بات من الواضح أن حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة لا تتجاهل قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي الإنساني فقط، بل هي لا تحترم قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية أيضاً التي تتعلق بما يخص الفلسطينيين، إذا كان فيه بعض الحقوق وشيء بسيط من العدالة، طالما أن ذلك يتعارض مع نهج العدوان ولا يصب في مخططاتها التوسعية.آخر فصول هذا السلوك إعلان نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس رفض قرار المحكمة العليا الذي يلزم الجيش بتحديد جدول زمني لعودة السكان الفلسطينيين إلى منازلهم في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، رغم أن المحكمة لم تأمر بعودة فورية للسكان، ولا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من المخيمات الثلاثة.يذكر أن النزوح بدأ مع ما يسمى عملية «الجدار الحديدي» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي مطلع عام 2025، وبعد نحو عام وعشرة شهور، لا يزال أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني خارج منازلهم، ومخيمات خالية من سكانها، بحسب وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير صدر في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن 52 في المئة من مباني مخيم جنين، و48 في المئة من مباني مخيم نور شمس، و36 في المئة من مباني مخيم طولكرم، باتت مهدمة وغير صالحة للسكن.نتنياهو تعهد بعدم السماح لسكان هذه المخيمات بالعودة إليها قائلاً: «سمعت أن أحداً ما في المحكمة العليا يقول إنه يجب إيجاد طريقة لإعادة السكان إلى هنا.. هؤلاء ليسوا سكاناً»(!) ولم يوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي ما يعنيه من أن سكان المخيمات «ليسوا سكاناً». أما وزير دفاعه كاتس فهاجم المحكمة العليا، وأعلن تمسكه بإبقاء قوات الجيش الإسرائيلي في المخيمات لفترة طويلة «حتى لو تطلب ذلك سن تشريع خاص في الكنيست»، حسب قوله. مبرراً ذلك بما أسماه «المفهوم الأمني الإسرائيلي في الضفة الغربية» الذي اتفق عليه مع نتنياهو والذي يشمل التخلي عن الاقتحامات العسكرية المتكررة لمخيمات اللاجئين، والانتقال إلى فرض سيطرة عسكرية مباشرة طويلة الأمد، أي أن النزوح المؤقت لسكان المخيمات الثلاثة قد يتحول إلى واقع دائم.وانضم وزير المالية بتسليئيل سموتريتش إلى نتنياهو وكاتس، واصفاً قرار المحكمة بـ«المتهور» والقضاة الثلاثة الذين أصدروا القرار بأنهم تحولوا إلى «أعداء للشعب اليهودي، ويعرضون إسرائيل لخطر استراتيجي يهدد الأمن القومي الإسرائيلي».جذور المخيمات الثلاثة تعود إلى أيام النكبة الأولى عام 1948 وقيام إسرائيل، حيث أدت الهجمات اليهودية آنذاك إلى تهجير آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، أي ما يقدر بـ750 ألف فلسطيني، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، توزعوا بين الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، وغزة والأردن ولبنان وسوريا. وقد أقامت وكالة الأونروا مخيم طولكرم عام 1950 داخل المدينة، ومعظم سكانه من يافا وحيفا وقيسارية، بمساحة نحو 0.18 كم مربع، أما مخيم نور شمس فأقيم عام 1952 على نحو 226 دونماً شرقي طولكرم، في حين أقيم مخيم جنين عام 1953، ومعظم أهله من حيفا وجبال الكرمل.إن رفض أركان الحكومة الإسرائيلية قرار المحكمة العليا يكشف عن نوع الأيديولوجيا المتطرفة التي تحكم هناك، التي تقوم على فكرة إقامة دولة قومية لليهود تدمج بين النصوص التوراتية والأسطورة الدينية في القرارات السياسية واستراتيجية الاستيطان، وعدم الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، ولهذا فإن نتنياهو يقول عن سكان المخيمات «هؤلاء ليسوا سكاناً».