هناك فينا ولنا ومعنا أمور قدرية ليس لنا في وقوعها أو ما ينتج عنها من آثار أي اختيار، وهناك أمور أخرى نختارها كل يوم؛ كلمة نقولها، صديقًا نصاحبه، طريقًا نسلكه، تخصصاً ندرسه، عملاً نقبله، وعلى ذلك قس. وقد نختار في لحظة ما قرارًا يمتد أثره بقية العمر. ولذا فصعوبة الاختيار من أكثر ما يرهق الإنسان؛ فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الخيارات، بل كثيرًا ما تكون المشكلة الحقيقة في كثرتها وتشابهها، ولهذا قيل في تراثنا الأدبي (اختيار المرء قطعة من عقله) لأن الإنسان حين يختار يكشف، عن عقله وذوقه وقيمه وأولوياته. وقد عبّر ابن الجوزي عن ذلك بعبارة بليغة في مصنفه الشهير صفة الصفوة حين قال، (وصناعة العقل حسن الاختيار)، تأمل كلمة (صناعة)؛ فالاختيار ليس رغبة عابرة أو اندفاعًا لحظيًا، وإنما عملية تحتاج إلى عقل وروية وخبرة ومعرفة بالعواقب. وكتب الأدب العربي نفسها شاهد على قيمة الاختيار؛ فـالعقد الفريد لابن عبد ربه - على سبيل المثال - لم يكتسب مكانته من كثرة ما جمعه فحسب، وإنما من حسن انتقاء الأخبار والحكم والأشعار والخطب والأمثال وترتيبها. وكأن أدباءنا يقولون لنا بالفعل قبل القول: ليست القيمة في أن تجمع كل شيء، وإنما في أن تعرف ماذا تختار وماذا تترك.
إن الإنسان، في جانب كبير من حياته، هو مجموع اختياراته؛ فاختيار الأصدقاء يؤثر في شخصيته، وما يقرؤه يبني عقله، وما يسمعه يصوغ ذائقته، واختيار التخصص والمهنة وشريك الحياة قد يرسم مسار عقود من عمره. وتزداد صعوبة الاختيار حين لا يكون الأمر بين صواب وخطأ، بل بين أمرين لكل منهما مزاياه. وهنا تظهر قيمة العقل؛ فلا تسأل فقط: ماذا أريد الآن؟ بل اسأل: ماذا سيترتب على اختياري غدًا؟ ولا تنظر إلى أول الطريق وحده، بل حاول أن تستشرف نهايته، مع إيمانك المطلق بأن ما سيحدث بعد ذلك هو من عند الله. وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في عبارة بالغة الدقة حين قال: (ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين)، وهي عبارة تنقل مفهوم العقل من مجرد معرفة الأشياء وتصنيفها إلى القدرة على الموازنة بينها، وتقدير مراتبها، والنظر فيما يترتب عليها من نتائج. فالناس في الغالب يستطيعون التمييز بين الصدق والكذب، والعدل والظلم، والنفع والضرر، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتزاحم المصالح الخيرية؛ فأيها يقدم؟ وعندما تتعدد الأضرار الآنية والمستقبلية ولا يمكن دفعها جميعًا؛ فأيها يُحتمل دفعًا لما هو أشد منه؟.
من الطريف أننا قد نقضي وقتًا طويلًا في مقارنة سلعتين، ثم نتخذ بعض قرارات الحياة الكبرى بعجلة! نبحث في مواصفات هاتف نستخدمه سنوات قليلة، وربما لا نبذل القدر نفسه في اختيار تخصص أو وظيفة أو شريك قد يصاحبنا عمرًا. وحسن الاختيار لا يعني ضمان عدم الخطأ؛ فالإنسان محدود المعرفة، لكنه يستطيع تقليل احتمالات الندم بأن يجمع المعلومات، ويستشير أهل الخبرة، ويتأنى، ويوازن بين المصالح والمفاسد، وينظر في العواقب، ثم يستخير الله ويمضي. وفي زمن تتكاثر فيه الخيارات حتى أصبحت تحاصرنا في هواتفنا وأسواقنا وعلاقاتنا وأفكارنا، تزداد حاجتنا إلى حكمة أسلافنا في الانتقاء، رزقنا الله وإياكم عقولاً تعرف (كيف، ومتى، وأين ، ولماذا)، تختار هذا وتترك ذاك، وإلى لقاء والسلام.
