الاحتجاجات تشعل عواصم أوروبية وحظر التجول يعود لباريس

تعيش القارة الأوروبية على وقع زلزال اجتماعي واقتصادي غير مسبوق، بعد أن تحولت شوارع كبرى العواصم والمدن من باريس وميلانو إلى مدريد وتيرانا، إلى ساحات مواجهات مفتوحة وعنيفة. وجاء هذا الانفجار الشعبي مدفوعاً بمرارة التضخم، والارتفاع الحاد في أسعار الوقود والمواد الغذائية، فضلاً عن تفاقم أزمة السكن وتدهور الخدمات العامة، مما وضع الحكومات الأوروبية في مأزق سياسي وأمني حرج.باريس: حظر التجول يعود للواجهةفي فرنسا، لم تعد لغة الدبلوماسية تجدي نفعاً، حيث فرضت الحكومة حظراً جزئياً للتجول في أجزاء من العاصمة باريس ومدن أخرى، بعد اضطرابات وأعمال شغب وصفت بالأعنف منذ سنوات.الشرارة بدأت من طلاب المدارس الثانوية الذين اعترضوا على نقص الموارد وتدهور المرافق، لتتحول سريعاً إلى كرة ثلج انضمت إليها النقابات العمالية.الحصيلة الميدانية لعطلة نهاية الأسبوع كانت ثقيلة؛ اعتقال أكثر من 2400 شخص، وعمليات نهب واسعة شملت مرسيليا وليون وبوردو، في حين التهمت النيران مبنى بلدية "ليموج" الأثري ومجموعة من المدارس، وسط تبادل للاتهامات السياسية بين الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اتهم "اليسار المتطرف" بالسعي لإسقاط الجمهورية، ودخول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الخط محذراً من "سيطرة المهاجرين على فرنسا" ومطالباً بإغلاق الحدود.إيطاليا: نهب مستمر للمتاجرالوضع في إيطاليا ليس أفضل حالاً؛ فقد قادت حركة "إيطاليا في الساحات" آلاف المتظاهرين للمطالبة بفرص عمل وأجور عادلة، بعد أن قفز معدل التضخم في البلاد إلى 4.2% متجاوزاً متوسط منطقة اليورو.المسيرات السلمية انحرفت سريعاً نحو مواجهات دامية في ميلانو وتورينو وبولونيا؛ حيث اشتبك شبان ملثمون مع قوات الأمن، وعمدوا إلى تخريب وحرق الممتلكات ونهب المحلات التجارية العريقة في عاصمة الموضة "ميلانو". وأعلنت شرطة ميلانو عن توقيف 271 شخصاً، في وقت أعلنت فيه "حركة 17 أكتوبر" الناشئة عن "تعبئة دائمة" ونزول أسبوعي مستمر إلى الشوارع.إسبانيا والبرتغال: خيام الاحتجاج تخنق الساحات أزمة السكن الطاحنة نقلت الغضب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية؛ ففي إسبانيا، تحولت ساحة "بويرتا ديل سول" الشهيرة وسط مدريد إلى مخيم ضخم مغطى بالأغطية البلاستيكية بعد طرد مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها ووفاتها لاحقاً.الضغط الشعبي الجارف، متزامناً مع إضراب مفتوح لمعلمي المدارس، دفع رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز إلى الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة في نوفمبر المقبل، وسط دعوات موازية لأول إضراب عام تشهده البلاد منذ 14 عاماً، لاسيما وأن متوسط الإيجار الشهري بات يلتهم الراتب الأساسي للمواطن بالكامل. وفي الجارة البرتغال، لم يكن المشهد مختلفاً؛ إذ انتفضت مدينتا لشبونة وبورتو في مسيرات حاشدة تنديداً بالارتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة.حزام البلقان: تحركات مناهضة للفسادالاضطرابات لم تقتصر على غرب القارة؛ ففي ألبانيا، يواصل الطلاب للأسبوع الثاني محاصرة العاصمة تيرانا عبر حركة "فلامينجو" للمطالبة بإسقاط رئيس الوزراء إيدي راما ومكافحة الفساد، لاسيما بعد منح الحكومة موافقة لمشروع سياحي ضخم مرتبط بصهر ترمب (جاريد كوشنر) على حساب أراضٍ طبيعية.أما في صربيا، فيتحدى طلاب الجامعات بكل قوة محاولات الرئيس المستقيل ألكسندر فوتشيتش للعودة إلى السلطة كرئيس للوزراء في الانتخابات المقررة في 25 أكتوبر الجاري، وسط تحذيرات أمنية من أن تؤدي المنافسة المتقاربة إلى انفجار الأوضاع ميدانياً.القارة العجوز في عين العاصفةتأتي هذه الهزة الاجتماعية الكبرى في توقيت سياسي مفصلي؛ حيث تستعد اقتصادات الاتحاد الأوروبي لانتخابات مصيرية في ظل صعود لافت لأحزاب اليمين المتطرف، وتزامنًا مع تراجع الزخم الشعبي لدعم أوكرانيا وسط مؤشرات على تقارب محتمل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مما يضع القارة العجوز أمام شتاء سياسي واقتصادي هو الأكثر قسوة وغموضاً في تاريخها الحديث.