كلمة يردِّدها الحافظون، ولكنها لا تمرُّ مرور الكرام عند الفاهمين، يُقال إن تطوير المنتخب يتطلب حثَّ اللاعبين على الاحتراف الخارجي، وهذا قول فارغ وغير دقيق. سأضرب لكم مثالاً حيًّا على هذا الموضوع المهم، لنثبت الحجة بالدليل القاطع: المنتخب المغربي، الذي يُعدُّ النموذج الأبرز للنجاح الرياضي العربي والعالمي على حدٍّ سواء. كان لاعبو المغرب محترفين في الخارج منذ التسعينات، لكنهم وصلوا إلى قناعة تامة بأن هذا الاحتراف وحده لن يوصلهم بعيدًا، لذلك بدأ العمل الجاد منذ عام 2009 بدعم حكومي واضح، من خلال إنشاء الأكاديميات، وتطوير المدربين الوطنيين، وصقل المواهب، وتأسيسها على أسس علمية متينة، كانت خطة بعيدة المدى، تتطلب صبرًا ومثابرة، بدلًا من الاستعجال الهادم. والنتيجة؟ في مونديال قطر 2022، بلغ المغاربة نصف النهائي، وحققوا المركز الرابع، إنجاز لم يسبقهم إليه أي منتخب عربي، وكان يُعدُّ حلماً بعيد المنال، لقد بنَوا صرح نجاحهم من الأرض لا من السقف. والمونديال الحالي 2026 ليس إلا تأكيدًا جديدًا على تفوُّق «أسود الأطلس». أحرجوا المنتخب البرازيلي في دور المجموعات بالتعادل الإيجابي، وكانوا الأقرب إلى الفوز عليه، ثم وصلوا إلى دور الـ32 وهزموا المنتخب الهولندي -أحد أبرز المرشحين للقب- بركلات الترجيح. يواصل المغاربة تألقهم المونديالي، مؤكدين أن ما حدث في 2022 لم يكن صدفة ولا ضربة حظ، بل ثمرة عمل مؤسسي مدروس. ولو كان الاحتراف الخارجي هو الحل الأمثل، لجنَتْ منه المنتخبات المصرية والجزائرية ثمارًا أكبر، إذ سبقونا بسنوات طويلة في احتراف لاعبيها في أعتى الأندية الأوروبية، لكن الشواهد كثيرة على أن ذلك لم يُحدِث التأثير المرجو في منتخباتهم، خاصة في كأس العالم. ختامًا: الاحتراف الخارجي حرية شخصية تخص اللاعبين وحدهم، أما التطوير الاحترافي الحقيقي فيبدأ من الناشئين، وتحديدًا في الأكاديميات والفئات العمرية داخل الأندية، هناك نبني الأساس، وهناك نزرع بذور المستقبل.