مقالاتي دائماً مطولة في عصر الاختصار الشديد للمعلومات، لكنني أفضل تقديم مقالات مطولة لسبب رئيسي، أن هذه المقالات موجهة للقارئ المهتم في البحث والتوسع والاطلاع الأشمل، بطريقة مختلفة ترتكز على المصادر والمفاهيم والنتائج، وهي عبارة عن بحوث مصفرة جداً، ينهل منها القارئ المحترف والمتخصص والإستراتيجي في هذا المجال لبعض المفاهيم والمعلومات الجديدة، وتعيد تنشط الذاكرة واخترت اليوم أن أتحدث عن أمر «هام» وحساس، هو الإعلام الدولي، ويُعرَّف الإعلام الدولي بأنه منظومة من المؤسسات والوسائل والأنشطة الإعلامية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول، لنقل الأخبار والمعلومات والأفكار والرسائل إلى جماهير متعددة الثقافات واللغات، بهدف الإخبار والتفسير والتأثير وتشكيل التصورات تجاه الأحداث والقضايا والشعوب والحكومات، ويشمل القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف ووكالات الأنباء والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى المؤسسات التي تستخدم الاتصال الجماهيري للتعريف بالدول وسياساتها ومواقفها ومصالحها الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وتبرز أهمية الإعلام الدولي في قدرته على الوصول إلى ملايين البشر، وتقديم الأحداث من زوايا مختلفة، والتأثير في فهم المجتمعات للقضايا العالمية، فالرسالة الإعلامية التي تنطلق من دولة قد تتحول خلال دقائق إلى موضوع للنقاش في دول أخرى، وقد تسهم في تشكيل الرأي العام والتأثير في العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وبناء صورة ذهنية طويلة الأمد عن دولة أو شعب أو مؤسسة، ولهذا أصبح الإعلام الدولي أحد مكونات القوة الناعمة وأداة مهمة في الدبلوماسية العامة والتنافس على التأثير في الوعي العالمي التي لا تقدر بثمن.
وتضاعفت أهمية هذه الوظيفة مع التحولات الرقمية التي غيّرت طبيعة الاتصال الدولي، وأعادت توزيع الأدوار بين المؤسسات الإعلامية التقليدية والمنصات الإلكترونية وصناع المحتوى والأفراد، فبعد أن كان انتقال الخبر بين الدول يعتمد بدرجة كبيرة على المراسلين ووكالات الأنباء وشبكات البث، أصبح الجمهور قادراً على متابعة الأحداث مباشرة، ومقارنة الروايات الإعلامية، ونشر الصور والمقاطع والتعليقات التي قد تتحول بدورها إلى مواد تتداولها المؤسسات الدولية.
ويشير التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025م، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، إلى التحولات المستمرة في طرق استهلاك الأخبار، وتزايد أهمية المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو في وصول المعلومات إلى الجمهور، بالتزامن مع تحديات الثقة في الأخبار وانتشار المعلومات المضللة، وتوضح هذه التحولات أن المنافسة الإعلامية الدولية لم تعد مقتصرة على سرعة نشر الخبر أو امتلاك شبكة واسعة من المراسلين، بل أصبحت تشمل القدرة على تقديم معلومات موثوقة، وصياغة رسائل واضحة، وفهم احتياجات الجماهير المختلفة، والوصول إليها عبر المنصات التي تستخدمها، المصدر، معهد رويترز لدراسة الصحافة، جامعة أكسفورد، التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025.
ويعتمد تأثير الإعلام الدولي على مجموعة من العناصر المتداخلة، أبرزها مصدر الرسالة، ومصداقية المؤسسة الناشرة، وطبيعة المعلومات المقدمة، وتوقيت النشر، واللغة المستخدمة، والسياق السياسي والثقافي الذي يستقبل فيه الجمهور المحتوى. فالخبر الواحد قد يُقدَّم في وسيلة إعلامية بوصفه تطوراً سياسياً طبيعياً، بينما تعرضه وسيلة أخرى باعتباره أزمة أو تهديداً، وقد تختلف العناوين والصور والضيوف والتفسيرات المصاحبة للحدث، فتنتج عنها انطباعات متباينة لدى المتلقين.
وهنا تظهر أهمية التأطير الإعلامي، الذي يعني اختيار جوانب معينة من الحدث وإبرازها ومنحها مساحة أكبر من غيرها، بما يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور القضية، فالتغطية الدولية للحروب والأزمات الاقتصادية والانتخابات لا تتكون من الوقائع وحدها، بل تتأثر أيضاً بترتيب الوقائع، واختيار المفردات، وتحديد المسؤوليات، واستضافة الخبراء، وإبراز بعض الشهادات أو إغفال شهادات أخرى، ولا يعني اختلاف المعالجة الإعلامية بالضرورة وجود تضليل متعمد، لأن المؤسسات تختلف في سياساتها التحريرية ومصادرها والجمهور الذي تخاطبه، غير أن المسؤولية المهنية تقتضي التمييز بين الخبر والرأي والتحليل، والتحقق من المعلومات، وإتاحة السياقات الضرورية لفهم الحدث، وتجنب تقديم التفسيرات السياسية باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة.
ومن هنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية التي تساعد الجمهور على تقييم المصادر، وفهم الرسائل الإعلامية، والتحقق من الصور والمقاطع، والتعرف على أساليب التأثير والإقناع. وتولي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اهتماماً بهذه المهارات، باعتبارها جزءاً أساسياً من تمكين الأفراد من التعامل الواعي مع البيئة الإعلامية والمعلوماتية والمشاركة المسؤولة في الحياة العامة. المصدر، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أطر التربية الإعلامية والمعلوماتية وإرشاداتها التعليمية، ولا يمكن النظر إلى الإعلام الدولي باعتباره مجرد قناة لنقل المعلومات من دولة إلى أخرى، لأنه يؤدي دوراً يتجاوز الإخبار إلى تفسير العالم أمام الجمهور، فعندما تتكرر تغطية دولة معينة في سياقات الأزمات والصراعات، بينما تحظى إنجازاتها العلمية والاقتصادية والثقافية باهتمام محدود، قد تتشكل لدى الجمهور صورة غير متوازنة عنها، وعلى العكس، فإن التغطية المتنوعة التي تشمل الاقتصاد والثقافة والسياحة والتعليم والابتكار والسياسات العامة تساعد على تقديم صورة أكثر شمولاً.
وتتأثر الصورة الذهنية للدول أيضاً بقدرتها على إيصال رسائلها، وتوفير المعلومات الدقيقة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وإتاحة البيانات، والاستجابة للاستفسارات، وتقديم متحدثين مؤهلين قادرين على شرح السياسات والقرارات بلغة واضحة. فغياب المعلومات الرسمية في لحظات الأزمات يترك مساحة أكبر للتكهنات والتفسيرات المتعارضة، بينما يساعد التواصل المبكر والمنظم على توضيح الحقائق وتقليل الالتباس، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الأزمات الدولية، عندما تتنافس الروايات الإعلامية على تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات، ففي مثل هذه الظروف، تصبح سرعة الاستجابة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ ينبغي أن تستند الرسائل إلى معلومات قابلة للتحقق، وأن تُحدَّث عند ظهور مستجدات، وأن تتجنب المبالغة أو تقديم وعود لا يمكن الوفاء بها. كما أن الاعتراف بعدم اكتمال المعلومات أكثر مهنية من ملء الفراغ بتفسيرات غير مؤكدة.