بوصفه شرطًا للفهم وليس مُهدِّدًا له. وتحرير السياق من قبضة القراءة الأحادية عبر استحضار بدائل تفسيرية مُمكنة. ومن ثمَّ «حفريات الخطاب» بحسب تعبير فوكو التي تكشف الشروط التاريخية لنشوء الخطابات المهيمنة. ختامًا فإنّ تحليل الاستحواذ على الخطاب يكشف أنّ المعركة الحقيقية لا تدور حول الوقائع بقدر ما تدور حول كيفية سردها. فحين تُضخَّم السردية إلى حدّ ابتلاع الواقع يتحوَّل الخطاب من أداة للفهم إلى وسيلة للهيمنة، ويُصادَر من الذات قدرتها على أن تكون بداية لمعنى ما. ومن هنا، فإنّ استعادة التوازن تكمن في بقاء المعنى مفتوحًا على احتمالاته كافّة. ونحن في مواجهة ذلك لا نملك وصفة جاهزة بقدر ما نملك مَهمَّة التفلسف.