الإنسان والبحث عن المعنى

امتدت حياة الكاتب فيكتور إميل فرانكل طوال القرن العشرين تقريباً من ولادته "1905" إلى عام "1995"، كان مفتوناً بالفلسفة وعلم النفس التجريبي والتحليل النفسي ليس بتشخيص المشكلات النفسية لكن في اكتشاف ما يحفز الناس ويجعل لحياتهم معنى، في كتابه "الإنسان والبحث عن المعنى" في ترجمة الصفحة السابعة يقول: "إن الحياة ليست بحثاً عن المتعة كما يعتقد فرويد، أو بحثاً عن السلطة كما علمنا ألفرد أدلر، لكنها بحث عن المعنى، إن أعظم مهمة لأي شخص تتمثل في أن يجد معنى في حياته أو في طريقة عيشها". بين جنبات الكتاب الذي جاء في 216 صفحة، وبفصول متعددة، يروي فرانكل تجربة ثلاثة أعوام "1942 - 1945"، قضاها داخل معسكر "آوشويتز"، أحد مراكز الاعتقال التي أنشأتها النازية خلال الحرب العالمية الثانية. "الإنسان والبحث عن المعنى" ليس مجرد كتاب يوضع فوق رف كي يأكله الغبار وتحرسه أعين القرّاء وتخيّم عليه الظلمة حين تكمل المصابيح مهمّتها، بل هو تجربة حياتيّة فريدة من نوعها، ونادرًا ما تتكرّر، غيّرت من حيوات ملايين البشر حول العالم وجعلت من الكتاب أحد أهم الكتب التي يرتكز عليها الفكر الإنسانيّ في العصر الحديث. عندما تنهار الروح يقف الإنسان كي يرمم ذاته، لن يجد سبيلاً آخر كي يعيد ترميم الذات المخدوشة والمجروحة دون اللجوء إلى المعنى والبحث عنه. كيف عاش فيكتور فرانكل تجربة المعتقل، وكيف غيّرت تلك العذابات من نظرته إلى العالم، وكيف يمكننا أن نغيّر حياتنا انطلاقاً من تجربته؟ أسئلة كثيرة يجيب عنها هذا الكتاب العظيم، كتاب عن النجاة والبقاء على قيد الحياة، ويضعنا أمام مرآة الذّات الإنسانيّة التي طالما بحثنا عن علاج لها.. تمّ بيع خمس عشرة مليون نسخة من هذا الكتاب حول العالم، وأحدث ثورة في علم النّفس، أدّت إلى مراجعات كبيرة لها علاقة بالإنسان وصراعاته الدّاخلية التي لا تتوقّف أبدًا. من المهم أن نعرف أن المؤلف فيكتور فرانكل الذي ظل يعمل رئيساً لقسم الأعصاب في مستشفى فيينا العام لمدة خمس وعشرين عاماً، وألف أكثر من ثلاثين كتاباً، كان مؤهلاُ للهجرة الى الولايات المتحدة الأميركية لكنه في نهاية المطاف قرر التخلي عن السفر من أجل والديه المسنين في سبتمبر 1942م حتى تم القبض عليه وعائلته وترحيلهم إلى المعتقل. وأخيراً طلب من فرانكل ذات يوم أن يعبر في جملة واحدة عن معنى حياته، كتب الرد وطلب من طلابه التخمين فيما كتبه بعد لحظات من التأمل الهادئ، فاجأ أحد الطلاب فرانكل بقوله: "معنى حياتك هي مساعدة الآخرين في العثور على معانيهم"، قال فرانكل: هذا كل ما في الأمر، هذه هي الكلمات التي كتبتها.