هناك فينا ولنا ومعنا أمور قدرية ليس لنا في وقوعها أو ما ينتج عنها من آثار أي اختيار، وهناك أمور أخرى نختارها كل يوم؛ كلمة نقولها، صديقًا نصاحبه، طريقًا نسلكه، تخصصاً ندرسه، عملاً نقبله، وعلى ذلك قس. وقد نختار في لحظة ما قرارًا يمتد أثره بقية العمر. ولذا فصعوبة الاختيار من أكثر ما يرهق الإنسان؛ فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الخيارات، بل كثيرًا ما تكون المشكلة الحقيقة في كثرتها وتشابهها، ولهذا قيل في تراثنا الأدبي (اختيار المرء قطعة من عقله) لأن الإنسان حين يختار يكشف، عن عقله وذوقه وقيمه وأولوياته. وقد عبّر ابن الجوزي عن ذلك بعبارة بليغة في مصنفه الشهير صفة الصفوة حين قال، (وصناعة العقل حسن الاختيار)، تأمل كلمة (صناعة)؛ فالاختيار ليس رغبة عابرة أو اندفاعًا لحظيًا، وإنما عملية تحتاج إلى عقل وروية وخبرة ومعرفة بالعواقب. وكتب الأدب العربي نفسها شاهد على قيمة الاختيار؛ فـالعقد الفريد لابن عبد ربه - على سبيل المثال - لم يكتسب مكانته من كثرة ما جمعه فحسب، وإنما من حسن انتقاء الأخبار والحكم والأشعار والخطب والأمثال وترتيبها. وكأن أدباءنا يقولون لنا بالفعل قبل القول: ليست القيمة في أن تجمع كل شيء، وإنما في أن تعرف ماذا تختار وماذا تترك.
إن الإنسان، في جانب كبير من حياته، هو مجموع اختياراته؛ فاختيار الأصدقاء يؤثر في شخصيته، وما يقرؤه يبني عقله، وما يسمعه يصوغ ذائقته، واختيار التخصص والمهنة وشريك الحياة قد يرسم مسار عقود من عمره. وتزداد صعوبة الاختيار حين لا يكون الأمر بين صواب وخطأ، بل بين أمرين لكل منهما مزاياه. وهنا تظهر قيمة العقل؛ فلا تسأل فقط: ماذا أريد الآن؟ بل اسأل: ماذا سيترتب على اختياري غدًا؟ ولا تنظر إلى أول الطريق وحده، بل حاول أن تستشرف نهايته، مع إيمانك المطلق بأن ما سيحدث بعد ذلك هو من عند الله. وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى في عبارة بالغة الدقة حين قال: (ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين)، وهي عبارة تنقل مفهوم العقل من مجرد معرفة الأشياء وتصنيفها إلى القدرة على الموازنة بينها، وتقدير مراتبها، والنظر فيما يترتب عليها من نتائج. فالناس في الغالب يستطيعون التمييز بين الصدق والكذب، والعدل والظلم، والنفع والضرر، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتزاحم المصالح الخيرية؛ فأيها يقدم؟ وعندما تتعدد الأضرار الآنية والمستقبلية ولا يمكن دفعها جميعًا؛ فأيها يُحتمل دفعًا لما هو أشد منه؟.
من الطريف أننا قد نقضي وقتًا طويلًا في مقارنة سلعتين، ثم نتخذ بعض قرارات الحياة الكبرى بعجلة! نبحث في مواصفات هاتف نستخدمه سنوات قليلة، وربما لا نبذل القدر نفسه في اختيار تخصص أو وظيفة أو شريك قد يصاحبنا عمرًا. وحسن الاختيار لا يعني ضمان عدم الخطأ؛ فالإنسان محدود المعرفة، لكنه يستطيع تقليل احتمالات الندم بأن يجمع المعلومات، ويستشير أهل الخبرة، ويتأنى، ويوازن بين المصالح والمفاسد، وينظر في العواقب، ثم يستخير الله ويمضي. وفي زمن تتكاثر فيه الخيارات حتى أصبحت تحاصرنا في هواتفنا وأسواقنا وعلاقاتنا وأفكارنا، تزداد حاجتنا إلى حكمة أسلافنا في الانتقاء، رزقنا الله وإياكم عقولاً تعرف (كيف، ومتى، وأين ، ولماذا)، تختار هذا وتترك ذاك، وإلى لقاء والسلام.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.