الإعلامي الرياضي حين تقوده المبادئ

في زمنٍ كانت فيه المهنة الإعلامية الرياضية رسالةً وشغفاً ومسؤوليةً قبل أن تكون وسيلةً للشهرة والانتشار، كان الإعلامي الحقيقي ينحت في الصخر ليصنع اسمه ويثبت مكانته في مهنة المتاعب، بعيداً عن المصالح الآنية والمكاسب السريعة. وكانت الصحافة الورقية، رغم محدودية إمكانياتها آنذاك، مصنعاً للأسماء الكبيرة التي صنعت حضورها بالفكر والثقافة والوعي والشجاعة، وقدّمت نقداً هادفاً ورؤى عميقة أسهمت في تطوير الوسط الرياضي والارتقاء به. في ذلك الزمن، كان صاحب الفكر والمعرفة والرأي المهني هو من يقود الجماهير ويوجهها نحو الفهم الصحيح للأحداث، لا أن يُقاد خلف الانفعالات وردود الأفعال العابرة. وكانت المصداقية رأس مال الإعلامي الحقيقي، والموضوعية الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها مكانته واحترامه لدى المتابعين، ولذلك بقيت أسماء كثيرة خالدة في الذاكرة، ليس لأنها كانت الأكثر ظهوراً، بل لأنها كانت الأكثر صدقاً وتأثيراً واستقلالية. ومع التطور الكبير في وسائل الإعلام وظهور المنصات الرقمية وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، اتسعت مساحة التعبير وتعددت مصادر الرأي، وهو أمر إيجابي في جوهره، لكنه أوجد في المقابل بيئةً أصبح فيها البحث عن التفاعل والانتشار هدفاً لدى البعض، حتى وإن كان ذلك على حساب المهنية والموضوعية. فغلبت الإثارة على التحليل، وارتفع صوت الجدل على حساب الطرح المتزن، وأصبحت بعض الآراء تُصاغ وفق ما يرضي الجماهير، لا وفق ما تفرضه الحقائق والمعطيات. ومع هذا التحول، انقلبت الأدوار في كثير من الأحيان؛ فأصبحت الجماهير تقود بعض أصحاب الرأي بدلاً من أن يقودوها بالفكر والتحليل المسؤول، ولم يعد المعيار لدى البعض هو القناعة الفنية أو الرؤية المهنية، بل اتجاه الرأي العام وموجات مواقع التواصل الاجتماعي المتقلبة، فتجد من يبالغ في الإشادة بمدرب أو لاعب عند النجاح، ثم ينقلب عليه بالكامل عند أول تعثر استجابةً لمزاج الجماهير، وكأن المبادئ المهنية أصبحت قابلة للتغيير وفق حجم الضجيج لا وفق الحقائق والمعايير الموضوعية. كما أن التباين غير المبرر في تقييم الأحداث، والانتقائية الواضحة في تناول القضايا، وازدواجية المعايير في الحكم على الوقائع المتشابهة، كلها ممارسات تُفقد الإعلامي جزءاً كبيراً من مصداقيته وتُضعف ثقة المتلقي به، فالمتابع الرياضي اليوم أصبح أكثر وعياً ونضجاً، وأكثر قدرةً على التمييز بين من يقدم رأياً مهنياً نابعاً من قناعة راسخة، وبين من يغيّر مواقفه تبعاً للمصالح أو الميول أو حسابات التفاعل والانتشار. ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل برزت أساليب جديدة تقوم على استثارة الجماهير والمتاجرة بالعواطف واستدرار التعاطف لتحقيق حضورٍ سريع وانتشارٍ مؤقت، ورغم أن هذه الأساليب قد تمنح أصحابها أرقاماً مرتفعة في المشاهدات والمتابعات، إلا أنها سرعان ما تنكشف أمام المتلقي الواعي، لأن الوعي الرياضي اليوم أصبح أكثر قدرةً على فرز الطرح المهني من الطرح الشعبوي، والتمييز بين الإعلامي الحقيقي وصانع الإثارة المؤقتة. ومن هنا تتضح الفوارق الحقيقية؛ فالإعلامي الحر النقي لا يتبدل رأيه مع تغيّر المزاج الجماهيري، ولا يغيّر قناعاته المهنية تبعاً للضغوط أو الضجيج أو المصالح. بل يبقى ثابتاً على مبادئه، يقول ما يراه حقاً بصدق وتجرد، سواء وافقه الناس أم خالفوه، لأنه يدرك أن مهمته ليست كسب التصفيق أو زيادة أعداد المتابعين، بل نقل الحقيقة، واحترام عقل المتلقي، والمساهمة في رفع مستوى الوعي الرياضي، فالإعلامي الحر لا يتعصب لاسم، ولا يجامل نادياً، ولا يخاصم شخصاً، ولا يسمح لميوله الشخصية أن تتحكم في أحكامه المهنية، بل يزن الأمور بميزان العدل والإنصاف، ويمنح كل ذي حق حقه، ويجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، لأن رسالته أكبر من أن تُختزل في موقف عابر أو مكسب مؤقت، كما أن قوة الإعلامي الحقيقي لا تكمن في قدرته على صناعة الجدل، بل في قدرته على الثبات على المبدأ، والاعتراف بالخطأ عند وقوعه، والتراجع عنه بشجاعة، لأن المصداقية لا تعني العصمة من الخطأ، بل تعني النزاهة في تصحيحه، فالإعلامي المهني لا يخشى مخالفة الرأي السائد إذا كانت الحقائق إلى جانبه، ولا يبيع قناعاته من أجل موجة مؤقتة سرعان ما تنتهي. وفي النهاية، يبقى الإعلام الحر النقي هو الضمير الحي للمشهد الرياضي، والمرآة التي تعكس الحقيقة كما هي، لا كما يرغب الآخرون في رؤيتها. فالضجيج قد يرتفع، لكنه لا يدوم، والشعبوية قد تجذب الأنظار، لكنها لا تصنع تاريخاً، أما المصداقية فهي الإرث الحقيقي الذي يبقى لكل إعلامي محترم، والثروة المعنوية التي لا تُشترى ولا تُصنع إلا بالصدق، والاستقلالية، والثبات على المبادئ. فالإعلامي الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين الذين يصفقون له، بل بعدد العقول التي يثق بها، ولا يُخلَّد اسمه بحجم الضجيج الذي يصنعه، بل بقيمة الأثر الذي يتركه، لأن الجماهير قد تتغير، أما المبادئ الصادقة فتبقى خالدة لا تتبدل. صالح القبلان