لم تعد عمليات الاحتيال المالي مجرد اتصالات عشوائية تستهدف الضحايا بصورة منفردة، وإنما تطورت إلى عمليات منظمة وعابرة للحدود تستخدم أرقاماً دولية، وحسابات إلكترونية وهمية، وأحياناً أجهزة ومراكز اتصال «كول سنتر» متطورة تتيح للمحتالين توزيع الأدوار والتواصل مع الضحية بأكثر من صفة وفي مراحل متتابعة، لإضفاء المصداقية على رواية مختلقة تنتهي غالباً بطلب تحويل الأموال.وتكشف أساليب الاحتيال الحديثة عن قدرة متزايدة لدى الشبكات الإجرامية على استغلال هيبة الشرطة والسفارات والقنصليات والمحاكم ومكاتب المحاماة، وإيهام الضحية بوجود قضية أو إجراء قانوني عاجل، ثم دفعها إلى تحويل الأموال تحت ضغط الخوف والاستعجال. ولا تتوقف العملية عند حدود دولة واحدة؛ فقد يبدأ الاتصال من رقم دولي وتنتقل الأموال عبر حسابات في دول مختلفة، بينما تتوزع الأدوار بين أشخاص لا تربطهم بالضحية أي علاقة مباشرة.**media[8125637]**يؤكد محامون أن القانون الإماراتي يتعامل بصرامة مع الاحتيال الإلكتروني وانتحال الصفات، وأن استخدام الحسابات أو المحافظ المالية لاستقبال أموال غير مشروعة قد يعرض أصحابها للمساءلة، كما يشددون على أهمية الأدلة الرقمية وسرعة الإبلاغ، باعتبارهما عنصرين أساسيين في كشف مسار الجريمة وزيادة فرص استرداد الأموال.طرق احتياليةأكد المحامي والمستشار القانوني عمر العوضي، أن المادة (40) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية تجرم الاستيلاء بغير حق على مال أو منفعة باستخدام طرق احتيالية أو اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة عبر وسائل تقنية المعلومات، وتقرر العقوبات المنصوص عليها في القانون.وأضاف أن انتحال وظيفة عامة، مثل رجل شرطة أو موظف حكومي، قد يخضع كذلك لأحكام قانون الجرائم والعقوبات، حيث إن طبيعة الصفة المنتحلة والوسيلة المستخدمة والهدف من الانتحال والنتيجة المترتبة عليه جميعها تدخل في تحديد الوصف القانوني للواقعة، وتزداد خطورة الفعل عندما يستخدم المحتال شعارات الجهات الرسمية أو أسماء المحاكم والسفارات ومكاتب المحاماة، أو يصطنع مستندات ورسائل لإضفاء المصداقية على الخداع.وأشار إلى أن الاحتيال يكتمل عندما تنجح الوسيلة الاحتيالية في خداع الضحية وحملها على تسليم المال أو تحويله، أما إذا بدأ الجاني في تنفيذ مخططه ولم يتمكن من الحصول على الأموال فقد نكون أمام شروع في الجريمة أو جرائم أخرى بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة.**media[8125641,8125636]**وشدد العوضي على ضرورة الاحتفاظ بكل ما يتعلق بالواقعة من رسائل ومحادثات وأرقام هواتف وبريد إلكتروني وروابط وصور حسابات ومستندات وإيصالات التحويل وبيانات الحسابات أو المحافظ التي استقبلت الأموال، مؤكداً أن سرعة إبلاغ البنك والشرطة والجهات المختصة مهمة لتوثيق الواقعة وزيادة فرص تتبع الأموال.وشهد الاحتيال المالي تطوراً لافتاً، فلم يعد المحتال يعتمد على الإغراء فقط، وإنما أصبح يستغل هيبة الجهات الرسمية وثقة الجمهور، وإيهام الضحية بوجود قضية أو إجراء قانوني ضده ثم مطالبته بتحويل مبلغ مالي بصورة عاجلة.وأشار المحامي والمستشار القانوني علي مصبح، إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعاً اعتبار الرقم الظاهر على شاشة الهاتف دليلاً كافياً على هوية المتصل، مؤكداً أن الإجراء الصحيح هو إنهاء المكالمة والتحقق بصورة مستقلة من الجهة المعنية عبر أرقامها وقنواتها الرسمية، وعدم استخدام الرقم أو الرابط الذي يرسله المتصل للتحقق من هويته.وأوضح أن استخدام اسم جهة رسمية أو جهة أمنية أو قضائية أو مكتب محاماة لإقناع الضحية بتحويل الأموال قد يشكل جزءاً أساسياً من جريمة الاحتيال الإلكتروني متى توفرت أركانها، وأن استخدام اسم جهة رسمية لا يعني بالضرورة، في كل واقعة، قيام ظرف مشدد بصورة تلقائية، وإنما يتحدد الوصف والعقوبة وفق النص القانوني المنطبق ووقائع القضية والوسائل المستخدمة والنتيجة التي ترتبت عليها.