في عام 1956م أصدر الباحث الأمريكي ولبر شرام وزملاؤه كتاب «أربع نظريات في الصحافة» الذي يُعد من أقدم وأهم المؤلفات التي ناقشت العلاقة بين الإعلام والسلطة. ركز المؤلفون على تفسير العلاقة بين وسائل الإعلام والنظام السياسي في بيئات مختلفة، وتوصلوا إلى تقسيم هذه العلاقة إلى أربع نظريات تفسر دور الصحافة والإعلام في المجتمع. والنظريات الأربع هي: أولاً، النظرية السلطوية، وهي أقدم النظريات، وترى أن الإعلام يجب أن يخضع للدولة والسلطة السياسية من أجل حفظ النظام والاستقرار، ولذلك فالنظرية تبرر الرقابة والمنع والعقوبات ضد الصحافة المعارضة. ثانياً، النظرية الليبرالية أو نظرية الصحافة الحرة، التي نشأت مع أفكار التنوير الأوروبي، وتقوم على أن الحقيقة تظهر من خلال حرية المنافسة بين الآراء، وأن الصحافة يجب أن تكون مستقلة عن الدولة وتعمل كأداة رقابة على السلطة. ثالثاً، نظرية المسؤولية الاجتماعية، التي ظهرت في القرن العشرين، خصوصاً بعد اتساع نفوذ المؤسسات الإعلامية التجارية، وترى أن حرية الإعلام يجب أن تقترن بالمسؤولية تجاه المجتمع، بحيث تقدم الصحافة معلومات دقيقة ومتوازنة وتحترم القيم العامة. أما النظرية الرابعة فهي النظرية السوفيتية الشيوعية، التي اعتبرت الإعلام أداة في خدمة الحزب والدولة والثورة الاشتراكية، ولذلك لا يجوز أن يعمل الإعلام ضد أهداف النظام السياسي والطبقة الحاكمة. وقد أصبح هذا التقسيم الفلسفي من أكثر التصنيفات تأثيراً في تدريس الإعلام لعقود طويلة. ولكن هذا الكتاب، ومفهوم النظريات الأربع، تعرض لانتقادات عديدة، من أهمها أنه يقدم صورة بسيطة ونمطية عن العلاقة بين الإعلام والسلطة. فقد قسم أنظمة الإعلام العالمية إلى نماذج محدودة وثابتة، رغم أن الواقع هو أكثر تنوعاً وتعقيداً. كما أن الكتاب يعكس المنظور الأمريكي والغربي للإعلام خصوصاً أثناء الحرب الباردة، فهو يصور النموذج الليبرالي الغربي باعتباره النموذج الأفضل مقارنة بالأنظمة الأخرى. وأشار الباحث الأمريكي جون نيرون في كتاب بعنوان «إعادة النظر في نظريات الصحافة الأربع» إلى أن الكتاب يتعامل مع النظريات وكأنها حقائق عالمية عامة، بينما هي في الواقع نتاج ظروف تاريخية وسياسية وثقافية محددة. وفي هذا السياق، أضاف الباحث البريطاني دينيس مكويل لاحقاً نظريتين جديدتين إلى هذا التصنيف. الأولى، هي نظرية الإعلام التنموي، التي ظهرت في دول العالم النامي بعد الاستقلال من الاستعمار الأوروبي، وترى أن وسائل الإعلام يجب أن تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الهوية الوطنية حتى لو أدى ذلك إلى بعض القيود على الحرية الإعلامية. والثانية، هي نظرية المشاركة المجتمعية أو الإعلام بالمشاركة، التي انتقدت احتكار الحكومات والشركات الكبرى للإعلام، ودعت إلى إعلام محلي ومجتمعي يتيح مشاركة الجمهور العادي ويعبر عن التعددية الثقافية والاجتماعية. أطلق مكويل على هذه النظريات الست اسم «النظريات المعيارية» لأن هدفها ليس وصف الواقع بالضرورة، بل تقديم معايير وقيم توضح كيف ينبغي أن يعمل الإعلام داخل المجتمع. فهذه النظريات تحمل تصورات أخلاقية وسياسية عن الدور المثالي للصحافة، مثل الحرية أو المسؤولية أو التنمية أو المشاركة. لكن مكويل نفسه لم يتعامل مع النظريات المعيارية باعتبارها حقائق ثابتة ونهائية. فقد أشار إلى أن الواقع الإعلامي أكثر تعقيداً من هذه النماذج المبسطة، وأن الأنظمة الإعلامية الحقيقية غالباً تجمع بين أكثر من نموذج في وقت واحد. كما أوضح أن العولمة والتقنيات الرقمية والمنصات الجديدة جعلت الحدود بين هذه النظريات أقل وضوحاً مما كانت عليه سابقاً. ولذلك اقترح التعامل مع النظريات المعيارية بوصفها أدوات للمقارنة والتحليل وليست قوانين جامدة.