المداينة آلة عاكسة بين قبل وبعد! إذ المُداينة الخُلقيّة أصل المُداينة المالية عند العطّاس، ونقيضها هو ما يراه «لازاراتو»؛ من حيث أنّ المداينة المالية صانعة للأخلاق الإنسانيّة. إلا أن عمق العكس في مستوى العاكس والمعكوس وجوديّاً، فما بينهما كما بين المشرقين! ينطلق «لازاراتو» لتفنيد الرؤية «النيوليبرالية» من نقد مفهوم «الحريّة»، لاختزاله في حريّة التملّك بواسطة الديون؛ فالإنسان ليكمل تعليمه، وليسكن بيتاً، وليوفر أساسيات حياته؛ يستدين، وهذا يفضي بالتحكم في زمنه الآني والمستقبلي، وكذا إعادة تشكيل شخصيّته من خلال تقنيات الذات التي تُخلّقه بحساب ومراقبة إمكانية وفائه بالدين! فحقوقه هي حقوق المداينة لا الإنسان، في مجال فقر الممكنات إلا لزيادة فرص السداد الممتدة في حياته، باستخدام «الحرية» في هذه التقنيات لفنّ عيشها (أخلاق المداينة)، فالسوق الحرّ ينتج أشد أنواع التعبيد والسيطرة. في حين يقدّم هو الحرية -من خلفيّة ماركسيّة- بوصفها تحرراً من السُلط التي تحكمه، وخصوصاً الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة (سلطة الذنب/نيتشه مثلاً)، لينطلق ويفعل ما يشاء، وفق معتقده الذي يثق به اعتقاداً حراً! أي معتقدات متشظية بحسب ثقته من مآل سلوك ما. مصوراً هذا المقاوم ببعده الوجودي بصورة تجريدية أقرب للرومانسية منها للواقعيّة، وأنه إنسان قادر بلا سابقة أن يستقيم للحياة فتستقيم له، في مجتمع متحرر من منطق الدِيْن! وقد غفل عن أن الماركسية والرأسمالية وفرعها «النيوليبرالية»؛ كلها تندرج من قطيعة مع «المداينة الأصليّة» (الدين)، مما أغرقها في مداينات فرعية تتضارب! ونسيان أصل علاقة المداينة في علاقة الإنسان بمن امتنّ عليه بالوجود أصالة، فضلاً عن حفظ هذه النعمة بمداينات فرعيّة. والفرق بين الماركسيّة والرأسماليّة أنّ الرأسمالية المالية تقيم علاقة مداينة بين إنسان وإنسان، في حين تنبذها الماركسية. وينزع «لازاراتو» أيضاً لجمع الأديان التوحيدية في إطار واحد، وأنها هي من أفسد العلاقات الإنسانية الأصلية، حينما ركّزت السلطة في مكان معيّن، وأنّ الرأسمالية ما هي إلا وريث للمسيحية في مركزيّة علاقة «السلطة»! وقد استند بقوّة لأدوات ميشيل فوكو، وتأثيرات نيتشه وماركس، مع تحليلات غيتاري ودولوز. وعدم وعيه أنّ فلسفة التاريخ في قلب الماركسية ذات أصل ديني! فعدم تفريقه بين الأديان، وذمّها، والتعييب بها؛ أغراه لوسم الرأسمالية-»النيوليبرالية» بوريثة البنية المسيحية لتركّز السلطة! غير مميز هو ومن شابهه في نقد الحداثة بين دين ودين! ومعتمدون على مبدأ ثنائية المقابلة «العلمانية والدين»! وهذه ثالثة الجوامع بينهما: النظرة للدين، والأصالة الإنسانيّة، والرؤية الكونية. وهذا الانغماس في البعد العلماني يعِد بتدوير الأزمة! ولو أنّه فرّق بين الأديان لوجد اختلافات عدّة، وأنّ الخبرة الأوروبية مع المسيحية ليست ملزمة لكل الأمم؛ للحكم على الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية... فضلا عن تعريف الإنسان! ولو عرفَ الإسلام لعرف أنّ أهم وقود للرأسمالية والأزمات الاقتصادية غير مشروع، بل من أكبر الكبائر وهو «الربا»، فهو محاربة كبرى لأصل الدِين بعد التوحيد، ولا تدور دائرة الاقتصاد عليه. وأن الوفاء بالربا خرم لأصل المداينة مع الخالق سبحانه وتعالى، وعند فك الارتباط بين علاقة «المداينة» و»الربا»؛ يمكن فحص الإطار الوجودي: الرؤية الكونية، والأصالة الإنسانية، ورؤية الدِيْن. وهذا ما نجده عند «سيد نقيب العطّاس»، واصفاً العلاقة الوجودية الأولى «المداينة» بالأصل المنقذ للفروع التابعة كالمداينة بين الناس؛ وهي مداينة سلمية تكافلية تعاونية، وفيها قيم خُلقيّة ثابتة، لا قيماً تُصنع بالرقابة لصناعة خُلق المَدين؟ فالإنسان مدين وجودياً لمن أوجده من عدم، وملَّكه؛ فما تركه مُعدماً، وتكفّل برزقه قدراً، ورسم له مسالكه شرعاً، وقيّد حريّته بهذين القيدين (القدر، والشرع)؛ فالإنسان مقيّد وما ينتجه وينتهجه المقيّدُ مقيّد مثله. فالاعتراف بهذه القيود الوجوديّة الأولى يعيد تعريف الحريّة الأوّل، ويعيد التذكير بعلاقة المداينة الأولى، وتعريف الإنسان في وجوده وعيشه ومآله، ومن ثم انعكاسات هذا الأصل في التعاملات البشرية، ومن علاقة المداينة الأصليّة تنبثق علاقة «المساواة» بين الناس، مع حفظ علاقات «المداينة» لحفظ المعروف بينهم، فهي قوالب حفظ القيم؛ فلا يمكن للإنسان أن ينفرد لما عليه من حقوق وما له، وهذه هي منافذ التماسك الاجتماعيّ. فذا تركيب متناغم من القيم والمفاهيم دون تشظية المفاهيم (كالحرية ليسبح وحده، ويجد دوّامة التصادم مع مفاهيم أخرى كالمداينة)، فلا تعارض في الفروع ما دامت الأصول فاصلة.