**media[8125639,8125638]**وأكد أن المسؤولية لا تقتصر على الشخص الذي يتصل بالضحية، فقد تمتد إلى من يشارك عن علم في توفير الحسابات أو استقبال الأموال أو تحويلها أو سحبها، بحسب دوره وقصده وما تثبته التحقيقات، وقد تثار أحكام غسل الأموال عند توفر أركانها، في حين لا تكفي مجرد حركة الأموال عبر حساب شخص لإثبات مسؤوليته الجزائية دون بحث علمه ومشاركته الفعلية.وأوضح المستشار القانوني الدكتور علاء نصر، أن المحتال قد يبدأ بالاتصال منتحلاً صفة مسؤول أمني، ثم ينتقل إلى شخص يقدم نفسه باعتباره موظفاً في سفارة أو قنصلية، ثم إلى شخص آخر يدعي أنه محام أو مستشار قانوني، بحيث تتكامل الأدوار لصناعة رواية قانونية وهمية وإقناع الضحية بأن أمامها إجراء رسمي يتطلب تدخلاً مالياً عاجلاً.وأشار إلى أن استخدام رقم دولي أو رقم يظهر للضحية على أنه تابع لبعثة دبلوماسية لا يمنح الاتصال أي حجية أو موثوقية قانونية، ولا يكفي لإثبات هوية صاحبه، خصوصاً مع تطور تقنيات وخدمات الاتصالات التي تمكن من إظهار أرقام لا تعكس بالضرورة المصدر الحقيقي للاتصال.احترافية في الاستغلاللا يرتبط الوقوع في الاحتيال لا دائماً بمستوى التعليم أو الوعي، حيث أكد علي بن محمد النعيمي، موظف، أن المحتالين أصبحوا أكثر احترافية في استغلال لحظات الخوف والارتباك. فعندما يتصل شخص ويذكر اسم جهة رسمية ويعرف بعض بيانات الضحية ويتحدث بثقة عن قضية أو إجراء عاجل، قد ينتقل الإنسان من التفكير المنطقي إلى محاولة حماية نفسه بسرعة.وأكد أن أول تصرف يجب القيام به هو عدم الدخول في حالة خوف أو استعجال، وعدم تقديم أي بيانات شخصية أو مصرفية أو رموز تحقق، وعدم تحويل أي مبلغ، ثم إنهاء المكالمة والتواصل بصورة مستقلة مع الجهة التي يدعي المتصل تمثيلها عبر قنواتها الرسمية.وأشار إلى أن المحتال يستغل هيبة الجهات الرسمية وثقة المجتمع بها، وليس بالضرورة الخوف منها، فعندما يسمع الشخص كلمات مثل الشرطة أو المحكمة أو السفارة أو النيابة، فإنه يتعامل مع الأمر بجدية، وهنا يحاول المحتال تحويل هذه الثقة إلى وسيلة ضغط.تفاصيل تمنح المصداقيةقالت ريم فيصل القايدي، موظفة، إن المحتال أصبح يفهم نفسية الضحية ويعرف متى يخيفها ومتى يطمئنها ومتى يشعرها بأن التعاون معه هو الطريق الوحيد للخروج من المشكلة، وهو ما يجعل الاحتيال الحديث أقرب إلى عملية «هندسة اجتماعية» تستهدف الإنسان قبل التقنية.وأكدت أن الجمع بين التخويف والاستعجال وطلب المال يمثل علامة كافية للتوقف، إضافة إلى طلب رموز التحقق أو البيانات المصرفية، أو إرسال الأموال إلى حساب شخصي، أو الإصرار على إبقاء المكالمة مفتوحة أثناء تنفيذ التحويل.**media[8125640]**ودعت أي شخص يتعرض لموقف مشابه إلى إغلاق الهاتف والتحدث مع شخص يثق به ثم التواصل بنفسه مع الجهة المعنية.فيما شدد عبدالعزيز بن سلطان النعيمي، موظف، على ضرورة عدم منح الثقة لأي اتصال لمجرد أن المتصل يتحدث بثقة أو يعرف اسم الشخص وبعض بياناته أو يدعي أنه يمثل جهة رسمية أو مصرفاً أو مؤسسة معروفة.التواصل المباشر أكد عبدالعزيز النعيمي أن التحقق من مصدر الاتصال أصبح ضرورة في التعاملات الرقمية، خصوصاً مع سرعة تنفيذ التحويلات المالية، داعياً إلى التواصل مباشرة مع البنك أو الجهة المعنية عبر قنواتها الرسمية وعدم الاعتماد على الرقم الظاهر في الهاتف.كما دعا إلى الاهتمام بكبار السن والأشخاص الأقل خبرة في التعاملات الرقمية، وتشجيعهم على طلب المساعدة وعدم اتخاذ أي قرار مالي تحت الضغط، مؤكداً أهمية دور الأسرة في تعريفهم بأساليب الاحتيال الجديدة.